كتاب (الحصاد المر لسلطة الاسلام السياسي – العراق ومصر إنموذجاً)

701

كتاب (الحصاد المر لسلطة الاسلام السياسي – العراق ومصر إنموذجاً)

الهدر في الخطاب وعطب الإدارة

عادل سعد

مكاشفة موثّقة عن تسلّق الفساد وإستفحال النفعية المجرّدة والإطاحة بموازين التداول

ينطوي الحديث عن الاسلام السياسي على بعض المحاذير اذا كان حرص المتابع لهذا الموضوع يقوم على توخي الدقة و التصويب التحليلي نظرا لأن جماعات الاسلام السياسي غالبا ما تضمر اهدافا وتتعاطى بأهداف اخرى تسوقها تحت ضغط الاستقطاب النفعي والتأسيس لمكانة خاصة بها اذا كانت معنية بشق طريقها بسرعة تقتضيها متغيرات الاحداث في محيطها العام، واذا كان هناك من ينافسها في هذا المحيط بالنسخة نفسها فإن توجهها يأخذ  صفة تنوع العروض في اطار محاولات الاستحواذ على مساحة معينة من النسيج الاجتماعي خاصة اذا كانت في خلافات مع مكونات سياسية اسلامية تزاحمها على تصدر المشهد ثم ان اغلب الاحزاب السياسية يحكمها الكثير من التجاذبات بين النزعة الرديكالية والنزعة الوسطية في مناوبات يقتضيها حس التهديد والامل في البقاء والانتشار  اما المحللين الذين ينطلقون من رؤية انحيازية لهذا التيار فلا يمكن الاعتداد بما يطرحونه لأنهم يحاولون بشتى انواع التغطية على عيوب تلك المكونات والسعي الى تجميلها بمساحيق ارضائية تقوم على تسويق ملامح مقبولة ، وبذلك تكون قد حرصت على الانخراط بمسؤولية الدفاع عن تلك المكونات السياسية تحت عنوان بات شماعة لها (الاسلام هو الحل).

لقد ازدحمت بعض الساحات العربية وخاصة الساحات العراقية والمصرية والتونسية والجزائرية والمغربية بهذا النوع من التنظيمات السياسية، ثم جاءت النسخة الاكثر تطرفا بما يعرف ب (الدولة الاسلامية) التي تعد وليدة لتنظيم القاعدة.

ان مثل هؤلاء الكتاب والمحللين يعطون لأنفسهم حق التفويض ومزاولة سلطة التبشير بها ، كما ان بعض هذا الانخراط جاء من بيئة يسارية في لجوء غيبي بعد الاحباطات التي تعرض لها هذا اليسار تحت وطأة انهيار الاتحاد السوفييتي و التوحش (الجميل) للرأسمالية الاحتكارية بأخطبوط العولمة التي بسطت سيطرتها بقفازات ناعمة لكنها ذات خشونة وصلت الى حد غرف النوم حيث يعالج الارق بالإدمان على شاشات الهواتف الذكية.

هكذا وعلى حد متابعاتي لم اجد بين المحللين الذين تناولوا الاسلام السياسي برؤية منصفة للحقيقة الا من عدد قليل اعتمدوا التصنيف القائم على المعاينة الميدانية والمتابعة القريبة ان لم تكن المتابعة اللصيقة.

من الاكاديميين الذين تناولوا هذا الموضوع بحصافة علمية.الدكتورحميد حمد السعدون في مؤلفه (الحصاد المر لسلطةالاسلام السياسي ،العراق ومصر انمودجا ) اذ يلاحظ على الكتاب مادته المكثفة ضمن عناوين وعي التاريخ ، الدولة وتداعيات السلطة الدينية السياسية ،السلطة المغانم والفساد ،الجيش والتخريب المتعمد ،المقدس والمدنس ، تشظية المجتمع ،  ،) .

