كتاب الحياة للقاص عبد الأمير المجر

632

كتاب الحياة للقاص عبد الأمير المجر

الغرائبية في عالم مجهول

نجاح هادي كبة

كتاب الحياة مجموعة قصص قصيرة للقاص عبد الأمير المجر صادرة ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في بغداد العام 2018/ ط1 , تقع في ثماني قصص تتراوح بين الطول والقصر , القصص تعالج خراب الإنسان والواقع الحياتي , وفيها الكثير من النسق المضمر الذي يشف عن كشف الواقع بأسلوب رمزي وفنتازي ساخر , يوظف القاص الأسلوب السينمي , فكل قصة تتألف من مجموعة من السيناريوهات بوحدة موضوعية لتكون بمثابة المونتاج الصائب الذي يعكس العملية الإبداعية لقصصه إذ تتخلل قصصه حكايات ذوات تيار شعبي أحيانا بمبنى حكائي فني وبضربات مفاجئة , لكن الأكثر إبداعاً في قصصه حين تأتي الضربة المفاجئة مضمرة أو رمزية والقارئ يحصل على المتعة واللذة في متابعة قصصه فالقاص له القدرة على تصعيد الأحداث والحوار عن طريق الراوي العليم أو الضمني إذ يطغى على أسلوبه التداعي الحر أو تيار الوعي إلى درجة يصبح فيها حديث شخوصه وحواراتهم نوعاً من الهذيانات واستعارة لغة نفسية انفصامية كما في قصة (كتاب الحياة ) التي عنون بها مجموعته

, إذ كشفت عبثية الوجود بشكل

بداية مرعبة

ساخر عن الحياة والموت الذي يصيب كثيراً من الناس وهو في ذلك لا يخلو من التأثر بكامو ( لماذا جئت إلى هذه الدنيا ولماذا أغادرها …. الموت اقترن عندي منذ الصغر ببداية مرعبة صوّرتها لي مخيلة شيخ مسن ) ص:33 , والكتاب اتضح انه وهمي كوهم الحياة ـــ كما يرى السارد ــ والكتاب أخيراً  قد ضاع كما الحياة ضائعة حتى المدرسة التي عمل فيها الراوي الضمني لم تعد مدرسته ( مرّت لحظات كنت خلالها اسبح في عرقي وأخذت اتلفت مشدوها لا أعرف بالضبط اني كنت في حلم أو يقضة , سألت نفسي بعد ان شعرت بالأرض تمور من تحتي إذ لم يعد الشيخ موجوداً أمامي , بل مدير المدرسة الذي كان يقلّب بعض الأوراق خلف طاولته بصمت لكنه ليس بمقدوري , ومن حولي المعلمون الذين هم أيضاً ليسوا زملائي كانوا ببشرات وجوه مختلفة ويتكلمون لغات مختلفة أيضاً والمدير يجيب كل واحد بلغته , فيما أنا صامت ومذهول تماماً ) ص :41 .

فالقصة توحي بالغرائبية وتعكس صراعاً وعالماً من الأحلام للبحث عن المجهول وتنتهي بضربة مفاجئة ( قالت ؛ هل عرفت ؟ قلت , ماذا ؟ وبشيء من التردد , قالت وهي تحني رأسها وتحبس دموعها , ان صديقك صاحب الكتاب , مات صباح اليوم ) ص!!) ص: 44 .

 وفي قصة ( العراة ) يمزج القاص الجد بالهزل والسخرية بالألم وهو يذكرنا بأسلوب الجاحظ , وفيها نسق مضمر أيضاً فالناس جميعهم في المدينة سرقت ملابسهم  وخرجوا غاضبين مستائين على كذب رئيس المدينة بتنفيذ وعده بالقبض على اللصوص إذ اتضح ان رئيس المدينة هو الذي سرقها بالاتفاق معهم . وجزاء وفاقاً هجم عليه الناس وعلى اللصوص لينزعوا ملابسهم , وقد حوّل السارد رئيس المدينة إلى رجل إمعة يتقدم مجموعة العراة ( يسيرون كالقطيع في شوارع المدينة وخلفهم الجموع الغاضبة ) ص:14 ولكي يوضح القاص التأثير  الخارجي أشار إلى أن اللصوص كانوا من خارج المدينة , وفي سرده للأحداث تتضح قدرته على اختراق السرد التقليدي بضربات مفاجئة , وان يحوّل المتن الحكائي ذا التيار الشعبي إلى مبنى حكائي حداثوي  والقصة تسودها الغرائبية وتعكس انفصال القاص عن واقع خرب .

في قصة (مسبحة أبي ) يستمر القاص بالتخيل بأسلوب غرائبي فنطازي ورمزي ويشير السرد إلى عدة دلالات , منها :

أ ــ ان المسبحة التي هي وسيلة للترفيه وتزجية الوقت صارت أداة مؤلمة لحاميليها فقد احتوت خرزاتها على دبابيس صغيرة سبّبت تقرّح حاملها ( الأب ) حين يداعبها.

ب ــ انتقل القاص إلى واقع اكثر غرائبية وفنطازية ليختم سرده بالضربة المفاجئة فالناس ( قد نسوا حكاية مسبحة أبي بعد ان توزعت الشوارع وجوه بشر على شكل عقارب كبيرة وأفاعٍ يمسك كل واحد منهم بمسبحة من لون مختلف يداعبونها بأصابع من لون مختلف ويوزعون على المارة ابتسامات صفراء ) ص: 29 .

