كاظم حبيب المفكر الشيوعي بنظرة تقدمية – ياسر جاسم قاسم

كاظم حبيب المفكر الشيوعي بنظرة تقدمية – ياسر جاسم قاسم

 رؤى تنويرية تضمنت شخصية فذة

استطاع المفكر الراحل الدكتور كاظم حبيب ان يتوقف كثيرا عند مواضيع ملحة في غاية الاهمية ، ولعل اهمها نظرته الى التقدم في العالم بصورة اخرى مغايرة ، لصورة الاعجاب الكبير الذي تبديه بلاد العالم الثالث، بالعالم المتقدم اذ كان يبحث عبر مسيرته عن موضوعة العدالة الاجتماعية الفريضة المغيبة في الداخل (وهذا وصف استعيره من الاستاذ الباحث باسل محمد عبدالكريم ، جاء هذا الوصف في معرض نقاشاتنا المستمرة حول الحركة القرمطية عبر ورشتنا البحثية القائمة  ) و التي غيبت في العالم على ايدي الدول الرأسمالية الكبرى ، وهكـــــــذا كان رصده لعدم مبالاة دول الشمــــــال بالعالم النــــامي رصدا كبيرا واضحا ، فــــفي 10-13/ 6/2002م، عقد في روما مؤتمر القمة الدولي للتغذية ، في ضوء قرار الامم المتحدة الذي اتخذ في عام 1996بتقليص عدد الجائعين في العالم بحلول عام 2015 يعلق المفكر الراحل على هذا قائلا:” لكن كما يبدو للعالم كله ان رؤوساء دول الشمال لا اهتمام لهم بهذه المشكلة التي لاتمسهم، بل تمس العالم النامي اساسا” ولم يحضر في هذا المؤتمر “مؤتمر القمة الدولي للتغذية ” سوى رؤساء 24 دولة ، 20 منهم من افريقيا ورئيس ايطاليا” حيث عبر هذا الحضور الضعيف لرؤساء دول العالم عن قلة اهتمامهم بمشكلة الفقراء في العالم وسبل الخلاص من الفقر في عالمنا المعاصر.

انقسام حاد

يقول حبيب تعليقا على الانقسام الحاد بين الاغنياء والفقراء ” ان الظواهر التي تهدد المجتمع البشري هي الجوع والحرمان، وتعاطي المخدرات، وتجارة الرقيق الحديثة ، وبخاصة النساء والاطفال، والاغتصاب الجنسي وانتشار عصابات الجريمة الدولية ، المنظمة وتزايد دورها وتاثيرها في حياة المجتمعات النامية ، رغم ان خيوطها الرئيسة كانت وستبقى بيد المافيات الاساسية القائمة في الدول الراسمالية المتطورة ، والتي لها علاقات شبحية لكنها فعلية مع الاحتكارات الكبرى في العالم” (العولمة من منظور مختلف، كاظم حبيب، دار الشؤون الثقافية ، ص29).

كما انه بين وبشكل واضح كيف ان دول الشمال لم تنفذ التزاماتها التي وضعتها في مؤتمرات عدة لمساعدة بلدان الجنوب، وهي مناهضة تماما لمصالح هذه البلدان، ويمكن للانسان ان يراجع محاضر اجتماعات “جات” ليتيقن من المواقف السلبية والسيئة لبلدان الشمال، ازاء العلاقات الاقتصادية الدولية وقضايا التنمية في بلدان العالم الثالث، ورفضها الصارم التنازل عن اي جزء ولو ضئيل من ارباحها لصالح التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي لشعوب هذه البلدان” من خلال ما مر نستنتج ان كاظم حبيب يحمل دول الشمال الصناعية المتقدمة مسؤولية ،ما يحصل من غياب عدالة عالمية بسبب تدخل هذه الدول في الشؤون الداخلية للبلدان الاخرى والتحكم بالسياسة الدولية بما فيها السياسات الاقتصادية وغياب العدالة عن وجه الارض كما عبر . ويضيف حبيب ” ان النظام الذي تقوده هذه الدول الرأسمالية الكبرى يحقق للاقلية الضئيلة جل الارباح والغنى والامتيازات وللاكثرية الفقر والمجاعات والحرمان، انه نظام يجسد الهيمنة الاستعمارية القديمة بأساليب وأدوات اخرى ” كما يقف الدكتور كاظم حبيب محييا الدور العدالوي الكبير الذي تقوده حركات جمتهيرية ومنظمات غير حكومية تسعى الى المشاركة في الجهود التي تبذل في مجالات التنمية ، والبيئة والدفاع عن حقوق الانسان ، وضد سباق التسلح والعمل من اجل حل النزاعات الداخلية والمحلية والاقليمية بالطرق السلمية ومن اجل فرض عزل سياسي على النظام الاستبدادية /الدكتاتورية ، وللاسف فان هذه المنظمات التي تأخذ على عاتقها كل هذه الاخلاق، انما هي ما تزال ضعيفة ومحصورة في الغالب في بلدان الشمال، وعاجزة حتى الان عن ممارسة دور ملموس وفعال ومؤثرة في السياسات الداخلية للدول المعنية . ان العولمة تؤثر بسياقاتها الحديثة على فئتين اساسيتين في العالم:

1- البلدان الاقل تطورا.

2- الفئات الاكثر فقرا وكدحا في الدول الرأسمالية المتقدمة.

وهذا الاستغلاليأتي عبر هذه المؤسسات

1- مؤسسات مالية دولية .

2- شركات رأسمالية متعددة الجنسية تابعة للمراكز الراسمالية الدولية الثلاثة.

3- رؤس اموال مضاربة حولت العالم، الى قرية صغيرة ذات بورصة معولمة تعبث بها كما تشاء.

4- تشديد مستمر في استغلال شعوب واستثمار خيرات البلدان النامية .

واشار كاظم حبيب الى تاثير العولمة على البيئة اذ يعتبر ان استغلال دول العالم المتقدمة كان غير عقلاني وادى الى الحاق اكبر الاضرار بالطبيعة وفي استنزاف متسارع جنوني لمواردها، والى تلويث تخريبي للبيئة التي يعيش فيها الانسان وباقي الاحياء، اذ أقدمت الدول المتقدمة على ما يلي: ــ

نهب متواصل للخيرات، استغلال متواصل للشعوب، افقار محموم للبيئة ، والطبيعةة ومارس الرأسمالي ومعه مؤسساته الاحتكارية العنف والارهاب لا ضد الانسان فحسب بل وضد الطبيعة وهذا كان عبر التعامل الجشع مع الغابات والنفط الخام، والفحم والحديد وغيرها من المواد الاولية المطمورة في باطن الارض وعلى سطحها وفي اعماق البحار، وهكذا عجل بتخريب الطبيعة وزيادة تلوث البيئة ، وتسريع استنزاف واستهلاك الموارد فيها، ويعتبر حبيب” ان الدول الرأسمالية المتقدمة لم تبرهن على انها راغبة فعلا في تنفيذ جاد وعقلاني لقرارات المؤتمرات الدولية حول البيئة بل العكس هو الصحيح ” ويشير الى وجود سبعة اخطار تهدد الطبيعة والبيئة التي نعيش فيها وهي :

1- ارتفاع درجة حرارة الارض.

2- تخريب وازالة الغابات الطبيعية المطرية .

3- تخريب طبقة الاوزون.

4- تلويث مياه البحار والمحيطات والانهار .

5- تفاقم عمليات التصحر وتراجع خصوبة التربة

6- تلويث الهواء بالسموم.

7- خسارة انواع كثيرة من الاحياء.

وفي تقارير حديثة نشير اليها تؤكد ما ذهب اليه الدكتور كاظم ،ففي الكثير من المدن الاوروبية بالتحديد في شرقها وسطها ما زال دخان الفحم المدمر للصحة والمناخ يتدفق من مداخن المنازل ومحطات انتاج الكهرباء، في بريطانيا يعانون اليوم من الديزل الوقود السام والذي قاموا باستبداله بدل الفحم وهذا ما يؤكد ما ذهب اليه الدكتور كاظم حبيب.

