قيم بورخيسية

154

قيم بورخيسية
عوّاد ناصر
تحدثنا، قبل أيام، وفي هذا العمود، عن بورخيس ناقداً، في كتاب بالعربية، مهم، هو صنعة الشعر ست محاضرات بترجمة المترجم المخلص صالح علماني، وبعد أن أكملت تدوين بعض الملحوظات وجدت ثمة حقائق نقدية أخرى في الكتاب مهمة، آثرت أن أعرضها هنا، وهي بمثابة قيم نقدية يعترف بها بورخيس، مباشرة، بشأن الكتابة والقراءة معاً.أولى هذه القيم هي أن بورخيس لا يتردد عن تكرار الإشارة إلى أم الروايات، مثل دون كيخوته علامة فارقة في التأسيس لرواية حديثة، ألا وهي روايتنا الأشهر ألف ليلة وليلة . يصفها بأنها النسخة العربية من الأوديسة .يشير بورخيس إلى أن ألف ليلة وليلة بترجماتها المتعددة، تمثل مرجعاُ إلى كتابته وقراءته، نظراً إلى تقنيتها اللانهائية، وهي مثال على التخييل المطلق الذي لا يعترف بحدود مرسومة أو صيغة روائية مسبقة، كما يتوهم بعض الروائيين والنقاد حتى أكثرهم حداثوية، وأنها تولد لدى القارئ الجمال فرحاً أبدياً .يقول عندما أفكّر في ألف ليلة وليلة فإن أوّل ما آخذه في الاعتبار هو إحساس فسيح بالحرية، ولكنني أعرف في الوقت نفسه أن الكتاب، وإن كان فسيحاً وحرّاً، إلا أنه محكوم بعدد محدود من المنهجيات.. فالعدد ثلاثة على سبيل المثال يظهر بتوتر كبير.. في الف ليلة وليلة ثمة متسع للتفكير في أن الكتاب ضخم، والقصة لا تنتهي، أبداً، وأننا لن نصل إلى النهاية مطلقاً .كما يتوقف بورخيس، قيمة ثانية، في إحدى محاضراته عند عبارة التعبير فيعلن ازدراءه لهذه المفردة التي كثيراً ما تلازم النقد الأدبي عند الحديث عن الأدب، ويقترح بدلاً منها التلميح رهاناً على قارئ لا ينتظر من كاتبه تعبيراً بل يفضل تلميحاً .. وما أكثر ما ترد على ألسنة كتابنا ونقادنا جملة الأدب مرآة للواقع وهي تشبه جملة ترسخت في ثقافتنا منذ القدم الشعر هو الكلام الموزون المقفى وله معنى . في ندوة ثقافية، بلندن، رددت، مواربة، على متحدث معي في تلك الندوة وقلت الكتابة هي تحطيم المرآة .يقول لو قال الشاعر قصيدته بكلمات أكثر لكان أقل فعالية بكثير، لأن التلميح حسب فهمي، أكثر فعاليّة من الإسهاب، لأن مخيلتنا تحتضن الموحى به بنوع من كرم الضيافة . المعنى عند بورخيس، وهي قيمة ثالثة، بين قيمه، فيعترف أمام محاضريه، بأن المعنى يأتي تالياً، فكم صورة شعرية أو اقتراح لغوي يشملان قارئهما برعشة مجهولة السبب، لأمر لا يتعلق بـ المعنى المباشر للحدث اللغوي، إنما هو شعور يجعلك تقول كم هذا جميل من دون البحث عن معنى .. ربما لهذا السبب فضل بورخيس كتابة القصة القصيرة على الرواية، فهو يبرر هذا إلا أن القصة القصيرة تتضمن عوالم مركبة قد تتفوق كثيراً على رواية قوامها الإطناب والإطالة. القيمة البورخيسية الرابعة هي ازدراء بورخيس للعقل لأنه عدو الشعر ربما نحتاج العقل لتنظيم جنوننا الإبداعي، في تخطيط أو تدبير، غرضنا الخيالي فائق الإنطلاق، لكننا لا نحتاجه أسلوباً في الفن ، بورخيس يستشهد بإيمرسون كان يقول إن البراهين العقلية لا تقنع أحداً لأنها تُقدّم لنا كتأملات عقلية، عندئذٍ نـتأمل فيها، نفكر فيها مليّاً، ثم ندير لها ظهورنا ونقرر عكسها .لكن تجاهل العقل لا يستدعي رديفاً مضاداً الاحتفاء بالجنون، فكلمة الجنون لم ترد ولا مرة واحدة في محاضرات بورخيس حول الشعر وصناعته، ضمن هذا السياق.تلكم بعض من قيم نقدية قدمها ورّاق خطير من عصرنا، وأظنها ستتخلد طويلاً، إن لم أقل إلى الأبد.
/4/2012 Issue 4185 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4185 التاريخ 28»4»2012
AZP09

مشاركة