قفزة في سينما عربية مجهولة.. ترشيح فيلم سوداني للأوسكار

317

القاهرة‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬يجسد‭ ‬فيلم‭ “‬ستموت‭ ‬في‭ ‬العشرين‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬عمل‭ ‬درامي‭ ‬سوداني‭ ‬يُعرض‭ ‬على‭ ‬منصة‭ “‬نتفليكس‭” ‬وأول‭ ‬إنتاج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬العربي‭ ‬يُرشح‭ ‬إلى‭ ‬جوائز‭ ‬الأوسكار،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أعمال‭ ‬أخرى،‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬السودانية‭ ‬تتزامن‭ ‬مع‭ ‬التحول‭ ‬السياسي‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬

ويقول‭ ‬المصري‭ ‬حسام‭ ‬علوان،‭ ‬منتج‭ ‬أول‭ ‬فيلم‭ ‬روائي‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬منذ‭ ‬عشرين‭ ‬سنة،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬ترشيح‭ ‬الفيلم‭ ‬الى‭ ‬جائزة‭ ‬أوسكار‭ ‬لأفضل‭ ‬فيلم‭ ‬أجنبي‭ ‬وعرضه‭ ‬على‭ “‬نتفليكس‭” “‬يعززان‭ ‬حضور‭ ‬السينما‭ ‬السودانية‭ ‬دوليا‭”.‬

وتدور‭ ‬أحداث‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬أخرجه‭ ‬أمجد‭ ‬أبو‭ ‬العلاء‭ ‬حول‭ ‬شاب‭ ‬تقول‭ ‬نبوءة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الدراويش‭ ‬الصوفيين‭ ‬إنه‭ ‬سيموت‭ ‬حينما‭ ‬يكمل‭ ‬عشرين‭ ‬عاما،‭ ‬فيقضي‭ ‬أيامه‭ ‬في‭ ‬قلق‭ ‬وترقب‭ ‬حتى‭ ‬يحدث‭ ‬ما‭ ‬يغير‭ ‬حياته‭ ‬تماما،‭ ‬إذ‭ ‬يلتقي‭ ‬مع‭ ‬مخرج‭ ‬مغامر‭ ‬في‭ ‬قريته‭ ‬يستعرض‭ ‬معه‭ ‬تجاربه‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

ووقّعت‭ ‬الشركة‭ ‬المنتجة‭ ‬للعمل‭ ‬أخيراً‭ ‬عقداً‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ ‬التوزيع‭ ‬السينمائي‭ ‬الأميركية‭ “‬فيلم‭ ‬موفمنت‭” ‬لتوزيع‭ ‬الفيلم‭ ‬وعرضه‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬الشمالية‭.‬

ونال‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬2019،‭ ‬جائزة‭ “‬أسد‭ ‬المستقبل‭” ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬البندقية‭ ‬السينمائي‭ ‬الدولي،‭ ‬وجائزة‭ “‬نجمة‭ ‬مهرجان‭ ‬الجونة‭ ‬الذهبية‭” ‬لمسابقة‭ ‬الأفلام‭ ‬الروائية‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وجائزة‭ “‬التانيت‭ ‬الذهبي‭” ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬أيام‭ ‬قرطاج‭ ‬السينمائية‭ ‬في‭ ‬تونس‭.‬

وتوقف‭ ‬النقاد‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الفائت‭ ‬أمام‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬السودانية‭ ‬التي‭ ‬شقت‭ ‬طريقها‭ ‬الى‭ ‬مهرجانات‭ ‬عربية‭ ‬ودولية‭.‬

ويقول‭ ‬الممثل‭ ‬والفنان‭ ‬التشكيلي‭ ‬السوداني‭ ‬عادل‭ ‬كبيدة‭ “‬الفن‭ ‬كان‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الحراك‭ ‬الثوري‭ ‬ومهّد‭ ‬له‭”.‬

وشهد‭ ‬السودان‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬2018‭ ‬انتفاضة‭ ‬شعبية‭ ‬دفعت‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬الجيش‭ ‬الى‭ ‬الإطاحة‭ ‬بالرئيس‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬الذي‭ ‬حكم‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬31‭ ‬عاما‭ ‬بيد‭ ‬من‭ ‬حديد‭.‬

ويقول‭ ‬المخرج‭ ‬أمجد‭ ‬أبو‭ ‬العلاء‭ “‬انطلقنا‭ ‬في‭ ‬العمل‭ (‬في‭ ‬الفيلم‭) ‬ونحن‭ ‬ندرك‭ ‬حاجة‭ ‬مجتمعنا‭ ‬إلى‭ ‬أحلامنا‭ ‬ونتصرف‭ ‬بدون‭ ‬الشعور‭ ‬بعقَد‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬والإحباط‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬منها‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬سبقتنا‭”.‬