يقول بيث غاردينر في مقاله” تلوث الهواء .. القاتل الخفي” المنشور في مجلة ناشيونال جيوغرافيك ،العدد ابريل /2021 المرقم 127 ص55″ لطالما كان الديزل وهو اقذر من البنزين، مرغوبا في اوربا ، لان المركبات تقطع به مسافات اطول مما تقطعه من البنزين ، ويضيف ان اصل المشكلة في الهواء في اوربا  ليس محصورا في استعمال وقود بعينه، بل كذلك في الاخفاقات السياسية والتنظيمية التي تسمح لمصنعي السيارات بالافلات من مسؤولية بيع سيارات تجاوزت انبعاثاتها الغازية الحدود القانونية ، ففي عام 2015 اكتشف الناس ان شركة “فولكس فاغن” كانت قد برمجت 11 مليون سيارة تعمل بالديزل بما يدعى ، ادوات احباط، وهي برمجيات فعلت اجهزة مراقبة التلوث خلال الاختبارات لكنها عطلتها بقية الوقت ، وقد اجبرت السلطات الاميركية الشركة على انفاق مليارات من الدولارات لتعويض الزبائن واصلاح السيارات او اعادة شرائها منهم ، لكن اوربا سمحت لواحد وخمسين مليون سيارة وشاحنة مغلقة ، من شركات متعددة لتصنيع المركبات بالبقاء على الطرق مطلقة انبعاثات لثاني اوكسيد النايتروجين اكبر من الحد المسموح به بثلاثة اضعاف او اكثر ، وفقا لجماعة الضغط التي تحمل اسم ” الاتحاد الاوربي للنقل والبيئة” وقد توصلت احدى الدراسات الى ان هذا التلوث الزائد يتسبب بنحو 7000 وفاة مبكرة سنويا.

وبدلا من ان تجبر اوربا المصنعين على جعل سياراتهم تخضع للمعايير البيئية ، فانها في الغالب تلقي بعبء معالجة المشكلة على كاهل المدن، على امتداد القارة ، تحظر السلطات المحلية اقذر السيارات او تغرم اصحابها وهي خطوة واحدة، نحو تحقيق هواء انظف، وهناك مؤشرات على ان اجراءات كهذه تدفع السائقين بعيدا عن الديزل ، لكن هذه الجهود المتفرقة لاتقارب في فعاليتها الفعالية التي يمكن ان يكون عليها اجراء تتخذه جهات رسمية عليا” اذن نحن امام مشاكل التلوث بسبب العولمة ، مازالت الصين تتتصدر العالم في عدد الوفيات الناتجة عن تلوث الهواء وتحتل كذلك المدن الهندية تسعة من المراتب العشر الاعلى في قاعدة بيانات منظمة الصحة العالميةة ، لمستويات جسيمات pm2.5 ويبلغ عدد وفيات الهند سنويا 1.7 ملايين وفاة مبكرة في الهند كل عام .

التلوث في الهند شبيه بما يجري في العراق كالتالي:

1- اعداد السيارات تضاعفت بالشوارع بمقدار اربع مرات بين عامي 2001-2017. كذلك حصل هذا الشيء في العراق واعتقد بنسبة اكبر.

2- ازدادت صناعة الطابوق بشدة لتلبية ازدهار حركة البناء وكان الطابوق يصنع في مواقد تحرق الفحم من غير تصفية دخانه ، وهذا شبيه بما يحصل في العراق اذ  ان التلوث بسبب انتاج الكهرباء في العراق واضح جدا اذ تغيب منظومة (الفلر) المصفية لعوادم المحطات الكهربائية الغازية والتي تشتغل بالنفط الاسود . والتلوث بسبب حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط. والتلوث بسبب انتاج النفط وتصفيته والذي يكون على نطاق واسع في المناطق الجنوبية في العراق سيما البصرة .اذن نحن امام عدد من الغازات الملوثة وهي:

1- جسيمات pm2.5 والتي تاتي من :المصانع، عوادم المركبات، احراق النفايات والخشب، حرائق البراري ، يمكن لها كونها دقيقة ان تسير في مجاري الهواء الى ان تبلغ الحوييصلات الهوائية فتنتقل منها الى مجرى الدم.

2- جسيمات pm10 تشمل مصادرها غبار الطرق، الحرائق المدمرة ، عوادم المركبات، ويمكن لها ان تعلق في الانف ومجرى الهواء العلوي وتتخلص اجسامنا منها بالعطاس والسعال.

-3 No2 ثاني اوكسيد النايتروجين، ينتج جل هذا الغاز عن احراق الوقود الاحفوري  لتشغيل المركبات ومحطات انتاج الطاقة ، ويهيج هذا الغاز مجاري الهواء ويمكن ان يؤدي الى الاصابة بالربو.

 4- O3يتولد الاوزون عند مستوى الارض عندما تتفاعل انبعاثات المركبات والمصانع كيميائيا في اشعة الشمس ويمكن لتنفسه ان يؤدي الى الام في الصدر والسعال وتهيج الحلق والتهابه.

