قطرات‭ ‬دم‭ ‬وعظام‭ ‬لتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬جرائم‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬ضد‭ ‬الأيزيديين

137

بغداد-(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬ست‭ ‬قطرات‭ ‬من‭ ‬الدم‭ ‬على‭ ‬قصاصة‭ ‬ورقية‭ ‬وعلبة‭ ‬زجاجية‭ ‬تحوي‭ ‬عظاما‭ ‬مكسرة:‭ ‬هي‭ ‬العناصر‭ ‬الهزيلة‭ ‬التي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الطب‭ ‬الشرعي‭ ‬العراقي‭ ‬لتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الفظائع‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬خصوصا‭ ‬ضد‭ ‬الأيزيديين‭.‬

ويشبّه‭ ‬اخصائي‭ ‬الطب‭ ‬الشرعي‭ ‬محمد‭ ‬إحسان‭ ‬العملية‭ ‬بالأحجية،‭ ‬بينما‭ ‬يحاول‭ ‬مرتديا‭ ‬قناعا‭ ‬يغطي‭ ‬وجهه،‭ ‬إعادة‭ ‬جمع‭ ‬هيكل‭ ‬عظمي‭ ‬يميل‭ ‬لونه‭ ‬إلى‭ ‬الاصفرار‭ ‬داخل‭ ‬مختبر‭ ‬في‭ ‬بغداد‭.‬

وقد‭ ‬تمّ‭ ‬جمع‭ ‬رفات‭ ‬بشرية‭ ‬وأدلة‭ ‬وقرائن‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬المقابر‭ ‬الجماعية‭ ‬لتنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭. ‬فيما‭ ‬أخذت‭ ‬عينات‭ ‬من‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬للناجين،‭ ‬وتستخدم‭ ‬كلها‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬الضحايا‭ ‬ومحاولة‭ ‬معرفة‭ ‬المزيد‭ ‬عن‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭.‬

‭- ‬إبادة‭ ‬محتملة‭ -‬

بعد‭ ‬خمسة‭ ‬أعوام‭ ‬من‭ ‬اجتياح‭ ‬الجهاديين‭ ‬للشمال‭ ‬العراقي،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬أيزيدي‭ ‬في‭ ‬عداد‭ ‬المفقودين‭. ‬والأيزيديون‭ ‬أقلية‭ ‬ليست‭ ‬مسلمة‭ ‬ولا‭ ‬عربية،‭ ‬تعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬شخص،‭ ‬ويتركز‭ ‬وجودها‭ ‬خصوصا‭ ‬قرب‭ ‬الحدود‭ ‬السورية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬العراق‭. ‬ويقول‭ ‬الأيزيديون‭ ‬إن‭ ‬ديانتهم‭ ‬تعود‭ ‬الى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬وأنها‭ ‬انبثقت‭ ‬من‭ ‬الديانة‭ ‬البابلية‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬ديانتهم‭ ‬خليط‭ ‬من‭ ‬ديانات‭ ‬قديمة‭ ‬عدة‭ ‬مثل‭ ‬الزرادشتية‭ ‬والمانوية‭.‬

وناصب‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العداء‭ ‬لتلك‭ ‬الأقلية،‭ ‬فقتل‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬رجالها،‭ ‬واتخذ‭ ‬من‭ ‬نسائها‭ ‬سبايا‭ ‬استعباد‭ ‬جنسي،‭ ‬فيما‭ ‬أرغم‭ ‬الأطفال‭ ‬على‭ ‬القتال‭ ‬في‭ ‬صفوفه‭. ‬وتمّ‭ ‬تحرير‭ ‬الكثيرين‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬آخر‭ ‬معقل‭ ‬للتنظيم‭ ‬المتطرف‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬سوريا‭ ‬في‭ ‬آذار/مارس‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬الأيزيديون‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬محتملة،‭ ‬وهي‭ ‬أخطر‭ ‬جريمة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭. ‬وعليه،‭ ‬يعمل‭ ‬المحققون‭ ‬الأمميون،‭ ‬وكذلك‭ ‬السلطات‭ ‬العراقية‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬نهاية‭ ‬قانونية‭ ‬وعاطفية‭ ‬لتلك‭ ‬الأقلية‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬أصيبت‭ ‬بصدمة‭ ‬كبيرة‭.‬

