قلق السعي إلى المكانة

580

الشعور بالرضا أو المهانة

قلق السعي إلى المكانة

 مروة الجزائري

في هذا الكتاب يوضح دو بوتون ان سعينا لأن نكون محبوبين ومقدرين يتفوق على سعينا لحيازة اي شيء آخر. بل ان كل مانقوم به يهدف الى تحسين مكانتنا.. ذلك ان موقعنا على درجات السلم الاجتماعي يلعب دورًا حاسمًا في حياتنا لأن صورتنا الذاتية تعتمد بشدة على مايراه الآخرين فينا.

ويبدأ بتعريف قلق المكانة بأنه قلق خبيث الى حد يجعله قادرًا على افساد مساحات شاسعة من حياتنا يساورنا خشية فشلنا في مجاراة قيم النجاح التي وضعها مجتمعنا، وخشية ان يتم تجريدنا نتيجة هذا الفشل من شرف المنزلة والاعتبار؛ قلق من اننا نشغل في الوقت الراهن درجة بالغة التواضع، ومن اننا قد ننزل الى درجة ادنى عمّا قريب.

اذن، ما المباديء التي يكون توزيع المكانة في المجتمع على اساسها؟ وماهي استجابتنا ومانفعل للمحافظة على هذه المكانة التي غالبًا ماتُحدد لأسباب مادية كحالة اجتماعية او عرق او لون او قوة…الخ

“ان عقولنا عجينة طرية من السهل ان تؤثر عليها الاصوات الخارجية التي تخبرنا بما ينبغي ان نحتاج اليه لنشعر بالرضا، تلك الاصوات التي قد تطمس الاصوات الخافتة المنبعثة من داخل نفوسنا وتلهينا عن المهمة الدقيقة والمجهدة؛ ان نحدد اولوياتنا بمنتهى الدقة.”

و على هذا الأساس قسم الان دو بوتون الكتاب الى خمسة أسباب وخمسة حلول سألخصها لكم كالتالي:

الأسباب/

1- افتقاد الحب

يفتتح الكاتب كتابه بشرح اهمية الحب في حياتنا ودوره الكبير في تقييمنا لمكانتنا وشعورنا بالرضا او المهانة

“من شأن الأهمال ان يعزز تقييمنا السلبي لأنفسنا الكامن فينا، في حين ان ابتسامة او مجاملة تنشط داخلنا التقييم المقابل بالسرعة ذاتها. نبدو مدينين لعواطف الآخرين التي لولاها لعجزنا عن تحمل انفسنا.”

“انه حد منطقي وعبثي في آن ذلك الذي يصل قد يصل اليه ارتفاع معنوياتنا او انخفاضها بناء على اهتمام الآخرين بنا او بإهمالهم لنا.”

2- الغطرسة

وفيه بيان التأثير السلبي لرفقة المتغطرسين علينا كأفراد.

“ربما يكون الخوف وحده هو جذر المشكلة، لأن الواثقين في قيمتهم الذاتية لن يتسلوا بتحقير الآخرين.”

“اذا كان الفقر هو العقوبة المادية المعهودة لمن يشغلون مكانة دنيا، فأن الاهمال واشاحة النظر بعيدًا هي العقوبة العاطفية.”

3- التطلع

المساواة والتطلع والحسد

لقد ابدى ابناء العصور الحديثة مشاعر مبالغ فيها بأن لاشيء يكفي بالمرة بالمرة، سواء من حيث هوياتهم كأشخاص او من حيث ممتلكاتهم.

ان حكمنا للثروة او التقدير على سبيل المثال لا يأتي مستقلا بنفسه بدلا عن ذلك تُصنع تلك المعايير عن طريق مقارنة حالنا بحال مجموعة مرجعية، انها جماعة الناس الذين نعتقد انهم يشبهوننا. فعلى مايبدو لا نستطيع ان نقدر مابين ايدينا لقيمته الخاصة به.

