قلـب أمـي – مها محمد

490

قصتان قصيرتان

قلـب أمـي – مها محمد

منذ أن كنت مضغة، ثم علقة، واكتست عظامي لحماً، كانت ثمة هواجس تساورني أن أمي عليلة، وأن أيامي في أحشائها ستكون محدودة. فمن حين لأخر، تنتابني موجة من الانقباضات التي تحاول انتزاعي من مكاني لتطرحني خارجاً، لكنني استجمع قواي، واتشبث بموقعي، وأعلل النفس أنها لحظات من الالم وستختفي. فالحياة تسير وفق نسق متغير، ولاشيء يدوم بثبات، فالنور سيعقب الظلام، لامحالة…

كنت ألوذ بأحزاني إلى صديقي، ورفيق رحلتي، قلب أمي، هذا الذي يتحسس وجعها مثلي. لكنه كان أصلب عوداً. فما أن تبدأ نوبات الالم، حتى يزيد القلب من دقاته بشكل يثير راحتي ، فأطرب لوقعها واحتويه بذراعي ونبقى هكذا صامدين حتى تستعيد أمي توازنها، ونعود إلى ما كنا عليه من قبل.

ويوما بعد آخر أحببت العيش مع قلب أمي والرقص على إيقاع دقاته والنوم على وفق ترانيمه. حتى اليوم الذي حدث فيه ما لم يكن في الحسبان. فقد تعرضت أمي إلى حادثة ما نقلت على اثرها إلى المستشفى. بقيت، ومعي رفيق دربي، نترقب ما يخبؤه القدر من أحداث. كنا نميز أصوات مباضع جراحية وأشخاص يتحدثون لغة لانفهمها. ثم سمعت صوت أبي يتحدث بذات اللغة، وشيئا من صوت أمي… ثم لا شيء.

وعلى حين غرة، تدفق الدم علينا من كل حدب وصوب، ودخلت يد غريبة واقتلعت شيئاً ما بحذر. فتكورت على نفسي وأغمضت عيني، ثم رفعت بصري صوب القلب، فلم أره! أحسست بدنو أجلي. ثم دخلت يد أخرى لتنتشلني، وتضعني فوق سرير قريب من آخر كانت ترقد عليه فتاة شابة، وكان الجميع ملتفين حولها. تطلعت إلى الجانب الآخر فوجدت أمي مسجاة، وقد شق صدرها وشحب لونها، وكانت تحدق ببصرها نحو الأعلى. صرخت، وصرخت، وازداد صراخي.

جاءتني إحدى الممرضات ونظفتني وألبستني ثوباً ثم تركتني جانباً. كنت لا أصرخ لموت أمي حسب، بل لفراق صديقي الذي أمضيت معه شهوراً تذوقنا فيها حلو الحياة ومرها..

أدخلوني حاضنة فتملكني احساس بدفء رحم أمي لكنني كنت أبحث عما ينقصني. فأبكي، دون جدوى. كنت افتقد ذلك القلب الذي أمطرني بفيض من الأحاسيس التي يختلط فيها الحب والكبرياء بالأمان والتحدي. كانت دقاته تهمس لي أن الحياة تستحق الألم، وأن الوجع سيدفعني للمضي قدما في التسلح بجرعات الامل.. كان القلب مجستي لرؤية العالم الخارجي وفهم تناقضاته وقد أعطاني دروساً بليغة في تعلم أبجدية الحياة. حملوني إلى تلك الفتاة التي نقلوا لها قلب أمي ووضعوني على صدرها، فهالني ما سمعت! وقع دقات شبيهة بالتي كنت ألفتها ! ياإلهي! أرهفت السمع ونجحت في التعرف على ذلك القلب الحاني، قلب أمي. فهلل قلبي وكبر، وانتفضت فرحاً، فازددت التصاقاً بالفتاة ورفضت مغادرة أحضانها. ولكن، مع توالي الساعات، لم أعد أسمع تلك الموسيقى التي كانت تمدني بطاقة لاحدود لها، فقد تحولت إلى مجرد خفقات كئيبة لا إيقاع فيها، فعرفت انها النهاية.

نهاية رحلة حياة مضنية كنت وقلب أمي بطلاها.

مرضت.. وأدخلوني المستشفى حيث بقيت راقداً ثلاث ليال. كنت على يقين أن وجودي لاجدوى منه، لكنه اعتراف صريح مني بفضل ذلك القلب الذي لازمني حتى غدوت قادراً على اتخاذ قراري بنفسي.

نعم، اتخذت قراري. تأملت الاجهزة التي كانت تزودني بالاوكسجين وجهاز الأرواء الذي يغذي دمي. وتطلعت إلى وجه جدتي المتورم من فرط البكاء، ثم تأملت أبي بقسماته المتعبة. فابتسمت لهما. كنت على يقين أن حياتي المقبلة وأنا أعيش في كنف أبي وجدتي لن تكون خالية من الوجع، لكن تسلحي بمفردات الصبر ستكون كفيلة بمداواة آلامي.