 5- So2 ثاني اوكسيد الكبريت، اذ يعد احراق الوقود الاحفوري لتشغيل محطات انتاج الطاقة والمنشآت الصناعية الاخرى ، اكبر مصدر لهذا الغاز، اما مصادره الطبيعية فتشمل البراكين، ويؤدي التعرض لهذا الغاز الى صعوبة التنفس،

النسبة المئوية العالمية للوفيات بسبب جسيمات pm2.5 في عام 2019 حسب المرض…

1- السكتة الدماغية 6.5 مليون 26% 2- مرض القلب الاقفاري 9 مليون، 20%

3- الانسداد الرئوي المزمن 3,25 مليون ، 40%

4- سرطان الرئة / 2 مليون، 19%

5- التهاب الجهاز التنفسي السفلي / 2,5 مليون، 30%

6- داء السكري 1,5 مليون ، 20%

7- وفيات حديثي الولادة /2,5 مليون، 20%). مجلة ناشيونال جيوغرافيك، العدد 127 ابريل/2021).

الجسيمات وso2 و no2 يؤدي التعرض لها الى حالات تدهور ادراكي، حيث يتضرر الدماغ بضرر غير قابل للاصلاح، والاصابة بالزهايمر وتلاشي الخصوبة والحمل غير الناجح، … الخ.

ويظهر المؤشر الامريكي لنوعية الهواء (فئة الصحة) ان العراق يقع ضمن المنطقة المصنفة (مضر للغاية وغير صحي) وهي (201و151) على التوالي حسب المؤشر وهذا المقياس يتعلق بتأثير الهواء الملوث بجسيمات pm2.5 وهذا كله استندنا عليه لكي نبين ما قدمه الدكتور حبيب وكيف يدعمه العلم الحديث. كما يشير حبيب الى ان مشكلات البيئة التي تواجه شعوب البلدان النامية عصية حقا ، فقد تستطيع البلدان الكبرى ، ان تعالج ما تتعرض له بسببها هي ودليلنا هو قانون (الهواء النظيف) في اميركا 1970 ولكن ما يشير اليه حبيب هو عدم قدرة وعدم مسؤولية البلدان النامية عن نشوء التلوث بشكل عام ، كما انها غير قادرة على ايقاف التلوث الاكبر  الذي تسببه البلدان الراسمالية ، المتقدمة ولا تمتلك الموارد والتقنيات لمواجهة التدهور الجاري على البيئة ، ويدافع كاظم حبيب عن الدول النامية ويعتبر ان المسبب الاساسي في التلوث هي الدول الصناعية المتقدمة، وشركاتها الراسمالية الاحتكارية ، فهي تلقي دون مبرر معقول “وحجج واقعية على عاتق البلدان النامية ) ويعتبر ان الغاية من وراء انتهاج هذا التكتيك لتخفف من المسؤولية الفعلية التي تتحملها دول الشمال واحتكاراتها المتعددة الجنسية العملاقة وضرورة ايقاف عمليات التلوث التي تتسبب بها يوميا وفي كل ساعة ، وفي التخلي عن تقديم المساعدة ، المالية والفنية ، الضرورية للبلدان النامية من اجل تجاوز الوضع الراهن، لكن لا يخلي المسؤولية تماما من دول الجنوب ومساهماتها المحبطة للآمال ومنها ما يفعله العراق اليوم. من اضرار كبير ببيئته المحلية وعلى كافة الصعد.

معدلات النمو

لقد خلص كاظم حبيب الى نتيجة وهي: “استمرار التفكير برفع معدلات النمو الاقتصادي بدلا من التفكير بحماية البيئة ، من قبل الدول الكبرى ، او ايجاد سياسة عقلانية تزاوج بين النمو وحماية البيئة ، وهي السياسة التي تمارسها الولايات المتحدة حاليا في خضم المنافسة العالمية المحتدمة لغزو الاسواق العالمية والحفاظ على المكانة الاقتصادية في التوزيع الرأسمالي الدولي للعمل، فالركض وراء زيادة النمو وتحقيق اقصى الارباح يتم اليوم على حساب الطبيعة والبيئة والانسان، وهي السياسة الرسمية العملية للدول الرأسمالية المتقدمة كلها بشكل حقيقي دون استثـــــــناء برغم كل الادعاء القائل برغبتها في ان تجد علاقة جدلية فعــــــالة بين النمو وحماية البيئة ومصالح الانسان وهو مالم يتحقق حتى الان”(كاظم حبيب ، العولمة من منظور مختلف، ج 1 دار الشؤون الثقافية ، بغداد، 2004). ص358 وهذا الكلام يجعلنا نفتح سؤالا : هل ما زال البعض يؤمن بسياسات الدول الراسمالية في اشاعة العدالة الـــــــعالمية في الارض ، ام انها مجرد شعارات استخدمتها هذه الدول لارضاء غاياتها الكبرى؟.

مشاركة