وعاش‭ ‬السودان‭ ‬خلال‭ ‬حكم‭ ‬البشير‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬عزلة‭ ‬دولية،‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬نزاعات‭ ‬جرت‭ ‬على‭ ‬أرضه،‭ ‬وعقوبات‭ ‬فرضت‭ ‬عليه‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬اتهامات‭ ‬وجهت‭ ‬للرئيس‭ ‬السابق‭ ‬بارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬دارفور‭. ‬كما‭ ‬عانى‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬أمني‭ ‬وتضييق‭ ‬على‭ ‬الحريات‭. ‬ويشير‭ ‬مدير‭ ‬مؤسسة‭ “‬فيلم‭ ‬فاكتوري‭” ‬الممثل‭ ‬طلال‭ ‬عفيفي‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬التابعة‭ ‬لنظام‭ ‬البشير‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1989‭ “‬أجهضت‭ ‬كل‭ ‬مبادرات‭ ‬الثقافة‭ ‬والفنون،‭ ‬وعمدت‭ ‬الى‭ ‬مناهضة‭ ‬قيم‭ ‬التنوع‭ ‬وحرية‭ ‬الرأي،‭ ‬عبر‭ ‬سعيها‭ ‬لتبني‭ ‬ما‭ ‬زعمت‭ ‬أنها‭ ‬سياسات‭ ‬الأسلمة‭ ‬والتعريب‭”.‬

انقلاب‭ ‬أبيض‭”‬

ويلاحظ‭ ‬عفيفي‭ ‬أن‭ ‬مضمون‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬أخيرا‭ “‬كان‭ ‬يسعى‭ ‬لتأكيد‭ ‬مقاومته‭ ‬لكل‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬دعمها‭ ‬النظام‭”.‬

ويوضح‭ ‬أن‭ ‬صعود‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬بدأ‭ ‬قبل‭ ‬الحراك‭. “‬فبعد‭ ‬ظهور‭ ‬الصيغة‭ ‬الرقمية،‭ ‬حدث‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ +‬الانقلاب‭ ‬الأبيض‭+ ‬وتم‭ ‬اختراق‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬ومعها‭ ‬الأحزمة‭ ‬الأمنية‭ ‬والقانونية‭ ‬التي‭ ‬حرّمت‭ ‬الفن‭”.‬وتسعى‭ ‬مؤسسة‭ “‬سودان‭ ‬فيلم‭ ‬فاكتوري‭” ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬في‭ ‬2010،‭ ‬لتعزيز‭ ‬صناعة‭ ‬الأفلام‭ ‬المستقلة‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬وتشجيع‭ ‬أجيال‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالسينما،‭ ‬وتحصل‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الدعم‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية‭.‬

‭ ‬ونفذت‭ ‬المؤسسة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬ورشة‭ ‬تدريب‭ ‬في‭ ‬السيناريو‭ ‬والتصوير‭ ‬والإخراج‭ ‬والمونتاج‭ ‬والأزياء،‭ ‬وأنتجت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستين‭ ‬فيلما‭ ‬روائيا‭ ‬ووثائقيا‭ ‬وتجريبية‭ ‬قصيرة‭ ‬شارك‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬مهرجانات‭ ‬عديدة‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬في‭ ‬البرازيل‭ ‬وهولندا‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬واليابان‭ ‬وجنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬ومصر‭ ‬ونيجيريا‭.‬

‭ ‬ويقول‭ ‬عفيفي‭ “‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬سينما‭ ‬السودان‭ ‬من‭ ‬طفرات،‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬الثورة‭ ‬وحدها‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬لعمل‭ ‬دؤوب‭ ‬بدأ‭ ‬قبل‭ ‬اقتلاع‭ ‬حكم‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬بسنوات‭”.‬