لكن‭ ‬التحديات‭ ‬هائلة،‭ ‬والأدلة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬سيئة‭ ‬وتحديد‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬أصبح‭ ‬صعبا‭ ‬بسبب‭ ‬زواج‭ ‬الأقارب،‭ ‬وهو‭ ‬قانون‭ ‬في‭ ‬الديانة‭ ‬الأيزيدية‭.‬

ومنذ‭ ‬آذار/مارس‭ ‬الماضي،‭ ‬تسلم‭ ‬الطب‭ ‬الشرعي‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬عظاما‭ ‬وخصلات‭ ‬شعر‭ ‬وأمتعة‭ ‬شخصية‭ ‬مستخرجة‭ ‬من‭ ‬12‭ ‬مقبرة‭ ‬جماعية‭ ‬من‭ ‬معقل‭ ‬الأيزيديين‭ ‬في‭ ‬سنجار‭.‬

ويعمل‭ ‬الخبراء‭ ‬المتخصصون‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬«جنس‭ ‬وطول‭ ‬وعمر‭ ‬الضحية‭ ‬(‭…‬)‭ ‬ويمكن‭ ‬معرفة‭ ‬أسباب‭ ‬الوفاة‭ ‬أو‭ ‬الكسور‭ ‬أو‭ ‬الإصابات‭ ‬الناتجة‭ ‬أثناء‭ ‬الوفاة»،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬إحسان‭.‬

وبعد‭ ‬ذلك،‭ ‬يتم‭ ‬رفع‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬للضحايا،‭ ‬خصوصا‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الفخذ‭ ‬أو‭ ‬الأسنان،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وجدت‭.‬

‭ ‬عائلة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ناجين‭ ‬

بعد‭ ‬طحنها‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬أجهزة‭ ‬مختلفة،‭ ‬يقارن‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬بعينات‭ ‬دم‭ ‬لناجين‭ ‬مخزنة‭ ‬على‭ ‬بطاقات‭ ‬بحجم‭ ‬البطاقة‭ ‬المصرفية‭.‬

وتقول‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الوراثة‭ ‬ميس‭ ‬نبيل‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬إيجاد‭ ‬آثار‭ ‬حمض‭ ‬نووي‭ ‬على‭ ‬بقايا‭ ‬تعرضت‭ ‬للأمطار‭ ‬والنيران‭ ‬ولسنوات‭ ‬من‭ ‬المعارك‭ ‬يعد‭ ‬إنجازا‭ ‬رائعا‭.‬

وتضيف‭ ‬«أحيانا‭ ‬تكون‭ ‬العينة‭ ‬تالفة‭ ‬تقريبا،‭ ‬ونحاول‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭ ‬استخراج‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬منها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتلف‭ ‬تماما»‭.‬

وعندما‭ ‬يتم‭ ‬عزل‭ ‬الحمض‭ ‬النووي،‭ ‬تبدأ‭ ‬عملية‭ ‬تحديد‭ ‬الهوية،‭ ‬وهو‭ ‬عمل‭ ‬يحتاج‭ ‬وقتا‭ ‬طويلا‭.‬

وفرّ‭ ‬نحو‭ ‬مئة‭ ‬ألف‭ ‬أيزيدي‭ ‬من‭ ‬أتباع‭ ‬الأقلية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعد‭ ‬500‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬قبل‭ ‬العام‭ ‬2014،‭ ‬الى‭ ‬خارج‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬مخيمات‭ ‬النازحين،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬المجاور‭.‬

ويقول‭ ‬معاون‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬للطب‭ ‬العدلي‭ ‬عامر‭ ‬حمود،‭ ‬إنه‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الضحايا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يطلب‭ ‬معرفة‭ ‬مصيرهم،‭ ‬لأن‭ ‬«هناك‭ ‬عائلات‭ ‬فنت‭ ‬بالكامل»‭.‬

