قميص الكاظمي

425

حسن النواب

عندما رأيتُ رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي يتفقَّد مؤسسات الدولة، وهو يرتدي قميصاً متواضعًا، تذكَّرتُ قميص عثمان! في المرَّة الأولى التي ظهر فيها الكاظمي بقميص يشبه قمصان الصعاليك، قلتُ في سرّي هذا الرجل يريد كسب الشارع المنزعج من الحكومة بقميصه البائس؛ لكن عندما تكرَّر مشهد ارتدائه للقميص، خفق قلبي، وقلت لعائلتي هذا الرجل يحبُ الفقراء، لكني في ذات الوقت استرجعتْ ذاكرتي قميص عثمان؛ حين رفعوه أهل الباطل على أسنَّةِ رماحهم لقتل الإمام علي عليه السلام. يبدو أنَّ التشبيه بين قميص عثمان والكاظمي يثير أكثر من سؤال، بل ليس بعيداً أنَّ هذا التماثل يقود كاتب المقال إلى الاغتيال؛ وهذا ليس ببعيد، فقميص الكاظمي كما يبدو الآن، تحت مبضع التشريح من قبل المليشيات وأمريكا ودول الجِوار والتي تسعى جميعها إلى دس السُمْ مخلوطاً بالعسل في طعامه؛ ومع أنَّ قميص الكاظمي يحظى برعاية المرجع الأعلى وبركات من السماء؛ لكن عيون الضَّغينة والخطر والغدر أهجسُ مازالتْ تتربَّص بخطواته من كل حدَبٍ وصوب. حسناً الرجل في جميع زياراته يعشق الظهور في قميص الصعاليك، بالمناسبة تمعَّنتُ بماركة القميص، وتأكَّد لي ليس من ماركة عالمية، بل ربَّما اشتراهُ من عربات باب الشرقي للملابس المستعلمة. هذا الرجل وأعني رئيس الوزراء جاءت منهُ رسالة شخصية لي ولكن من طرف آخر؛ ولأني أعرف طريقة تفكير الكاظمي، أيقنتُ أنَّ الرسالة جاءت منهُ شخصيَّاً، وهو لم يخسر ، فلقد أرسلها إلى ما تبقَّى من صعاليك هذا الوطن، وهو الرجل الذي يعشقُ شعر مظفَّر النوّاب وغناء فؤاد سالم، الصورتان اللتان تجمعه مع النوَّاب وسالم تبرهنان على ذلك وقد انتشرتا في مواقع التواصل الاجتماعي، طيِّب يا دولة رئيس الوزراء، ها أنت بدأت بصولاتٍ شجاعةٍ على الفساد،  كأنَّكَ تزقُّ ما تهوى وما يتمناهُ الشعب رويداً رويداً في جعبة أحلامه التي ذبُلتْ من طول الانتظار؛ أنا في الحقيقة مازلتُ أعشق القميص الذي تلبسهُ، فهو يذكرني بسنوات حياتي أيام الحصار، عندما أغسل القميص في الليل حتى ألبسهُ صباحاً، ومن كثرة استخدامي لهذا القميص الوحيد أيام الحصار، كتب صديقي الشاعر الفذ كزار حنتوش: فانكمشتْ روحي مثل قميص حسن النوَّاب. لو كان كزار حنتوش على قيد الحياة لحرص أنْ يلتقط صورة معك، لأنك تلبسُ قميصه الآن وأنت تقود العراق. ربَّما لا تعرف معنى ارتداء رئيس الوزراء لقميص متواضع في زياراته الميدانية، وربما لا تعرف تأثير ذلك على العوائل الفقيرة، بصراحة أنت بهذا القميص دخلت قلوب العراقيين المظلومين، لكني أفكر عندما يحلُّ الشتاء، فماذا تلبس؟ ليتني أراك في البرد تتلفَّع ببطانية بدلاً عن المعطف الأمريكي الأنيق، نعم فصل الشتاء سيكشف حقيقة كل شيء، أمَّا أنت مع الفقراء أو تستعرض موسم الصيف عليهم بقميص ذكي. بقيَ أنْ أخبركَ بما لا يجرؤ الآخر على قولهِ لك، صحيح أنت رجل عفوي، وصريح إلى حدٍّ ما، لكن تعوزك الثقة بمن حولك، ولو كان الذين حولك قلوبهم معك، لكانت خطواتك أكثر وضوحاً في الإصلاح للشعب العراقي، ودعني أقول لكَ بصراحة متناهية، إذْ ليسَ بعيداً أنَّ مقالي هذا لا يصل إليك، لأنَّهُ يفضح ما حولك من المكتب الإعلامي؛ أنت يا أخي تأخذ هموم الشعب من مرايا وضعتها أمامك وخلفك ومن جميع الجوانب، فما بالك إذا كانت كل تلك المرايا صدئة؛ عليك وهذه نصيحة مواطن يحبك، أنْ تجعل هناك مرآة خارج المنطقة الخضراء، وأرجو أنْ لا تفكّر بي، لأني صعلوك وأشرب في كل يوم ولا أنفعك، لكن هناك غيري الكثير من النبلاء. جُلَّ ما أخشاهُ أنْ يرفع قميصك النبيل من قبل المليشيات على فوهات البنادق والدعوة إلى مقتلك، وليس بعيداً أنَّ الذين قتلوا الإمام علي عليه السلام سيقتلون من يشبههُ، مع الفرق الشاسع بين حبيبي الإمام علي عليه السلام وبينك. أنت رجل مازلت في طور الألم، والذي يكتبُ هذا المقال هو الألم. نعم قميصكَ أربكهم وأخشى أنْ يكون قميص عثمان.

مشاركة