قوة التهدئة المحسوبة بحكمة – نوزاد محمد مصطفى

نوزاد محمد مصطفى

لا ريب عندما تُفضل منصة اخبارية دولية مرموقة مثل Al-Monitor لتسلط الضوء على قامة سياسية بذاتها، فهذا يعني ثمة أسباب منطقية وواقعية، كما تعبر عن إدراك وخبرة فعلية لقراءة سياسية في لحظات إقليمية غاية في الحراجة. على هذا النحو، يمكننا تفسير دلالة اهتمام المونيتور بشخصية نيجيرفان بارزاني بصفته يتمتع بحنكة سياسية متفردة، بل نادرة على إدارة التوازنات في بيئة سياسية شائكة ومعقدة تتفاعل في خضمها القوى السياسية في منطقة الشرق الأوسط.
المونيتور لا تشيد بنيجيرفان بارزاني بوصفه زعيمًا إعلاميًا أو ثارًا راديكاليًا كلاسيكيًا، بل كسياسي ينشط في الدوائر السياسية التي تتلكأ فيها الدبلوماسية التقليدية. فهو، بحسب التقرير، أنموذج لقيادة هادئة تمتص الصدمات بروية وتحتوي الأزمات قبل لحظة الانفجار. إذ إنه لا يتوخى التمظهر في تسجيل لحظات التفوق أو الانتصار السياسي، فغايته العظمى هي خفض منسوب التوتر بين الفرقاء، لإيمانه القاطع بأنه يحقق نتائج أكثر أهمية من أي نجاح مؤقت مصحوب بضجة إعلامية مؤقتة.
نيجيرفان بارزاني، كما تقرأه المونيتور شخصية سياسية، تمثل مزيجًا من الهدوء السياسي، والثقة التداولية، مصحوبة ببراغماتية واقعية. فهو يحافظ على قنوات تواصل مفتوحة وأبوابه مشرعة لتقبل الأطراف المتناقضة، لا يصطف عن طريق التخندقات والمحاور، بل التمسك بالتفاهمات واحترام الآخر المختلف سياسيًا، مقرونة بقناعة تحترم الرؤى المختلفة، فكل فريق بحسب قناعاته من حقه التمتع بمساحة حركة على الرغم من حالة الانقسام التي يعيشها الإقليم والمنطقة.
وضمن هذا السياق، يظهر التقرير الشأن الذي يتمتع به نيجيرفان بارزاني في توفير مساحات للتفاهم، ومصداق ذلك ما حصل بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية. فبحسب المونيتور، أنه كان قد ساعد عن طريق شخصيات غير معلنة في تقريب وجهات النظر، وإزاحة العقبات التي كانت تشكل المخاطر شمال سوريا بالانزلاق نحو تصعيد واسع، في لحظة كادت أن تكون كلفة أية مجابهة جديدة باهظة على الأطراف كلها.

إذاً نيجيرفان يمتلك القدرة على احتواء المتناقضات، ما يعني أنه يمثل نمط قيادة لا يوظف الضغوط أو الإملاءات، بل يضخ الطمأنينة للمختلف، فضلًا عن ترسيخ الثقة والتدخل الإيجابي في التوقيت المناسب. وعلى الرغم من كون هذا السلوك يمثل دبلوماسية منخفضة الضجيج، إلا أنها شديدة الأثر، وتزاول خارج المنابر، حيث تتخذ القرارات الأخطر أهمية.
وبهذا الصدد يمكننا الاستشهاد باستثمار علاقته الطيبة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يعده بعضهم كأقوى شخصية سياسية في الشرق الأوسط، إلى جانب الثقة التي يحظى بها لدى قائد قسد مظلوم عبدي، الأمر الذي مكنه من الجمع بين الأطراف المتخاصمة.

لذلك يمثل نيجيرفان بارزاني شكل السياسي الذي يرى أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بالصراخ أو الضجيج الإعلامي، أو بحجم التوظيف الإلكتروني، بل بالقدرة على الحيلولة دون التدهور والمعالجة قبل السقوط في الهاوية في منطقة اتعبتها الصراعات ومهددة بالكوارث.