قواعد القوانين (قواعد الإسناد) – سداد عماد العسكري

قانون التنازع

قواعد القوانين (قواعد الإسناد) – سداد عماد العسكري

تعد قواعد الاسناد اصطلاحا فقهيا، و الاسم العلمي لها على مستوى التشريع قواعد القانون الدولي الخاص ،حيث اعتمد المشرع العراقي هذا الاصطلاح في المادة 31/1  من القانون المدني التي نصت على (اذا تقرر ان قانونا اجنبيا هو الواجب التطبيق فانما تطبق منها القواعد الموضوعية دون تلك التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص) كما ذهبت الى نفس المعنى باقي التشريعات العربية كما يصطلح عليها بعض الفقهاء بقواعد تنازع القوانين.

وتعرف هذه القواعد بانها تلك القواعد التي يضعها المشرع الوطني في كل دولة مهمتها او وظيفتها اسناد علاقة قانونية ذات عنصر اجنبي لاكثر القوانين ملاءمة لها ،وتنتهي مهمتها بالاسناد لتبدا مهمة القانون المسند له الاختصاص، لذا تسمى بقواعد الاسناد بالنظر لمهمتنا الاسنادية ، كما تسمى بقواعد تنازع القوانين لانها تفض التنازع، وقد استعمل الاصطلاح الاخير من قبل اتفاقية واشنطن لعام 1965  لتسوية المنازعات الاستثمارية بين الدولة ورعايا دولة اخرى في المادة 42 منها.

وشبه الفقيه الفرنسي ارمنجون مهمة او وظيفة قواعد الاسناد بمكاتب الاستعلامات في محطات القطار مهمتها توجيه المسافر لرصيف القطار.

ولاجل الوقوف على التاصيل القانوني لهذه القواعد كان لابد من الاحاطة بالعناصر التي تتشكل منها وطريقة عملها، ومن ثم خصائصها ،وقبل ذلك كان لابد من التعرض للتطور التاريخي لها ،وذلك من خلال ثلاثة مطالب .

تتكون قاعدة الاسناد من ثلاثة عناصر هي فكرة الاسناد وضابط الاسناد و القانون المسند اليه. ففكرة الاسناد هي العلاقة او المساءلة موضوع التنازع ويكشف عن طبيعتها من خلال آلية التكييف فالاخير يصنف العلاقات على شكل افكار مسندة تتمثل بالاهلية و الزواج و الطلاق و النفقة و الميراث و الوصية و التصرفات المالية المتعلقة بعقار منقول بالعقد و الحيازة او أي سبب لكسب الحق فيها وكذلك التصرفات العقدية وغير العقدية، و ضابط الاسناد فهو الوسيلة التي تصل فكرة الاسناد بالقانون المسند اليه وهذا الضابط يستمد وجوده وطبيعته من مركز ثقل العلاقة ولما كانت العلاقة تتكون من ثلاثة عناصر وهي الاشخاص و الموضوع و السبب فاذا كان مركزها العنصر الاول فان الضابط ستكون طبيعته شخصية أي تستمد من الشخص ويظهر الضابط بمظهر الجنسية او الموطن حسب الدولة فتحسب العلاقة من مسائل الاحوال الشخصية كالزواج والاهلية اما اذا كان مركز ثقل العلاقة العنصر الثاني من العلاقة فستكون من مسائل الاحوال العينية و الضابط سيكون اقليميا أي يستمد من الاقليم طبيعته ويتمثل بموقع المال اما اذا كان مركز ثقل العلاقة العنصر الثالث فستكون العلاقة على احد الاوصاف ، الثلاثة وهي اما ان تكون 1- علاقة عقدية 2- علاقة غير عقدية 3- علاقة يغلب عليها الطابع الشكلي ، فان كانت من الوصف الاول فالضابط سيستمد طبيعته من العقد حيث ان العقد مبني على تلاقي ارادة طرفين فان الضابط يكون اراديا ( ضابط الارادة ) اما اذا كانت من الوصف الثاني فالضابط ياخذ طبيعته من المكان الذي تركزت فيه العلاقة كالفعل النافع و الضار فيكون الضابط محل حدوث الفعل اما اذا كانت على الوضع الثالث فيستمد الضابط وجوده من مكان نشوء التصرف المرتبط بالشكل وهنا يتمثل في الغالب بمحل نشوء التصرف.

وبناء على ذلك تكون المسائل التي يحصل في نطاقها التنازع على خمس فئات هي :

1- مسائل الاحوال الشخصية

2- مسائل الاحوال العينية.

3- مسائل العقود

4- مسائل غير عقدية

5- مسائل الشكل.

اما القانون المسند له الاختصاص ، وهو العنصر الثالث من عناصر تكوين قاعدة الاسناد ،هو القانون الواجب التطبيق في العلاقة و الذي يعبر عن حاصل جمع فكرة الاسناد مع ضابط الاسناد وياخذ القانون طبيعته من الضابط فان كان الضابط مستمدا وجوده من اطراف العلاقة فالضابط شخصي وياخذ القانون تطبيق الوصف فيكون شخصيا كما هو الحال بالنسبة لفكرة الاسناد الخاصة بالاهلية يكون فيها الضابط شخصي وهو ضابط الجنسية على مستوى الدول و العراق فيكون القانون شخصي قانون الجنسية وهكذا بالنسبة للضابط الاقليمي المتعلق بالتصرف بعقار وهو موقع العقار حيث يكون القانون المسند اليه قانونا اقليميا وهو قانون موقع المال اما بالنسبة للضابط المستمد من العقود وهو ضابط الارادة فيكون القانون فيه قانون الارادة وهكذا بالنسبة للتصرف غير العقدي وكذلك المتعلق بالشكل.

