كتاب جديد للدكتور أحمد عبد المجيد

456

كتاب جديد للدكتور أحمد عبد المجيد

أرمينيا بلد الكنائس والمتاحف والمشاهير

ياس خضير البياتي

احتل الرحالة العرب، في مجال التعرف إلى العالم، موقعاً مركزياً داخل أروقة الثقافة العربية، وحفلت مدوناتهم بالصور الحية عن الشعوب التي زاروها في أوروبا، وشرق آسيا، وفي عمق أفريقيا السوداء عكسوا فيها طريقة نظر الثقافة العربية تجاه الآخر، ودرجة اعترافها به كشريك في بناء العالم، حيث مزجوا بين ما شاهدوه واختبروه في ترحالهم وبين معاييرهم الثقافية في الحكم على الآخر. وفي وعينا الثقافي باتت صورة ابن بطوطة رمزاً مؤشراً لأدب الرحلات الذي أسس لانطلاقة الفرد العربي لارتياد أقطار جديدة واكتشاف أحوال الأمم والتعرف الى الآخر المختلف.

استلام شعلة

ويعد ادب الرحلات الفن الأرقى عند العرب، قديماً، الذي كان مزدهراً على يد نخبة من الأدباء، أمثال ابن بطوطة والمسعودي والريحاني، لكنه أخذ يتراجع، وما يكتب حالياً، لا يرقى إلى مستوى الرحالات التي كتبها هؤلاء الذين ذكرناهم. إذ استلم الأوروبيون هذه الشعلة من العرب، لاحقاً، فأبدعوا في هذا الفن.

ويعرف أدب الرحلات، كما كتبت في ادبيات الرحلات، باعتباره مجموعة الآثار الأدبية التي تتناول انطباعات المؤلف عن رحلاته في بلاد مختلفة يقصدها لغايات شتى، ويصف ما يراه من عادات البشر وسلوكهم وأخلاقهم. كما يعتني بذكر الأحوال الاجتماعية والاقتصادية. لذلك فأن الخطاب الرحلي على مستوى المضامين يحتوي على معارف متنوعة: تاريخية وجغرافية ودينية وأدبيـة واثنوجرافية، وعلى مستوى الأشكال نجد فيه السرد والوصف والحكايات والأخبار والرسـائل والمعرفة، وهذا الغنى والتنوع في المضامين والأشكال يسمح بتشبيه الرحلة، بفناء بيت تنفتح فيـه أبـواب حجرات متعددة، وكل باب يجد فيه مبتغاه إذ تتوفر فيه مادة لا ينضب معينها لا للمـؤرخ أو الجغرافي فحسب، بل أيضا لعلماء الاجتماع والاقتصاد ومؤرخي الأدب والاعلام والعلم والدين واللغـويين وعلماء الطبيعة.

 ولعل المسؤولية الأساسية عن تخلف أدب الرحلات حالياً ، كما اتفق عليه كتاب الرحلات ، ترجع إلى حرمان المسافر من تجربة الرحلة الحقيقية بكل ما فيها من عمق وإثارة واكتشاف، فقد أصبح السفر سهلاً ومتاحاً لكل الناس، وفقد المسافر خصوصيته فيما يسمى بالرحلات الجماعية المنظمة سلفاً، مما جعل (لسائح) الحديث يحل محل (الرحالة) القديم، فالرحالة يعنى التميز والفردية والأصالة والعمق، والسائح هو المتابع السطحي الذي ترك أمور رحلته بيد غيره، يرى بعيون من نظم الرحلة، ويفهم ويصدر الأحكام المتعجلة النابعة من الآخرين وليس من ذاته، فهذا التحول من الرحالة إلى السائح يعد أحد أهم أسباب تراجع أدب الرحلات حالياً. يضاف إلى ذلك تقدم وسائل الاتصال خصوصاً التليفزيون والإنترنت بحيث يظن مستخدم هذه الوسائل أنه يعرف كل شيء عن العالم، وأنه زار كل مكان في العالم وهو جالس في بيته لم يتحرك من مكانه أمام شاشة التليفزيون أو الكمبيوتر.