لقد مهد المؤلف لكتابه مستعينا برسالة الامام علي بن ابي طالب الى عامله في مصر مالك بن الاشتر التي هي بحق  لائحة سياسية  ترقى الى مستوى النص الدستوري المتميز لتطبيقات حكم  يضع على رأس اسبقياته حقوق الرعية وعدم التفريط بها تحت اي طائل ، (يامالك اعلم ان الناس صنفان،اما اخ لك في الدين ، او نظير لك في الخلق فأحرص على العدل بينهما ،ولا تأخذك في الحق لومة لائم)

 لقد وقع الدكتور السعدون في المحظور العلمي وتنصل عن الترفع الاكاديمي   بقوله (نحن لسنا في موقع الخندق المقابل  للاسلام لأن هذا من الكبائر والعياذ بالله منها بل انا وملايين معي تربوا وتخلقوا بالاسلام وادابه وشرائعه…….. ان هذا الكتاب ينقد تجارب ادعت الوصل به) وكأن هناك من يحاسبه على ذلك متناسيا انه يطرح وجهة نظر فحسب

على اي حال لخص الدكتور السعدون ثلاثة تورطات معرفية يحاول الاسلام  السياسي تمريرها ، التورط الاول في توظيف الاسلام للاهداف الدنيوية  من دون ان يأخذ بالحساب الروحي الذي هو الاساس ، التورط الثاني ، استخدام الاسلام السياسي لغة المماحكات التقليدية  وسيلة للتعامل السائد والعتياش الميداني على ذلك ، وبمعنى مضاف اصيب بالعوار الذي تلوثت به الاحزاب العلمانية في اغلبها ، وتوصيفا لهذا التشخيص يقول المؤلف (ان  جربتي العراق ومصر الاسلامية في السلطة كانت تتهرب من انجاز وتيسير القدرات التي يحتاجها المجتمع والناس بسبب فهمهما الضيق للمجتمع المدني الحديث ولنرجسيتهما العالية  وفي ذلك هروب متعمد ادى الى ضعف مفاصل الدولة وتفككها ، والغريب انه حتى الملحدين يأخذون من الدين مفاهيمه الاخلاقية والانسانية ويستخدمونها دون ان يشكل ذلك خروجا عن السياق الذي يؤمنون به  الا ان ما حصل في تجربتي العراق ومصر يفيد العكس مظهرين في ذلك عدم قدرتهم على مواجهة الحقيقة ،في حين ان من يملكها قادرعلى ايجاد  مخرج لكل حالة .)

ويذهب الدكتور السعدون الى (ان جاء به  وعاظ السلاطين من اشكال تدين كان اكثر مما جاء به الدين بحيث عطلوا قواه الفاعلة الايجابية وفرغوا كثيرا من محتواه لمصالحهم الخاصة الضيقة باشكالها   المتعددة ، فالدين ايمان وسلوك واخلاق وكل ما عداها مرتبط بالانسان وافعاله وعلاقته بربه .

ان (الناظر اليوم لما يحصل من اجتهادات وفتاوى واشكال تعبدية يهاله ويخيفه ما يحصل  لأنها لا تتوافق حتى وعقل الانسان الفطري، ولا ادعي مفهومية عاليـــــة حين اقول ان افعال وعاظ السلاطــــــين دفعت قطاعا واسعا من جيل الشباب ان يمقتوا ويفعلوا ما لا يقول به حتى ولو من باب العناد بسبب ضحالة ورداءة ما يقدمه ممن يحسبون انفسهم على الدين وكأنهم حراسه الحقيقيون ).

