كان إسمها إنتبهي لنفسك – سنا شعبان

قصة قصيرة

كان إسمها إنتبهي لنفسك – سنا شعبان

منذ أن تذكرت أنها كانت مفتونة بالأشياء القديمة التي تحمل سحراً غريباً لديها.. الكاميرات والهواتف والآلات الكاتبة، كلها تحمل حنيناً متناظراً لها وكأنه شبيهها ،لخلق آلية تتساوق أجزاءها للوصول إلى نتيجة محددة.

            جلس رجل عجوز أمام ثلاث رفوف من المجوهرات في زاوية من شرق بيروت وخلفه متجر عتيق فيه أثاث من طراز كلاسيكي قديم وإطارات باهظة مجوفة ، وثريات مرممة ولوحات. على اليسار توجد محمصة قهوة ، وعلى اليمين توجد كنيسة ، زجاجها يلمع باللونين الأخضر والوردي. كانت الشمس عند الغروب  وهي تلقي آخر ضوئها على الشوارع المرصوفة بالحجارة وكانت الظلال قد بدأت تمد خيوطها.

            “أي واحدة تعجبك؟” سأل وعيناه تبرقان خلف نظارته المربعة الشكل. كان يعتمر قبعة بغطاء للأذن ومعطف كبير أزرق كحلي مع بنطال بيج. “صنعتهم بنفسي” ثم تابع ، “يعجبني أن أصنع شيئًا من لا شيء”. ابتسمت مشيرة بإصبعها إلى الأكثر إلفاتاً للنظر. “مااسمك؟” سألها. فأجابت.

            حملت عيناه العميقة والمتعبة شيئاً من الأمل.قدم لها كأسًا من الشاي وسألها إن كان لديها وقت لتجلس معه وتحتسي الشاي. داخل متجر التحف العتيقة وبين مصابيح  ضخمة،أدوات منسية مهجورة وأثاث غير متناسق ، وضع إبريق الشاي على طاولة طويلة من خشب الماهوجني مع قاعدة مربعة من الجلد الأخضر ملفوفة بإطار من أوراق مذهبة. حضّر الشاي مستخدماً كيس شاي ليبتون ، لكنه لم يملأ الكأس ووضع كمية ملعقة من السكر لم يحركها.

            سألها عن حياتها ، وماذا فعلت ؟ وأين درست؟. روت له حكاية والديها ، ودروب الحياة التي قادتهم إلى الجانب الآخر من العالم ، حيث ولدت هي وأختها.

            “لا تشعر أبدًا بالريح أو الشمس أو الأرض  إلا في بلدك.” تنهد ، “لا أستطيع تحمل الفكرة. لقد امتلكت هذا المتجر منذ خمسين عامًا ، قبل ذلك كان لوالدي. أراد إخوتي بيعه ، لكنني رفضت “. أخبرها عن زوجته ، كيف فارقتهم ابنتهم باكراً لكن الحياة ينبغي أن تستمر” ، شرح لها أن الموت جزء من الحياة.  29 عاما كانت معنا.. هذا ليس بقليل وأشعر بعطف خاص على أولادها أكثر من غيرهم “.

            ثم سألها: هل هناك حبٌ في حياتك؟ هل لديك كتف تسندين رأسك عليه ؟ ” ابتسمت محرجة لا تدري ماذا تقول. “السنونو الهادئ يعطي نفسه أكثر من الطائر الذي يغرد أحياناً ويبحث عن شخص ما يستمع إليه.”  وأضاف قائلاً: “كوني مخلصة لنفسك وتمسك بالأشياء الجيدة. عامليهم كما لو كان لديك طفل في حضنك. أنت طيب القلب ولا يستحقك إلا الرجل الصالح. “شكرا جدو” قالت له.

            قدم لها سيجارة. وللحظة ترددت فأصر عليها قائلاً: لا تتركي رجلاً مسناً يغني لوحده ، وابتسم من أذن إلى أذن ، فالتقطت علبة السيدر وولعت السيجارة وهكذا بدأ الثنائي المدخن.

            استنشق الدخان ونظر إليها سائلاً : “هل أنت سعيدة؟” أجابت: “أحاول أن أكون”. فأمسك بيدها ، “انتبهي لنفسك… لديك شيء لم أره بجيلك. من منهم سيقضي وقته ويجلس مع رجل عجوز على جانب الشارع في الشتاء البارد مع كأس من الشاي للدفء؟ هذا يدل على ذوق وتقدير. كثير من الناس لا يتخطون هذه الأكشاك ، ناهيك عن الجلوس مع كأس من الشاي والتحدث معي “.

في كل مرة تمر من متجره كانت تتوقف لاحتساء كأس من الشاي وتدخن سيجارة معه. وأحيانًا كان ينسى من هي أو أين التقيا ، وفي أحيان أخرى يتذكرها في غضون عشر دقائق من جلوسها معه. ما زالت تفكر في كلماته الحنونة. إن اللطف الذي يأتي من القلب يمكن أن يبلسم أعمق الجراح. فهذا اللطف من إنسان غريب منحها الشجاعة التي لم تقرأ عنها إلا في الكتب عن الفروسية والأمل.

مشاركة