جنس ادبي

ويثير كتاب الزميل الإعلامي والأكاديمي د. احمد عبد المجيد  (أرمينيا بلد الكنائس والمتاحف والمشاهير) أكثر من تساؤل حول أهمية مثل هذه الكتب التي تفتقر اليها مكتبتنا العربية ،ومدى أهميتها للقارئ كجنس ادبي وصحفي ،وحاجاته لمعرفة خرائط المدن وثقافاتها في عصر السرعة وتكنولوجيا الطيران والمواصلات المتقدمة ،ومعرفته بالمعلومة الحقيقية بعيدا عن طوفان المعلومات الرقمية وتناقضاتها ودعاية مكاتب الدعاية السياحية ، وتجارة الخداع .فالكتاب هو موسوعة حياتية لبلد أرمينيا التي اطلق عليها (بلد الكنائس والمتاحف والمشاهير ) والتي نشرت بحلقات في صـــــــحيفة (الزمان). هي رحلة نقلة في الزمان والمكان، وسفر داخلي في فكر كاتــــــبها ومعارفه وموقفه من الحياة والوجود، ونظرته المعمقة الى حياة الناس والمجتمع الأرميني. وأجمل ما فيها هي التفاصيل الدقيقة لأحداث سفره وما شاهده وعاشه، مازجا ذلك بانطباعاته الذاتية حول المرتحل إليهم.

ما يميز الكتاب، هو السرد الشيق للأحداث والمواقف، والتزامه بفن السرد الرحلي، المتمثل بالتنوع المفاجئ بين التقطع والتوزع، والتواصل والتكامل، والترابط بين الماضي والحاضر، والواقع والمتوقع، والتكامل ما يراه بعينه، وما يرسمه الخيال للقارئ، وهذا هو سر السحر الذي يمارسه الكاتب، ونتعرض له كقراء، فلا نطيق ان نقاومه، ولانقوي حتى على التفلت من شباكه. لذلك رأينا ابهار الكاتب في السرد والوصف والمعرفة والتكنيك، حين بدأ لنا بالتاريخ، وتفاصيل الاحداث المرافقة له من خلال دخوله المتاحف والكنائس والقبور والشوارع عن طريق مقاطع سردية دائمة الحضور في رحلته، مع مقاطع سردية تحضر في بعض الرحلات وتغيب في أخرى، وبروز محطات يتوقف فيها السرد ليفسح للمكونات أخرى للاشتغال، وهكذا يوقف الراوي السرد ليقدم وصفا، او ليقدم معلومات ومعارف ومواقف، ثم يعود السرد الى جريانه.

ولعل تكنيك الكتاب، وما احتواه من سرد شيق، وربط الأحداث بمجريات الواقع، والمقارنات الذكية بين بعض وقائع الحياة في العراق وأرمينيا سياسيا واجتماعيا، أعطت للكتاب نكهة متميزة، لأن الكاتب لم يكن دوره نقل شريط الحياة الارمينية فقط، وانما كان بمثابة شاهد ومؤرخ وناقد ومستقرئ للأحداث، وكان قريبا من القارئ العراقي رغم انه يكتب عن بلد آخر، ومجتمع متناقض في الإيجابيات والسلبيات، لكنه مجتمع حضاري يحترم القانون، ويبجل سياسية القدماء، ويدعوهم للحاضر مهما اختلفوا معه!

وبعد، فالكتاب موسوعة حياتية لبلد أرمينيا، بلد التاريخ والحضارات والتحديات والتناقضات الحياتية، وبلد الجمال والخضرة والوجه الحسن، استطاع الكاتب أن يحافظ على موضوعيته في نقل الاحداث وتحليلها من خلال خبرته الاكاديمية البحثية، وأن يؤسس نمطا جديدا في كتابة الرحلات، بأسلوب صحفي، ولغة جميلة وبسيطة، لكنها عميقة في دلالاتها ورموزها، وهي بدون شك تستند الى التجربة الثرية للكاتب، وما يمتلكه من خبرة صحفية ككاتب عمود رشيق، وفكر متقد بالحياة. وهذا ما سيمنح القارئ عند قراءته عالما شديد التنوع والغرابة والتشويق والتجربة، ومعرفة الآخر، واكتشاف سر حب الحياة.

مشاركة