كتابة وقراءة.. وجها الخطر

211

كتابة وقراءة.. وجها الخطر
عوّاد ناصر
منذ النقش الأول على الكهف أو صورة الفكرة على طين سومري، والإنسان يكتب عالمه البديل عن الواقع. إذا سلمنا بهذا فالكتابة ليست الواقع، وان انعكس فيها صورة أو إشارة أو حرفاً، منذ ألف الأبجدية حتى المستقبل المجهول لمصير الكتاب، قبل أن تتحول الكتابة إلى عملية تحطيم الواقع عبر تحطيم مرآته كي لا تعود انعكاساً جامداً، بلا خيال ولا غرضية ولا أحلام. انبثقت الكتابة من عالم الإنسان الأول الأعزل، الوحيد، وإن عاش على شكل مجموعات درءاً للخطر وطلباً لحماية الجماعة، لتصبح الكتابة نفسها نوعاً من الحماية ضد الخوف والوحدة والجنون. حتى ذاك الأمي التي يتهجى أول الحروف لتكتمل أما ناظريه كلمة ذات معنى ينتقل من مستوى إلى آخر، ومن بقعة مظلمة في وعيه إلى أخرى مضيئة وإن كانت لا تتعدى مساحة كلمة، وعلينا أن نقيس عالماً لا يمكن قياسه ولا الإحاطة به، عالم من الأساطير والوقائع والأخيلة والمرموزات والمقصودات واللامقصودات في كتاب أو اكثر، على قدر عزم القارئ الذي يخلقه عزم الكاتب. على أن القراءة، بقدر ما هي مدعاة للبهجة، لكنها لا jمنحنا الراحة وصفاء الذهن والهدوء، فهي سبب كافٍ للتوتر، بل صناعة من صنائع الأزمة النفسية، ووضع القارئ أمام تلك الحيرات الكبرى أو الصغرى حتى وهو ينتقل من كلمة إلى كلمة ومن سطر إلى تاليه ومن صفحة إلى صفحة، حتى بلوغ النهاية، نهاية الكتاب أو الحكاية، لكن ثمة حكاية لا تنتهي هي ما ينبثق في خيال القارئ وروحه من تساؤلات تتواتر وتتوالد، لا تنتهي ببلوغ الغلاف الأخير.. وكلما بلغنا غلافاً أخيراً لكتاب ضاقت مساحة العتمة في نفوسنا واتسعت بقعة الضوء، ويفترض بنا أننا تعلمنا احترام الفكرة الجديدة، اتفقنا معها أو لم نتفق، وعاملنا الكتاب وكاتبه بسخاء المتفهم والقادر على الفهم.. القادر على القراءة.
لكن كم من الكتب قرأنا؟ كم من الكتب علينا أن نقرأها؟ كم من الكتب لم نقرأها؟
من حسن حظ أحدنا أنه قرأ كتباً لم يقرأها الآخر الذي قرأ، هو الآخر، كتباً لم نقرأها. ثمة شكل من أشكال المقايضة الفكرية يتبادلها القراء فيما بينهم، وبينهم وبين الكتّاب الذين، من ناحيتهم، يقايضون كتبهم بكتب غيرهم، وهكذا تستمر لعبة المقايضة المزمنة أبد الدهر، لتعيش البشرية حالاً غنية من الجدل والحوار والاستزادة و سخاء الكل على الكل. بانتقال الكتابة» القراءة من ضرورة تسجيل عدد المواشي وأسعار البيع والشراء وانتقال الزرع والضرع إلى تدوين حركات الفكر وتشوفات الناس في أزمنة وأمكنة بحجم العالم، انتقلت الكلمات لتشكل مصدر خطر على أولئك الذين كانوا يرون في الكتب ومن يقرأها، إفساداً ما بعده إفساد لعقل المجتمع، وهم محقون، إذا كان الإفساد إحداث تلك الفجوة في جدار الصمت والتواطؤ والتدليس. الإفساد الذي تولده الكتابة والقراءة هو جرأة الكلمات في إحداث الفجوات التي يتسرب منها الضوء من عقل إلى عقل.. من كتاب إلى قارئ، وهو الإفساد صيغة اخترعها أولئك الخائفون على الخطاب الرسمي ومكوناته الأخلاقية والدينية والآيديولوجية الذي يحرس أمان السلطة القائمة. ثمة خطران متقابلان منذ عصر العبودية حتى اليوم خطر الكتاب على الدولة البوليسية وخطر الدولة البوليسية على الكتاب. لكن الدول البوليسية تذهب وتبقى الكتب، تُكتب وتُقرأ، وتحقق الكلمات مزيداً من الاختراقات وتكتسب على مر الزمن وسائل جديدة لبلوغ أبعد نقطة في العالم، ولا ندري ما الذي ستبتكره البشرية بعد عصر الإنترنت .
/6/2012 Issue 4227 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4227 التاريخ 16»6»2012
AZP09

مشاركة