لا نعتبر انفسنا محظوظين الا حينما نملك مثلما يملك او اكثر مما يملك الاشخاص الذين نشأنا معهم او نعمل الى جانبهم او نتخذهم اصدقاء او نتشابه معهم في المجال العام.

“انه الشعور بأننا في ظل ظروف مختلفة كان من الممكن ان نكون شيء آخر غير مانحن عليه.”

“اننا لا نشعر على الدوام بالمهانة اذا ما اخفقنا في بعض الأمور؛ نشعر بالمهانة فقط اذا ما استثمرنا كبرياءنا واحساسنا بقيمتنا في طموح او انجاز محددين ثم خاب سعينا اليه.”

“ان الثراء الفعلي لا يتطلب امتلاك اشياء كثيرة؛ بل يتطلب بدلاً من ذلك امتلاك مايصبو اليه المرء. الثروة ليست شيئاً مطلقًا بل تتناسب مع الرغبة.

ففي كل مرة نصبو فيها الى شيء ولا نستطيع ان نناله نزداد فقرًا مهما زادت مواردنا وفي كل مرة نشعر فيها بالاشباع والرضا بما بين يدينا يمكننا ان نعد من الأثرياء مهما قل ماقد نملكه فعليًا.”

“قد نكون سعداء كفاية بالقليل اذا كان هذا القليل هو مانتوقع، وقد نكون تعساء بالكثير عندما يتم تعليمنا ان نرغب في كل شيء.”

 4- الكفاءة

بعد التقدم الذي حصل، اصبح الاخفاق والفقر لا يعزى بسبب القدر او الحظ وانما لأفتقار الشخص الى الكفاءة اي اقترن الفقر بالفشل. وتغير مفهوم النظر الى روح الانسان فقط من اجل الحكم على قيمته بل الى تأثيره على الآخرين.

5- الاعتماد

وهنا يكون الاعتماد على ظروف خارجية معددة لتحدد مكانتنا وغالبا ليس لدينا يد في التحكم بها.

….

الحلول

1- الفلسفة

تطلب منا الفلسفة والفلاسفة بإختصار ان نحكم عقلنا فيما اذا كان مايقوله او يمارسه الآخرون بحقنا يمثلنا ام لا. وعليه نتخذ القرار الصائب بعيدًا عن القلق من ان تهتز مكانتنا.

“يجب علينا ان نتبع العلامات الداخلية لوعينا وضمائرنا، وليس الاشارات الخارجية للاستحسان او الاستهجان. ليس المهم هو مانبدو عليه في اعين جماعة عشوائية من الناس بل ما نعرف نحن اننا عليه في داخلنا.

وحسب كلمات شوبنهاور: سوف يكون كل توبيخ وانتقاد مؤلمًا فقط بقدر مايضرب على اوتارنا الحرجة. اما الشخص الواثق من انه لا يستحق هذا التوبيخ فهو قادر اذا شاء ان يزدريه مطمئنًا وواثقًا من نفسه.”

2- الفن

بماذا ينفعنا الفن؟

يقوم الفن بمختلف انواعه من ادب الرواية والمسرحية والقصيدة والرسم بمختلف انواعه بتفسير الطبيعة الانسانية وشجب ونقد الطبقية بين المجتمع ومحاولة الى جعل الانسان يتريث في اصدار الاحكام الجائرة والحادة على اناس لم يمر بتجربتهم – او لا يتخيل نفسه كذلك- وقد سخر الفن عبر التراجيديا والكوميديا لتوسيع حدود التعاطف الانساني والنظر خلف الصفات الظاهرة والتي تحدد على اساسها المكانة.

نتعلم من خلال الفن ان كل شيء وارد وبأن علينا ان نعامل الناس كما شخوص الروايات وان لا نحكم عليهم قبل ان نسمع منهم ونتفهم ظروفهم فبعد كل شيء من الوارد جدًا ان نقع في نفس خطاياهم.

