قوالب وهمية – عمار طاهر

541

في المرمى

قوالب وهمية – عمار طاهر

غالبا ما يضع المرء نفسه في قالب معين، ويبقى اسيرا في داخله، لا يفكر بمغادرته، بل يخشى تحطيمه، فيتحول هذا القالب بمرور الزمن الى نمط تفكير ثابت.. لا يتبدل.. مهما كانت النتائج، بغض النظر عن الاثار والتداعيات، والحقيقة ان المشهد الرياضي عموما بتفاصيله المختلفة من كيانات رياضية وجمهور واعلام، أقحم نفسه في صورة جامدة، أضحت عصية على التغيير، رغم ما الت اليه الرياضة العراقية من انحطاط وتخلف وتراجع في الإنجازات.

انطلقت بطولة اسيا، وبدأت رحلة المنتخب الوطني في أبو ظبي، حاله حال بقية الفرق، للتنافس على بلوغ عتبة الكاس عبر تجاوز الأدوار المختلفة، ومع افتتاح الدورة راحت وسائل الاعلام تعزف النغمة ذاتها، وتعول على الحماس والغيرة، واللعب بطريقة (الفزعة)، وتحويل المسابقة الى معركة من معارك المصير، وشحن الجماهير تحت شعار المهمة الوطنية، والانتصارات التاريخية، والامر برمته لا يتعدى في العالم كله.. مباريات بكرة القدم.

المقدمات الخاطئة تفضي بلا شك الى نتائج خاطئة، وقبل ان نتطلع الى النتائج العريضة، علينا اصلاح المنظومة الرياضية، وتنظيم مسابقات جديرة بالمتابعة، ومحاسبة المقصرين، ومساءلة الفاسدين، اما استثارة المشاعر، والضغط على اللاعبين نفسيا، وخلق أجواء عاطفية تصور ان الخسارة او الخروج من الباب الخلفي يمثل نكبة قومية، فهو مجرد مهزلة، وضحك على الذقون.

لم نسمع دولة في ارجاء المعمورة تشتعل سماؤها بإطلاقات مجنونة عند الفوز على أضعف الفرق، ولا يوجد اتحاد او اولمبية في العالم لا تراجع حساباتها، او تعلن مسؤوليتها، او تكشف اسباب هزائمها، ولن نرى سياسيين يستغلون الفوز، ويستثمرون تفاعل الجمهور لمغازلة الناس.. مثلما يحدث في العراق.

البطولات الكبرى تشهد أيضا هجرة جماعية من قبل المؤسسات الرياضية نحو الحدث، وكأنه واجب وطني مقدس، فوزارة الشباب واللجنة الأولمبية واتحاد الكرة يشكلون وفودا بحجة مؤازرة الاسود في هدر متعمد للمال العام دون حسيب او رقيب، ولا نعرف لماذا يسافر الوزير ورئيس اللجنة الأولمبية الى بطولة الأمم الاسيوية؟ وما الدواعي المنطقية لأنفاق تكاليف الايفاد على فرجة ليست مجانية؟ اليس أجدى بالوزير ان يجلس في بغداد ليقدم منهاج عمله خلال 100 يوم؟ كم عدد الايفادات التي تمتع بها خلال المدة الماضية، والكابينة الحكومية لم تكتمل بعد؟ الأولمبية تحولت الى خربة، والرئيس ديدنه السفر بدل الإصلاح، وإنقاذ ما تبقى من رياضة الإنجاز؟

 عندما تتجذر الأخطاء والخطايا، وتغدو بنيوية يتعذر اصلاحها او علاجها، يصاب الجميع بالبلادة الحسية، نتأقلم ونحبس ذواتنا داخل قوالب وهمية، فيصبح الممنوع مسموحا، والفشل انجازا، والحرام مباحا، والفساد بطولة، والمساءلة بدعة، والرياضة سفرا وتكسبا، والاعلام ارتزاقا، واللجوء الى المنظمات الدولية على حساب البلد انتصارا للمظلوم، وانتصافا للحق، والصراع والتسقيط ديمقراطية، والمطالبة بالإصلاح خروجا عن المألوف.. وقتها نصل الى مرحلة لا قيمة فيها للنقد، حيث تتدنى عملته، ويضمحل المثل القائل – إذا كان الكلام من فضة – حينها ندرك تماما اننا نعيش زمنا رديئا.

مشاركة