قمة الدنا وحاكمية (الگذل) الشقر – نعمة العبادي

196

قمة الدنا وحاكمية (الگذل) الشقر – نعمة العبادي

حظيت ما سميت بقمة العلا لدول مجلس التعاون الخليجي باهتمام إعلامي خليجي ودولي كبير ، على اساس انها قمة مصالحة بين قطر والسعودية والامارات ، وعودة لدولة قطر لحضور القمم الخليجية بعد إنقطاع دام اكثر من دورة ، وتوتر في العلاقات بلغ حد التراشق الاعلامي العلني ، ومنع قطر من استخدام الأجواء الجوية السعودية والاماراتية ، فضلاً عن تداعيات أخرى لهذه القطيعة .

مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في عقد الثمانينات من القرن الماضي ، كان ولا يزال حلفاً أمنياً في جوهره ، فقد مثل النفط ووحدة العدو وتناظر مصادر القلق ، المادة اللاصقة التي مسكت الاتحاد وماسكته ، ودفعت به الى الامتداد الى مجالات اوسع ، في مقدمتها التنسيق الاقتصادي ، وإلا فإن الفوارق عميقة وجوهرية بين شعوب هذه المنطقة وإن ظهرت متقاربة في لهجتها.

مارست الكويت دوراً مؤثراً خارج مديات حدودها الوطنية خلال فترة السبعينات والثمانيات حتى سقطت بالضربة القاضية على اثر احتلالها من قبل (صدام) ، حيث انكمشت على نفسها واصبحت منشغلة في شأنها الداخلي ، وهو دور لم يكن يروق للسعودية في حديث الكواليس ، والتي تعد نفسها كبيرة الخليج وزعيمته ، ومن غير المستبعد ان تكون قد اعطت ضوءاً اخضر او على الاقل ، فرحت في اعماقها لما حصل للكويت ، وإن ظهرت مدافعة عنها في المحافل الدولية ، فهذه المدافعة ضمنت لها أمرين، الأول عودة الكويت للدخول تحت جناحها ، والثاني اضعاف العراق وخصوصاً نظام صدام الذي كان مقلقاً لكل المنظومة الخليجية.

منذ نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي وبدايات القرن الحادي والعشرين ، نشطت قطر في ادوار فوق وطنية شابهت بعض ادوار الكويت السابقة، وقد مكنها تنامي قدراتها الاقتصادية ، والامتدادات المؤثرة في مجال القوة الناعمة التي حصلت عليها في ظل شبكة علاقات معقدة مع امريكا واروبا واسرائيل وتركيا وايران ودول اخرى، وطرحت الاميرة موزة والدة الامير تميم نفسها كقطب فاعل في مجال توظيف القوة الناعمة واستخدامها في ادارة العلاقات الدولية، وهو دور لم يكن مرضياً كما هو الحال للسعودية ولا حتى للامارات ، الدولة الصاعدة بسرعة صاروخية في قدراتها الاقتصادية وسعة مديات استقطابها للغرب وامريكا كشريك مهم وناجح في مجمل النشاطات الاقتصادية ، ومع صعود الاخوان المسلمين في مصر والمنطقة ثم انتكاسهم ، فقد دخل الموقف العقائدي والديني المختلف بين هذه الدول ، كمصدر انقسام وصراع في نهاية المطاف .

تزايدت هوة الخلاف مع قطر ووصلت حد القطيعة ، الامر الذي جعلها قريبة من محور تركيا وكذلك نسبياً من ايران ، فيما تقف السعودية والامارات ومصر وبرضا خليجي وعربي وبمساندة امريكية واسرائيلية في الطرف الآخر خصوصاً بعد التطبيع مع البحرين والامارات ومباركة السعودية لهذا التوجه ، الامر الذي جعل التكهنات تذهب بعيدا في مستقبل العلاقات الخليجية إلا ان حقيقة الهاجس الامني الذي تأسس عليه هذا الاتحاد ، اعاد الامور الى نصابها من جديد .بأمر ترامبي واشراف ورعاية كوشنرية وبحسابات براغماتية واعية ، وصل الى الجميع الى ضرورة انهاء هذه القطيعة والاعلان عن صلح علني ، يعيد قطر الى منطقة الحراك والفعل السعودي الاماراتي .

ان انهاء الخلافات بين اي دولتين حالة ايجابية، وتزداد قيمتها اذا كانت تلك الدول مسبوقة بعلاقات حميمة وروابط كبيرة إلا أن مشهد (قمة الدنا) كان مخجلاً ومخزياً بامتياز، فقد ظهر الصبي كوشنير كضابط صف لفصيل مشاة منضبط ، يتفرج بأريحية على ادائهم للحركات المطلوبة وعلى المسطرة لان المخالف موعود بعقاب كبير، وهكذا اكتشف الاخوان الخليجيون انفسهم من جديد بفضل تذكير ترامب وكوشنير والاسرائليين لهم ، وليست الاخوة والجوار كما يدعى هي منطلق هذه العودة .

في الحسابات التقليدية لمحددات الاستقرار الاقليمي والدولي، فأن تزايد التقارب وانتهاء ازمات المنطقة يدعم بشكل كبير حالة الامن والاستقرار إلا ان الحالة في الوضع الخليجي الجديد مختلفة، فهذا التوافق هو اندفاع اكبر بأتجاه تصعيد توافقي في المنطقة، طرفه الآخر ايران ومن يقف معها، لذلك فإن الحماس الترامبي الكاشونيري لم يكن منطلقاً من القلق على الاخوة الخليجية ومصالح المنطقة بل هو امر موجب وضروري لاستكمال صفقة القرن ودورة التطبيع او التركيع والتي تدفع بالمنطقة الى مناطق توتر اكبر .

انه من المخجل والمؤسف ان نشاهد شخصية مثل محمد بن سلمان بضالحة المواصفات التي يحملها ، يتزعم هذه الكتلة البشرية الاقتصادية العملاقة، والتي تتصارع عليها الكثير من الاطراف الدولية، الامر الذي يؤشر بوضوح مستقبل المنطقة.

مع الاقرار بأن فوز بايدن يمكن ان يغير الكثير في تركة ترامب بخصوص سياساته في المنطقة ، ولكن هذا لا يعني ان تتبدل مسارات هذه الصفقة بشكل جوهري ، وستبقى الرغبة في سحب المنطقة نحو توتر اكبر للاستثمار فيه، شغف لاكثر من عگال خليجي .

مشاركة