وترى‭ ‬الناقدة‭ ‬المصرية‭ ‬رشا‭ ‬حسني‭ ‬أن‭ ‬2019‭ ‬كان‭ “‬عاما‭ ‬للسينما‭ ‬السودانية‭ ‬بامتياز‭”. ‬فقد‭ ‬حظي‭ ‬مثلا‭ ‬فيلم‭ “‬حديث‭ ‬عن‭ ‬الأشجار‭” ‬للمخرج‭ ‬صهيب‭ ‬الباري،‭ ‬بجائزة‭ ‬أفضل‭ ‬فيلم‭ ‬وثائقي‭ ‬باختيار‭ ‬الجمهور،‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين‭ ‬السينمائي‭ ‬الدولي‭ ‬2019‭. ‬ويتتبع‭ ‬جهود‭ “‬نادي‭ ‬الفيلم‭ ‬السوداني‭” ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬المخرجون‭ ‬المتقاعدون‭ ‬ابراهيم‭ ‬شداد‭ ‬ومنار‭ ‬الحلو‭ ‬وسليمان‭ ‬محمد‭ ‬إبراهيم‭ ‬والطيب‭ ‬مهدي،‭ ‬لإعادة‭ ‬فتح‭ ‬دار‭ ‬سينما‭ ‬خارجية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬أم‭ ‬درمان‭ ‬لإعادة‭ ‬الجمهور‭ ‬إلى‭ ‬السينما‭.‬

وحظي‭ ‬فيلم‭ “‬الخرطوم‭ ‬أوفسايد‭” ‬للمخرجة‭ ‬مروة‭ ‬زين‭ ‬باهتمام‭ ‬نقدي‭ ‬لافت‭. ‬ويتحدث‭ ‬العمل‭ ‬عن‭ ‬مقاومة‭ ‬النساء‭ ‬لقرار‭ ‬رسمي‭ ‬بحظر‭ ‬مشاركتهن‭ ‬في‭ ‬مباريات‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭. ‬وفاز‭ ‬بجوائز‭ ‬أبرزُها‭ ‬جائزة‭ ‬أفضل‭ ‬فيلم‭ ‬وثائقي‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬توزيع‭ ‬جوائز‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الإفريقية‭ ‬للأفلام‭ ‬الخامس‭ ‬عشر،‭ ‬وجائزة‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬أيام‭ ‬قرطاج‭ ‬السينمائية‭.‬

ويلاحظ‭ ‬أبو‭ ‬العلاء‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬صناع‭ ‬الأفلام‭ ‬السودانية‭ ‬التي‭ ‬نالت‭ ‬تقديرا‭ ‬دوليا،‭ ‬عاشوا‭ ‬خارج‭ ‬السودان‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭. ‬ويقول‭ “‬نحن‭ ‬أبناء‭ ‬الشتات،‭ ‬لذلك‭ ‬جاءت‭ ‬معالجتنا‭ ‬لقضايا‭ ‬السودان‭ ‬من‭ ‬عين‭ ‬ناقدة‭ ‬وواثقة‭”.‬

ويعمل‭ ‬أبو‭ ‬العلاء‭ ‬في‭ ‬دبي‭ ‬حيث‭ ‬يقيم‭ ‬منذ‭ ‬طفولته‭. ‬أما‭ ‬مروة‭ ‬زين‭ ‬فتعيش‭ ‬بين‭ ‬القاهرة‭ ‬والخرطوم‭ ‬وكذلك‭ ‬صهيب‭.‬

لكن‭ ‬أبو‭ ‬العلاء‭ ‬يخشى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صعود‭ ‬السينما‭ ‬السودانية‭ “‬مجرد‭ ‬قفزة‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬لأنه‭ ‬تم‭ ‬بمجهود‭ ‬ذاتي،‭ ‬وبدون‭ ‬أي‭ ‬دعم‭ ‬رسمي‭ ‬أو‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬مؤهلة‭”.‬

ويشدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نمو‭ ‬صناعة‭ ‬السينما‭ ‬السودانية‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬دعم‭ ‬من‭ ‬الدولة‭. ‬لكنه‭ ‬يستدرك‭ “‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الأوضاع‭ ‬مهيأة‭ ‬لذلك،‭ ‬فمن‭ ‬الظلم‭ ‬أن‭ ‬نطالب‭ ‬النظام‭ ‬الجديد‭ ‬بتحمل‭ ‬هذا‭ ‬العبء‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اقتصاد‭ ‬منهار‭”.‬

ويشدد‭ ‬علوان‭ ‬من‭ ‬جهته‭ ‬على‭ ‬حاجة‭ ‬السينما‭ ‬السودانية‭ ‬لدعم‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الجديد‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التشريعات‭ ‬أو‭ ‬تيسير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬مبديا‭ ‬تخوفه‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬ذهابها‭ ‬بعيدا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬عدم‭ ‬حصولها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الدعم،‭ ‬إذ‭ “‬إن‭ ‬لهفة‭ ‬مهرجانات‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬عرض‭ ‬أفلام‭ ‬سودانية‭ ‬لن‭ ‬تبقى‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭”.‬

مشاركة