قصي إنموذج لفرع جماعة البصرة بعروضها الجميلة

محطات في ذاكرة فرقة المسرح الفني الحديث

  قصي إنموذج لفرع جماعة البصرة بعروضها الجميلة

بغداد –  كافي لازم

مؤسف ان تكون هذه الفرقة العريقة قد غادرت المشهد المسرحي لفترة طويلة بعد أن خسرت بنايتها(مسرح بغداد) العريق ورحيل روادها الأوائل مع أن الأمل باق لا سيما بهيئتها الجديدة التي تشكلت قبيل رحيل الرائد سامي عبد الحميد والتي طرقت كل الأبواب لإيجاد بديل لها عن مسرح بغداد.

بعد أن توسع نشاط الفرقة في بداية السبعينات وتلاحم الجمهور الكبير مع ما تطرحه ،أرتأت الفرقة تأسيس فرع لها بمحافظة البصرة والتي كانت تعج بحركة ثقافية كبيرة تلك الأيام .وتلقت الفرقة دعوة لعرض مسرحية الشريعة في البصرة من قبل أبرز فنانو المحافظة وهم عبد الإله عبد القادر ، قصي البصري ، عصام سالم ، حافظ البصري ، عبد الامير السلمي ، فلاح هاشم ، ياسين النصير ، ابراهيم ابو الهيل ، خالد ياسين وبتنسيق مع عضو الفرقة لطيف صالح..هؤلاء هم نواة تأسيس فرع الفرقة بأسم (جماعة البصرة للفن الحديث ) والتي ضمت بعد ذلك الشاعر علي العضب والمطربة سيتا هاكوبيان والشاعر ابو سرحان والملحن حميد البصري والمطرب فؤاد سالم ، الفنانة شوقية العطار ، الملحن طالب غالي ، الفنان ضياء البصري ،عباس مجيد ومحمد سعيد الصكار ، عبد القادر احمد و أم لنا ، هؤلاء البصريون الذين لهم البصمة الكبيرة في تاريخ الحركة الفنية البصرية .

استقبل الفرقة الشخصية البصرية البارزة الراحل مزهر الشاوي مدير الموانئ العراقية ولقد سخر لهم سيارات الدائرة للتنقل مع وليمة عشاء كبرى في بيته ومن هنا انبثقت الفرقة وسميت جماعة البصرة للفن الحديث . وقد عرضت المسرحية في بهو البلدية الذي افتتح حديثا كما عرضت الفرقة مسرحية( نفوس ) اعداد وإخراج الراحل قاسم محمد بنفس الاستقبال والحفاوة من قبل الشاوي والجمهور البصري الطيب ثم عرضت جماعة البصرة مسرحية( المفتاح ) تأليف يوسف العاني وإخراج لطيف صالح وقد حضرها جمهور عريض وبالاخص الطبقة العاملة بعد الانتهاء من عملهم حضروا بملابس العمل مع (السفرطاس) الخاص بغذائهم كما حضر العرض محافظ البصرة انذاك سعدي عياش عريم كذلك أعضاء الفرقة الرواد الذي أتوا من بغداد ، كما قدمت الفرقة ومسرحية (ليالي الحصاد ) اعداد عبد الإله عبد القادر إخراج قصي البصري ومسرحية( العروسه بهية ) اعداد عبد الإله عبد القادر وإخراج قصي البصري والتي قدمت على مسرح بغداد عام 1971 .ومسرحية(ايام زمان ) اعداد عبد الخالق جودة إخراج قصي البصري ومسرحية (المدينة المفقودة ) تأليف قاسم حول إخراج قصي البصري ومسرحية (المؤسسة الوطنية للجنون) تألبف سميح القاسم إخراج قصي البصري.

  قصي البصري انموذجا

أسمه قصي محمد ناصر واسمه الفني :قصي البصري ولد عام 1942م في مدينة البصرة محلة (الصبخة) لاب يعمل موظف بسيط و والدته تعمل في خياطة الملابس وعمل في المسرح وهو طفل في مسرحية (عروس في المزاد) عام 1958  تأليف محمد فخر الدين إخراج أخيه الأكبر توفيق البصري . تخرج من معهد الفنون الجميلة 1965 تعين مشرفآ فنيآ في مدرسة الجمهورية النموذجية وهناك التقى بصديقه وزميله الملحن طالب غالي وقدم لوحات راقصة تستمد أفكارها ومحتواها وفحواها من البيئة البصرية. وبعد عام 1963م اعتقل مع مجموعة من الشيوعيين وسجن لمدة سنتين في سجن نقرة السلمان وسجن بعقوبة الذي تعذب فيه كثيرا حيث تعرض لأقسى حالات التعذيب والضرب .