جـ ــ وهكذا تحولت المسبحة إلى أداة مخيفة فالسارد يقصد المضمر ان لا شيء سعيد أمام ناظريه .

وفي القصة تأثير من الفكر الطوطمي الذي طرحه فرويد في موضوع قتل الأب لكن السارد جعل الاتباع مقتولين بتأثير قتل الأب .

والقاص في قصة ( دعوة لحفل المجانين ) يلبس القناع ذاته الذي وظّفه في قصة    ( العراة ) ففيها الكثير من الغرائبية والعجائبية ولكن بالكتاب والفنانين المحبطة أعمالهم وهم من شخوص القصة الرئيسة يتحدث السارد فيها عن حفل أقيم في فندق متهالك في زقاق ضيق يدعى ( فندق الزمن الجميل ) ومن شخوص القصة الرئيسة أيضاً (المجانين الأحرار) الذين وجّهوا الدعوة إلى السادة الصحفيين ورجال الأحزاب وبأسلوب غرائبي فقد صّور السارد ملابسهم بالغرابة والتنافر وبتسميات ساخرة فهم ممثلو حزب الحياة الجميلة وحزب الأرض الثائرة وأحزاب الوفاء والأرض الخضراء وهلمّ جرّا , وقد عزف النشيد الوطني وتقدّم ممثلو الأحزاب المحاضرون بإلقاء كلماتهم وكان هؤلاء يقرؤون مقالات الصحفيين التي نشرت في حفل غنائي غريب الأطوار انتهى بموال حزين ابكى الجميع بما فيهم الراوي العليم الذي كان وحيداً شارد الذهن إلى ان نبهه شاب وسيم بان الحفل قد أنتهى وقد امتلأت ارض الحفل بالصحف المتروكة وكان هذا نسقاً مضمراً يوحي بالآمل والخلاص من أمثال  (رابطة المجانين الأحرار ) قال القاص : ( حين لكزني أحدهم بلطف , انتبهت …….  كانت القاعة فارغة من الجمهور تماماً , والشاب الذي يقف جواري  أنيقاً ووسيماً جداً , قال بشيء من الخجل , كونه يأمرني ضمناً بالخروج , الحفل انتهى اكثر من ساعة يا أستاذ …… ! …… انتبهت إلى الأرض التي كانت مغطاة بعشرات من المقالات السياسية والثقافية والاجتماعية التي لا أعرف بالضبط من جلبها ) ص: 23 .

فيضان مدينة

وفي قصة ( المؤرخ ) كان فيضان المدينة عاملا في انقسام سكانها إلى نصفين وحدوث ثورة لبعضهم على الرئيس وطاقمه ويصّور السارد بسخرية خطب المتظاهرين ودور الفضائيات ما أدى إلى انقسام المحامين وسواهم التي فاقت تصّور المؤرخ وهو يدوّن وقائع الأحداث ليجد ان الكثير من الكتاب قد سبقوه في تدوين الأحداث وبضربة مفاجئة يباغت السارد القارئ بموت المؤرخ وقد ترك وراءه عدة كتب مخطوطة عّما آلت إليه الدولة لكنها كانت متناقضة وذلك يعني ان النسق المضمر في هذه القصة ان لا قيمة للمؤرخ لقاء لغط الأدباء والكتاب والمحامين والصحفيين وفيها يهاجم السارد هذه الشرائح كما في قصة (دعوة لحفل المجانين ) والقصة تتصل أيضاً مع قصة ( كتاب الحياة ) بطرف خفي .

وفي قصة ( عودة إنسان ) يحاول القاص ان يفرغ ما في نفسه من ألم وحسرة  وان يتخلص من القلق والصراع الذي ينتابه الذي عكسته قصصه الإبداعية المأساوية فأراد في قصة (عودة إنسان ) ان يتطهر من كل الآلام وان يخلق بشراً كآدم وحواء جديدين على كوكب الأرض في بلاد الرافدين إذ هبط شاب وشابه من الكواكب الأخرى بعد ان فرضت الفضائيات والكواكب طوقها على الوطن والأرض علّه يجد الحل الشافي لحل مشكلة خراب الإنسان لأنه لم يجده في الواقع فوجده في الحلم لتحقيق المستقبل والقصة تتصل بطريق خفي بقصة حي بن يقظان ( لقد بدأت قصة حب من نوع جديد بين الشاب والشابة …….. إذ أيقنا أنهما باتا غريبين على الأرض , التي لم يعد لها أي أمل بعودة الإنسان إلا بارتعاشة جديدة من جسديهما الشابين حين يلتحمان من جديد مأخوذين برغبة دفينة تيقظت في جسديهما ولا بد من الإشارة إلى أن نسجل للقاص قدرته الدرامية في تصعيد الأحداث وإجادة الحوار ووصف الشخصيات بدقة واختيار أسماء لها بشكل ساخر واستخدام لغة شفافة بوحدة موضوعية متلاحمة ووصول الحبكة الدرامية إلى الذروة فالضربة المفاجئة والاهتمام باختيار عنوان القصص ولا سيما العنوان الرئيس ( كتاب الحياة ) فالسارد عالج خراب الإنسان في الحياة وبذلك جاء عنواناته مصداقاً لقول امبرتو إيكو : (العنوان ثريا النص) واهتمامه بالنسق المضمر ولا تختلف قصة (الإرث) وقصة (العظماء يرحلون بصمت) عن القصص السابقة في قدرة القاص على التخييل .

مشاركة