خصائص قواعد تنازع القوانين (قواعد الإسناد)

بعد التعرف على التطور التاريخي لهذه القواعد ثم العناصر التي تتشكل منها واخيرا عمل القواعد فنستنتج ان تلك القواعد فضلا عن اتصافها بالخصائص العامة للقواعد القانونية لها خصائص ذاتية وهي .

1- انها قواعد حل غير مباشرة بمعنى انها لا تحل التنازع انما وظيفتها تنحصر باسناد العلاقة ذات البعد الدولي لقانون دولة ما دون ان تطبق على النزاع فهي تقوم بنقل النزاع المتعلقة بالعلاقة لحساب قانون ما ،وتنتهي مهمتها لتبدا مهمة القانون الاخير (حكم العلاقة) وحسب النزاع لذا اصطلح عليها بقواعد الاسناد، لهذا السبب يوصفها البعض بانها قواعد صماء لاتقدم حل للنزاع بشكل مباشر ، وهي بذلك تتميز عن القواعد الموضوعية بوصف الاخيرة قواعد حل مباشر .

2- انها قواعد مزدوجة الجانب على راي الغالبية فهي يمكن ان تعطي الاختصاص في الحكم والحسم للقانون الوطني وممكن ان يكون ذلك لحساب قانون اجنبي فهي قواعد لا تقرر ابتداء لمن يكون الاختصاص ولا يعرف القانون المختص بموجبها الا بعد التكييف بحسب طبيعة العلاقة مثال ذلك اهلية الشخص تحكم بقانون جنسية الاخير فيكون القانون عراقيا اذا كان الشخص عراقي ويكون قانون اجنبي اذا كان الشخص اجنبيا وبذلك تتميز عن القواعد الموضوعية بوصفها مفردة الجانب وتوصف قواعد الاسناد من هذه الناحية بانها قواعد محايدة أي لا تنحاز ابدا لقانون معين .

3- انها قواعد وطنية المصدر أي يستاثر المشرع الوطني في كل دولة بوضعها وتراعى فيها الخصوصيات الوطنية في كل دولة مع مراعاة القواعد و المعايير الدولية وبذلك تختلف عن القواعد الموضوعية حيث ان الاخيرة ممكن ان تكون ذات مصدر وطني(التشريع ) او دولي (معاهدات او قرارات القضاء الدولي).

تطبيق قواعد تنازع القوانين( قواعد الاسناد)

بعد ان تبين ان قواعد حل التنازع يمكن ان تاخذ وصف القواعد الموضوعية ذات الحلول المباشرة ، ويمكن ان تاخذ وصف قواعد الاسناد ذات الحلول غير المباشرة فلا توجد ثمة صعوبات تعترض تطبيق القواعد من النوع الاول الا ان هناك جملة صعوبات تعترض تطبيق القواعد من النوع الثاني، لذا سنركز في دراستنا على تطبيق قواعد الاسناد من حيث اساس التطبيق و الاشكاليا ت التي تعترض ذلك التطبيق واخيرا نطاق التطبيق وذلك من خلال ثلاثة مطالب على النحو الاتي :

أساس تطبيق القواعد

يظهر التطور التاريخي لقواعد الاسناد ان الفكرة السائدة قديما عن اساس تطبيق هذه القواعد هو المجاملة الدولية التي قالت بها المدرسة الهولندية الا ان التطور في هذا المجال افرز فكرة اخرى مفادها ان تطبيق هذه القواعد يقوم على اساس ملزم يجد ابعاده في القانون الداخلي و القانون الدولي وهذا يعني ان القاضي الوطني عندما يطبق قواعد الاسناد ومن ثم القانون الذي تشير اليه يكون مدفوع بدوافع موضوعية لا شخصية يقررها المشرع كما افرز التطور فكرة اخرى تبين. اساس هذه القواعد و تتمثل بالعدالة و الملاءمة أي ان القاضي يطبق قواعد الاسناد بهدف تطبيق اكثر القوانين ملائمة وعدالة للعلاقة ونعتقد ان قواعد الاسناد تبدا باساس ملزم يتمثل بوضعها من قبل المشرع الوطني في كل دولة يراعى في وضعها مبدا العدالة و الملائمة عند تطبيقها فكل علاقة لها قانون يحكمها يكون هو الاكثر ملائمة وعدالة لها و القاضي ملزم بتطبيقها لانها تمثل اوامر تشريعية يمكن وصفها بانها ترخيص تشريعي للقاضي في تطبيق قوانين اجنبية على اشكاليات تطبيق القواعد3.

ان اسناد العلاقة ذات البعد الدولي لقانون دولة ما لا يتم بصورة مباشرة انما بعد اجراء عملية فنية اولية عليها يتوقف اختيار قاعدة اسناد دون غيرها يصطلح عليها بالتكييف اوالتصنيف ومن خلالها يتم تصنيف العلاقة ضمن احد الافكار المسندة تمهيدا لاسنادها, ولا يعني الاسناد تطبيق القانون المسند اليه الاختصاص فالاسناد بمثابة عرض الاختصاص التشرعي لقانون ما و على الاخير ان يختار بين قبوله او رفضه لذلك الاختصاص فاذا قبل الاختصاص يطبق اما اذا لم يقبله يمكن ان تعترض القاضي اشكالية من طبيعة اخرى يصطلح عليها بالاحالة ،كما يمكن ان تواجه القاضي اشكالية تتعلق بتوزيع الاختصاص التشريعي بين عدة شرائع . وعليه سنعرض للموضوع من خلال ثلاثة فروع سنبين في الاول التكييف وفي الثاني الاحالة وفي الثالث التفويض.