قول الحقيقة راحة للقلوب

346

قول الحقيقة راحة للقلوب
د. حسن البزّاز
بعد متابعتي للمقال الذي نشر على صفحات جريدة الزمان تحت عنوان ذاكرة سياسية المرحلة العارفية الثانية للسيد أمير الحلو، الشخصية التي بنت لنفسها موقعاً في الساحة السياسية العراقية الدائمة الحركة والاهتزاز. وذكر الكثير من الحقائق والأحداث التي تهم كل مواطن صالح عاصر تاريخ العراق السياسي المعاصر. وكنت أتأمل أن يتعامل مع الحقائق بشكل أوضح وأكثر دقة وبأسلوب الأمير، الحلو الكلام كما عهدناه، بعد التأكد تماماً من دقتها وأنْ لا ينضوي بالمعلومة التي أرادها أن تكون عامة تحت الخبر الخاص. هذا الذي دفعنا للتعليق المخلص على نقطة مثيرة للجدل رغم صغر مضمونها. فأول الأمور التي دفعتني للتساؤل، عدم دقة المعلومة الخاصة بي. وبعد الإطلاع على هذا المقال وجدت أنه ليس هناك ما يستوجب التعليق. لكن الواجب الأكاديمي والالتزام الوطني يحتمان عليّ توضيح تلك الأمور لكي تحفظ بشكل سليم في الذاكرة الوطنية العراقية.
لقد وضع الحلو اسمي بين هلالين، وهو ما يعني الكثير بالنسبة للعمل الأكاديمي العلمي والذي يعني التقليل أو الشك من قيمة ذلك. ولم يعرف حتى علاقتي بالبزّاز الذي هو أخي الأكبر وليس ابن أخيه وافتخاري بذلك أينما وضعت على سًلمّ درجات القربى. إن هذا يدلل على ضعف استسقاء المعلومات ودقتها وهي نقطة تسجل للأسف ضده وليس له. والنقطة الوحيدة التي أريدُ توضيحها، لأنها ذكرت في أكثر من مناسبة دون التأكد من صحتها لمعرفتي الدقيقة بها. هو أن البزّاز لم يكن في يوم من الأيام ساعياً أو طالباً لمنصب سياسي، لأنه وببساطة، كان مكتفياً وراضياً بما هو عليه من مكانة. فهذه الصفات وهذا التاريخ الطويل المليء جعله لا يعطي لنفسه، ولو للحظة، فكرة السعي غير الطبيعي للحصول على المناصب. وكان يردد دائماً أن على المرء أن يبقى دائماً أكبر من المنصب والكرسي، وأن يدع الأخير يسعى إليه وليس العكس. ودليل ذلك أنه قد فرض شروط كبيرة وعلى درجة عالية من الأهمية قبل أن يقبل بتشكيل الوزارة الأولى أبان حكم الرئيس عبد السلام عارف، ولم يقبل إلا بعد أن تم الاتفاق على تلك الأمور. وفي أحد المرات شكوته بأن بعض أساتذتي الذين كانوا يعاملونني بطرق استفزازية ويذكروا الحكومة ورئيسها بمواصفات غير صادقة وغير مناسبة سعياً وراء كسب شخصي لهم، وعن طريق المساومة حسب ما كانوا يعتقدون، عندما كنت في الصف المنتهي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ــ جامعة بغداد. فما كان على البزّاز إلا أن يدعو أساتذة الكلية للقاء غير رسمي في داره ودار حديث طويل خاتمته هو طلبه منهم أن يسهموا في بناء الدولة كل حسب مكانته وقدراته، وأن عليهم أن يعتزوا بما هم عليه من وظيفة ومكانة. وقال لهم الذين يمكنهم أن يصبحوا بهذه المناصب هم كثيرون، وقليل جداً هم الذين يمكنهم أن يمارسوا مهنة التعليم وأن يصبحوا أساتذة جامعيين. النقطة الجوهرية في هذا الحديث، هو أن بعض الذين كتبوا في هذا المجال لم يدركوا حقائق الأمور، إنما استقوا معلوماتهم بطرق بعيدة بعض الشيء عن الدقة. وهي مسألة الانتخابات التي جرت بعد وفاة عبد السلام عارف، واختصرها بالرجوع إلى بعض المصادر وليس جلُها. فقد كتب عن البزّاز الكثير عراقياً وعربياً ودولياً، وأخص هنا بعض المصادر العراقية التي تطرقت لهذه الحقيقة بشكل مفصل ودقيق، لكي يحسم هذا الأمر، ونخرج من دائرة الغموض إلى حالة الحقيقة.
من هذه المصادر
1 ــ كتاب محمد كريم المشهداني، عبد الرحمن البزّاز دوره الفكري والسياسي في العراق 2002 وهو أطروحة جامعية لنيل درجة الدكتوراه.
2 ــ سيف الدين الدوري، عبد الرحمن البزّاز أول رئيس وزراء مدني في العراق الجمهوري 2006.
3 ــ فاتن محمد رزاق. عبد الرحمن البزّاز فكره السياسي ، 2012 أطروحة جامعية .
4 ــ تقديم حسن البزّاز، عبد الرحمن البزّاز مع الشعب 2005.
وهو كتاب البزّاز الذي طبع في 1968 ومنع من الأسواق وصودر لحين إعادة طبعه عام 2005، و2010. وفيما يخص النقطة المحورية هنا هو كيفية إجراء الانتخابات لمنصب رئيس الجمهورية بعد فقدْ الرئيس عبد السلام عارف. وهنا أستند إلى بعض هذه المصادر الأكاديمية الموثقة. وتذكر المصادر الرسمية. وكما جاءت تلك الوقائع في كتاب الدوري أنه في 15»4»1966 ذكر أن المرشحين لرئاسة الجمهورية هم ثلاثة الدكتور عبد الرحمن البزّاز، واللواء الركن عبد العزيز العقيلي واللواء عبد الرحمن عارف. وفي 17»4»1966 عقد مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني الذين يمثلون السلطة المالكة لحق انتخاب