لقد لجأ المؤلف في تشخيصه الى القاعدة الذهبية في الكشف عن العوار الذي (تميزت) به سلطة الاسلام السياسي في البلدين ،  من خلال اجراء مقارنة  حدثية (من الاحداث ) في ملاحقة ما ارتكبته هاتان السلطتان من اخطاء ، بل و حماقات  وكيف انهما اهدرا المزيد من الوقت في خطاب ايديولوجي ديموغوجي  لبسط سيطرتهما السياسية  على اساس انهما يملكان التفويص المطلق مع ان  (الكلمات الكبيرة  لا يمكن ان تكون اعمالا  كبيرة  بأستمرار)،هذا التوضيح لزعيم الهند الراحل نهرو ،

  الخلاصة من ذلك  ان الدكتور السعدون نجح في المقارنة على اساس النتائج بين  فرضية بناء الدولة  على اساس المعايير النبيلة الخاصة بالاسلام العدل، والاخاء ، والمساواة ، وكيف اطاحت سلطة الاسلام السياسي بهذه المعايير  الاصيلة ، وبذلك فأن الافلاس الذي شخصه يكمن اصلا في وسائل الوظيفة السياسية المستخدمة اذ يقول المؤلف( للاسف ان مدعي الاسلام في تجربتي العراق ومصر الذين تصدروا قيادة  الدولتين ضربوا اسوأ الامثلة  في التجاوز على القواعد القرأنية ونواميس التجارب السياسية التي عمت ارجاء كثيرة من المعمورة لاسيما في التجاوز على المال العام وانتشار الفساد المالي في معظم مفاصل الدولة في التجربتين وفي ذلك اكبر الادلة على اختفاء  تطبيقات العدل)

وبشأن المساواة تشير مادة الكتاب الى الاساءة لها في الكم الهائل من مغانم  الطبقة السياسية ،اي تلك الفاجعة المتمثلة برواتب الرئاسات  والنواب والوزراء ووكلائهم  والمديرين العامين والمحافظين ومجالس المحافظات  والرتب العسكرية العالية.

ويتوقف السعدون عند موضوعة الاخاء ، هذا الافق الانساني الاسلامي الخلاق الذي لايجوز التفريط به تحت اي طائل ، ولأي سبب كان لأنه يتعلق بالمضمون الاسلامي الواضح ان الانسان خليفة الله على الارض ، وعليه ان يحكم بما يحفظ  الكرامة الانسانية ، وكيف ان هاتين السلطتين اساءتا  الى المضمون الايماني والروحي بأزاحة موازين الاخاء الانساني من خلال تكريس  المذهبية المغلقة والتجاوز على حقوق المواطنين غير المسلمين  والتورط في اجتهادات لايمكن بأي حال من الاحوال اعتمادها لانها تحاول الشطب على الهويات وجر المجتمعين العراقي والمصري الى مفازات من  المغالبة غير المشروعة بأدعاء الحظوة لهذه السلطة  واستخدام تفويض ادارة الدولة بعيدا عن قيم التضامن والتشارك ، بل  ،وبعيدا عن الاثرة الحسنة عموما التي هي صمام اخلاقي اسلامي مشرف اصلا .

الخلاصة الموثقة للكتاب ، انه تضمن مقاضاة تحليلية للاسلام السياسي في البلدين، العراق ومصر ، من المحتوى التاريخي والواقع الميداني ونزعة احتكار المستقبل والتطويح بالواقعية  وفرض اجندة ملغومة باسبقيات الاستحواذ والهيمنة والتخريب المتعمد للمفهوم الامني الوطني الاحترافي .

وكذلك  المقدس والمدنس،كم تطرق السعدون الى السياسة الامريكية والاسلام السياسي من حالتي التـــــناغم  والتخادم واحتمالية التـــــــناقض ايـــــــضا ، كما قدم عرضا لرؤيه مضافــــــــة جاءت  تحت مسمى (القيم الانسانية والمدنية المقبولة) التي من شـــــــانها ان (تحفظ لجميع الحركات السياسية وفي المقدمة منها الحركات الاسلامية حقها المدني والسياسي وهذا ما وعاه بعض  المتنورين في هذا التيار).

ختاما ، من الانصاف القول ان الهموم المتكاثرة للناس عن الاسلام السياسي لا بد ان تجد بعض ضالتها المعرفية في هذا الكتاب .

مشاركة