“كيف يمكن لأصغر خطوة نتخذها في الاتجاه الخطأ ان تقود الى اوخم العواقب؛ والعمى الذي كثيرًا مايصيبنا والمتعلق بنتائج افعالنا وما جُبلنا عليه من حماقة افتراض ان اقدارنا تأتمر بأمرنا وكيف يمكن ان نفقد عزيز علينا بلمح البصر فقدانا لا رجعة عنه. وازاء تلك القوى الغامضة التي لا تقهر فان قدراتنا الهشة على التفكير وتدبر الغد تبدو بلا حول ولا قوة.”

” لعل الكوميديا الأشد تخريبًا على الإطلاق هي تلك التي تلقننا درسًا بينما تبدو انها تسلينا وحسب.”

3- السياسة

لمعرفة قلق المكانة من منظور سياسي اخذ الكاتب اكثر من مجتمع في ازمان متقاربة وبين اساس المكانة وكيف يتم تحديدها ونلاحظ تباينها وماهو تأثير الادلجة المستمرة التي تجعل رحى القلق والسعي الى المكانة تدور وتدور. وقد لا تكون حلًا جذريا لكنها على الاقل ستقلل احساس الاضطهاد ومشاعر السلبية والارتباك التي تنتابنا على الأقل.

“تبدو الحياة كأنها عملية متواصلة من استبدال قلق بآخر ورغبة تحل محل اخرى- وهو مالايعني بالمرة اننا يجب الا نكافح لتجاوز اي اوجه قلق، او نكافح لتلبية اي من رغباتنا لكنه يقترح بدلا من ذلك ان علينا ان ندمج بكفاحنا هذا ادراكنا لطرائق عمل اهدافنا وكيف تعدنا براحة واستقرار”

” لقد ملأنا حياتنا بالزخارف المترفة ولكننا نسينا ان نعيش وسطها. كثيرون يأكلون اشهى الطعام ويشربون اغلى المشروبات، ولكن هل زاد مايشعرون به من غبطة ونعمة في صميم افئدتهم؟ هل هم أفضل، واجمل واقوى واشجع؟ بل هل هم اكثر “سعادة” كما يسمونها؟”

-4 الدين

” لا ترياق يشفي من افيون الزمن”

في هذا الباب بإختصار يطرح الكاتب فكرة استحظار الموت في بعض الاعمال الادبية والفنية للدلالة على تفاهة الاشياء التي نقلق بشأنها على الدوام كمناصبنا واموالنا وثيابنا وكل شيء لن يكون ذا قيمة عندما توافينا المنية

5- البوهيمية

كتب جوستاف فلوبير ” ان كراهية البرجوازيين هي اول الحكمة”

من بين الافكار التي تنسب الى البوهيمية ان الانسان اذا عاش حياته بطريقة متعارضة مع الثقافة السائدة فأن طاقته على البقاء واثقًا في اختياره هذا ستعتمد بدرجة كبيرة على نظام القيم المعمول به في بيئته المباشرة وعلى الاشخاص الذين يختلط بهم وعلى مايقراه ويسمعه. وبما انهم يقرون بأنــــــــهم سريعي التاثر بأفكار من يحيط بهم لذلك يختارون رفاقهم بعناية.

وقد تبدو البوهيمية بغرابة اطوار معتنقيها وكأنها عصيان صبياني وعبثي لكنها بفضل بعض البوهيميين الموهوبين قد تبدو جادة وجديرة بالثناء.

واخيرًا بوسعنا القــــــــول ان حلًا ناضــــــجاً لمشكلة القلق حيال المكانة يبدأ من الأقرار بأنها متــــــــوفرة لدى مجموعات متنوعة من الجمهور تستطيع تقديمها لنا.

ومهما كان هذا القلق مزعجا، فمن الصعب تخيل حياة طيبة تخلو منه تماماً.

ذلك لأن الخوف من الفشل ومن الخزي في اعين الآخرين عاقبة لابد منها لأمتلاك طموحات ولتفضيل مجموعة من النتائج على اخرى.

المكانة هي الثمن الذي ندفعه مقابل ادراكنا ان ثمة تمييز متفق عليه بين حياة ناجحة وحياة غير كذلك.

مشاركة