الرئيس، جلسة مشتركة، وكان يضم هذا المجلس كلاً من مجلس الوزراء المكون من عبد الرحمن البزّاز رئيساً للوزراء رئيس الجمهورية الموقت دستورياً وشكري صالح زكي وزير المالية ووزير النفط بالوكالة، واللواء الركن عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، وعبد اللطيف الدراجي وزير الداخلية الذي توفي مع الرئيس ، وكاظم الرّواف وزير العدل، وخضر عبد الغفور وزير التربية ووزير الأوقاف وكالة، وفارس ناصر الحسن وزير الشؤون الاجتماعية والعمل ووزير الإصلاح الزراعي وكالة، وعبد اللطيف البدري وزير الصحة، ومحمد ناصر وزير الثقافة والإرشاد، وإسماعيل مصطفى
وزير الشؤون البلدية والقروية ووزير الأشغال والإسكان وكالة، وأكرم الجاف وزير الزراعة، وعبد الحميد الهلالي وزير الصناعة، وسلمان عبد الرزاق الأسود وزير التخطيط، وعبد الرزاق محي الدين وزير الوحدة، وسلمان الصفواني وزير الدولة. ولو كان في ذهن البزّاز محاولة الاستئثار بالسلطة لتمكن من استبدال وزراء الوكالة بأصلاء ضمن صلاحياته. أما مجلس الدفاع الوطني فكان مكون من اللواء الركن عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، واللواء عبد الرحمن عارف رئيس أركان الجيش وكالة، واللواء حمودي مهدي مساعد رئيس أركان الجيش للشؤون الإدارية، واللواء سعيد قحطان مساعد رئيس أركان الجيش للشؤون الإدارية، والعميد زكي حسين حلمي قائد الفرقة الأولى، واللواء إبراهيم فيصل الأنصاري قائد الفرقة الثانية، والعميد محمود عريم قائد الفرقة الثالثة، والعميد يونس عطار باشي قائد الفرقة الرابعة، والعميد محمود نوري خليل قائد الفرقة الخامسة، والعميد سعيد صليبي آمر موقع بغداد، وعقيد الجو حسن عريم وكيل قائد القوة الجوية، والمقدم مهدي درويش وكيل قائد القوة البحرية. وبعدما بدأت الانتخابات في بناية المجلس الوطني حصل البزّاز على 14 صوت وجميعها أصوات مدنية وحصل عارف على 13 صوت وكلها عسكرية، أما العقيلي فلم يحصل إلا على صوته. ولم يكون ذلك بسبب عدم شعبيته، ولكن بسبب اتفاق العسكر على توحيد أصواتهم في مواجهة البزّاز وأصواته المدنية. وكان ذلك في 17»4»1966. ووفقاً للدستور المؤقت يتقرر إعادة التصويت بين الاثنين البزّاز وعارف فوافق الجميع لعدم الحصول على ثلتي الأصوات كما هو مطلوب في الجولة الأولى، إلا أن البزّاز قرر التنازل عن أصواته لعارف لأسباب كثيرة أولها وأهمها أنه الشخص المناسب ليكون صمام أمان بين جميع الأطراف العسكرية والمدنية. فقد قال الرئيس عارف نفسه في هذا المجال، إن العملية الانتخابية جرت على وفق القانون وسيادته. ولم يتنازل البزّاز إلا بمحض إرادته. فكان بإمكانه أن يكون رئيساً للجمهورية عندما حصل على أغلب الأصوات، وكان بإمكانه خوض الجولة الثانية في الانتخابات ولكنه حسم الموضوع بتنازله مما أثبت سياسته الواقعية والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى الاصطدام مع العسكريين . وفي مقابلة أخرى مع الرئيس عارف من قبل طالب الدكتوراه محمد كريم المشهداني يقول فقد نفى عبد الرحمن عارف نفياً قاطعاً بعلاقة البزّاز بما حدث لعبد السلام وقال لو كان كذلك لما تنازل البزّاز عن حقه وقد حصل على أعلى الأصوات في العملية الانتخابية وكان باستطاعته أن يستغل الحادث وهو رئيس وزراء خلال ما يتمتع به من صلاحيات دستورية مما جعل الظروف مهيأة لذلك. ولكنه لم يمارس قط، بل أخبرني بالحادث فوراً وطلب العودة وقطع زيارة موسكو . ويؤيد هذا الرأي العميدان المتقاعدان ناجي طالب وخليل إبراهيم الزوبعي. ونقول، بأن السجل التاريخي الكبير الذي تركه البزّاز، لم يكن من المنصف أن يقوّم من خلال انتخابات محدودة الأداء والظرف والزمان والمكان. وليس من الحق أن يختزل هذا الرجل العظيم وتجربته الفريدة، الواعدة لبناء الدولة العصرية المدنية التي تقوم على العدل والمساواة ويحكمها النظام الديمقراطي البرلماني الذي يمثل صوت الشعب وسلطته التي لا تعلو عليها سلطات أخرى. وكذا الحال بالنسبة لعارف حيث المواصفات الحميدة والأداء العادل. فالتاريخ يسجل ماله وما عليه. ووأسفاه على تلك الأيام الخالدة التي عاشها العراق والعراقيين في ظل عارف والبزّاز وعارف. رحم الله هؤلاء القادة الخالدين، وبعث لنا من أمثالهم، وحفظ بلادنا من كل سوء.
AZP07

مشاركة