تصبحين على خير

– جدتي، غلبني  النعاس، هلا حكيت لي قصة ؟

– كان ياماكان في قديم الزمان، كان ثمة طفلة حلوة اسمها حلا، وكانت تحنو على اختها الصغيرة وتداعبها ، ولا تلحق بها اي اذى. وذات يوم، حدث ان تفوهت بكلمة نابية بحق اختها ، فتقدمت نملة من حلا، وتسللت داخل فمها، وعضتها من لسانها.وبقيت حلا تبكي حتى جاءت والدتها واسدت لها نصيحة ان تستغفر الله، وتطلب السماح من اختها.وهكذا تحسنت حالة لسانها، وندمت حلا على ما اقترفته بحق اختها،وقطعت عهدا امام والديها على ان تولي اختها مزيدا من الرعاية.

– هل نمت ياحلاوي؟

– كلا ياجدتي.اريد سماع المزيد.

كنت اشعر بالتعب جراء يوم مفعم بالواجبات الوظيفية والمنزلية، وعقدت العزم على ان اخلد الى النوم بعيدا عن ضجة الاحفاد.لكن الحسناء حلا تأسرني بجمالها ورقتها، لدرجة أعجز فيها عن رفض اي طلب لها ،وهكذا بدأت استرجع في مخيلتي جميع القصص التي سبق ان رويتها مثل سندريلا والاقزام السبعة وقطر الندى وليلى والذئب والخ..

تذكرت مجموعة من القصص اليابانية التي كنت قد ترجمتها، فاخترت منها واحدة وقلت لها:

– دعيني امسد شعرك واحكي لك عن الصياد  والسلحفاة :

رمقتني بنظرة من عينيها السوداوين ووضعت اصبعها في فمها وحركت راسها معلنة عن موافقتها.

-كان ياماكان في قديم الزمان، كان ثمة صياد يصطاد السمك في عرض البحر، ثم يبيعه في السوق ويعيل عائلته مما يجنيه .وذات يوم، اسعفه الحظ واصطاد  كمية من الاسماك.وما ان حط على الشاطئ، حتى وجد اطفالا يتجمعون حول سلحفاة صغيرة ويتقاذفونها، مثل كرة قدم، فما كان من الصياد الا اقناع الاطفال بترك السلحفاة مقابل اعطائهم جميع الاسماك التي اصطادها ذلك اليوم.

– سألتها:هل نمت ياحلا؟

– اخرجت اصبعها من فمها وقالت بهمة: كلا ، كلي اذان صاغية !

كان النعاس يطبق اجفاني، وكنت اشعر بحالة من الخدر ،لكن حبي لحلا اكبر من مجرد الاعتذار لها عن التوقف. فمضيت اقول:

-اخذ الصياد السلحفاة، ورماها في البحر، ثم عاد الى عائلته بخفي حنين، فنام الجميع وهم يتضورون جوعا.وفي الصباح الباكر نزل بقاربه الى عرض البحر ليصطاد كعادته، وفجأة اقتربت  منه سلحفاة كبيرة  وقالت له:

– لقد اسديت لي صنيعا عندما اعدت لي ابنتي السلحفاة ،وضحيت بقوت عيالك مقابل انقاذها، وقد جئتك اليوم لاكافئك. هيا،اركب على ظهري لأريك مملكتنا.

– هل نمت ياحلا؟

– كلا، اتلهف لمعرفة نهاية الحكاية ياجدة.

كنت اشعر بثقل في لساني وبحالة خدر تشل اعضاء جسمي ،وكان لا بد من ان اغمض عيني واغفو .نعم، لا مناص من النوم.

ربتت حلا على كتفي قائلة:

– جدتي،افيقي، واكملي…

– اين وصلنا؟

– امتطى الصياد  ظهر السلحفاة.

نعم، وهبطت به الى قعر البحر حيث مملكة السلاحف.شعر الصياد بالدهشة وهو يرى قصورا فارهة وحصونا غريبة وخدما وحشما.اقترب منه امير السلاحف، وقدم شكره الى الصياد حاملا معه ثلاثة صناديق مليئة بالــــلؤلؤ والمرجان قائلا له:

– لقد اسديت لنا صنيعا، وحان الوقت لاكافئك. هذه الكنوز لك، وانت تستحقها.

شكرهم الصياد، وامتطى ظهر السلحفاة الام ،ووصل الى الشاطئ.

ودعته السلحفاة وتمنت له حياة مفعمة بالرخاء مع عائلته.

فتحت عيني واذا بحلا تغطيني وتطبع قبلة على جبيني قائلة :

– نوما هانئا جدتي،وتصبــــــحين على خير.

مشاركة