ويرى‭ ‬حمود،‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬1280‭ ‬اسما‭ ‬لمفقودين،‭ ‬و1050‭ ‬بطاقة‭ ‬عينات‭ ‬دم،‭ ‬و2600‭ ‬بطاقة‭ ‬أخرى‭ ‬ينتظرها‭ ‬من‭ ‬السلطات‭ ‬الكردية‭ ‬العراقية،‭ ‬فالحل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الخارج‭.‬

ويوضح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬«2200‭ ‬عائلة‭ ‬أيزيدية‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬و800‭ ‬في‭ ‬أستراليا‭ ‬و800‭ ‬في‭ ‬كندا،‭ ‬و150‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭. ‬أطمح‭ ‬أن‭ ‬أحصل‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬عينات‭ ‬حمض‭ ‬نووي‭ ‬لغرض‭ ‬المطابقة‭. ‬قاعدة‭ ‬البيانات‭ ‬هذه‭ ‬ستكون‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الموجودة‭ ‬داخل‭ ‬العراق»‭.‬

‭ ‬حلقة‭ ‬من‭ ‬مسلسل‭ ‬الحروب‭ ‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الطب‭ ‬العدلي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬حروبا‭ ‬متتالية‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1980،‭ ‬فإن‭ ‬قضية‭ ‬الأيزيديين‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬حلقة‭ ‬إضافية‭. ‬فالبطاقات‭ ‬الكرتونية‭ ‬مترامية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬المركز‭.‬

قرب‭ ‬تلك‭ ‬المعنونة‭ ‬باسم‭ ‬«سنجار»،‭ ‬هناك‭ ‬«الأنفال»‭ ‬العائدة‭ ‬للمجزرة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬قوات‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬ضد‭ ‬الأكراد‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1988،‭ ‬و»البصرة»‭ ‬الحدودية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬دمرتها‭ ‬حرب‭ ‬الثماني‭ ‬سنوات‭ ‬مع‭ ‬العراق،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬«الكرادة»‭ ‬وهو‭ ‬حي‭ ‬شعبي‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬بغداد‭ ‬شهد‭ ‬اعتداء‭ ‬داميا‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2016‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬300‭ ‬شخص‭.‬

ويقول‭ ‬حمود‭ ‬«هناك‭ ‬خبرة‭ ‬اكتسبناها‭ ‬من‭ ‬مقابر‭ ‬سابقة‭ ‬(‭…‬)‭ ‬لكننا‭ ‬نأخذ‭ ‬وقتنا‭ ‬أكثر‭ ‬كي‭ ‬تكون‭ ‬نسبة‭ ‬الخطأ‭ ‬لدينا‭ ‬صفر»‭.‬

لكن‭ ‬الأيزيدي‭ ‬بشار‭ ‬حمد‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬الانتظار‭ ‬أكثر‭. ‬ويبلغ‭ ‬حمد‭ ‬51‭ ‬عاما‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬للنازحين‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬العراق،‭ ‬منتظرا‭ ‬أخبار‭ ‬شقيقه‭ ‬وخمسة‭ ‬من‭ ‬أقاربه‭ ‬منذ‭ ‬صيف‭ ‬العام‭ ‬2014،‭ ‬عندما‭ ‬فقد‭ ‬أثرهم‭ ‬لدى‭ ‬فرارهم‭ ‬مع‭ ‬تقدم‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬سنجار‭.‬

ويقول‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬«معرفة‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬شيء»‭.‬

ويضيف‭ ‬«هناك‭ ‬دائما‭ ‬أمل‭ ‬(‭…‬)‭ ‬داعش‭ ‬انتهى،‭ ‬وفي‭ ‬مخيم‭ ‬الهول‭ ‬بسوريا‭ ‬هناك‭ ‬نساء‭ ‬وأطفال،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬رجال»‭.‬

ويتابع‭ ‬«لن‭ ‬نرتاح‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬رؤوسنا‭ ‬(‭…‬)‭ ‬لكن‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬نعرف»‭.‬

مشاركة