بعدها عاد إلى وظيفته والتقى مع زملائه في بيت الشاعر محمد سعيد الصكار في منطقة (البريهه) وقد اقترح الصكار فكرة عمل أوبريت (بيادر خير) موضوعها ينصب في هجرة الفلاحين المخيفة في نهاية الستينات من الريف إلى المدينة بعد أن تركوا مناجلهم ومساحيهم واتجهوا إلى المعامل والمصانع وأصيبت ارضهم بالجفاف وقسم كبيرا منهم اشتغلوا في المطاعم والمقاهي وحمالين في السوق وكثير من الأعمال الرثه مما قلل من شأنهم وأثرت على سنابل الارض التي يبست وتصحرت. وقد حضر الاجتماع كل من قصي البصري ، طالب غالي ، ياسين النصير ، علي العضب. وكلف الأديب ياسين النصير بكتابة السيناريو وكتابة الشعر الشعبي من نصيب الشاعر علي العضب كذلك الشعر الفصيح الذي مثلته الفنانة سيتا هاكوبيان أما لوحة (الول لوة) فهي للشاعر علي سرحان وتوزيع الفنان حميد البصري وتصميم وتدريب وإخراج قصي البصري وكان الأوبريت بطولة فؤاد سالم ،شوقية العطار،عبد الاله عبد القادر،قصي البصري ، عبد الامير السلمي ، طالب غالي ،ضياء البصري ،ابراهيم ابو الهيل ،عباس مجيد وأم لنا .و عانت الفرقة من عدم وجود مكان ثابت للتمرين ، مرة تمرنوا في نادي الاتحاد الرياضي في البصرة القريب من سينما الحمراء الشتوي في ام البروم ومرة في المدرسة التطبيقيه واخرى في قاعة التربية في العشار وقد حضر التمرين يوما السيد محمد سعيد الصحاف في نادي الاتحاد الرياضي الذي يعمل فيه الفنان الرائد توفيق البصري الأخ الأكبر للفنان قصي البصري وقد انبهر بالعرض وجماله وفكرته وقال لهم(اريد ان تقدموا هذا العرض في بغداد بمناسبة ثورة تموز) وفعلا جمعوا أغراضهم ورحلوا إلى العاصمة وقدم العرض في قاعة الخلد وسجل تاريخ بولادة فن جديد هو المسرح الغنائي . حضر العرض الكثير من الأدباء والفنانين وشخصيات حزبية من حزب البعث والحزب الشيوعي حيث كانت بدايات تشكيل الجبهة الوطنية .كذلك حضرها وزير الثقافة انذاك صلاح العمر العلي واعضاء فرقة المسرح الفني الحديث يوسف العاني ،سامي عبد الحميد، ناهدة الرماح وزينب وفي نهاية العرض صافح الوزير و الصحاف العاملين بالاوبريت مهنأين بالنجاح وطلبوا مقابلتهم في الوزارة وفعلا تشكل وفد مكون من قصي البصري ،علي العضب ،شوقية العطار وأم لنا وقد طلب منهم الصحاف البقاء في بغداد وتوفير شقق لهم و رواتب ليقدموا فقط الاوبريتات الا أنهم رفضوا ذلك وقال قصي البصري للصحاف: (عندما نأتي ستفرضون علينا مواضيع محدده بينما نحن الان نعمل بكل حرية ). ضحك الصحاف وقال: (على راحتكم) .

بعد رجوع الفريق الى البصري أصروا على الاستمرار رغم الظروف القاهرة من عدم وجود الدعم المادي واللوجستي لكنهم كانوا يحملون فكرا نيرا وارادة حقيقة وبأيمان كبير بأن ما يقومون به هو واجب فكري وأخلاقي لتوعية الجماهير والسير بها نحو التقدم والحضارة . عملوا عدة عروض لكن المحطة الكبرى كانت أوبريت (المطرقة) تأليف علي العضب ألحان طالب غالي تصميم وتدريب وإخراج قصي البصري توزيع حميد البصري وابطالها أعضاء الفرقة .ويحكى أن بعض السواح الروس وهم يتجولون في العشار بالقرب من مكان التمرين وسمعوا نغمات من نشيد عالمي عمالي وقد استأذنوا ودخلوا لمشاهدة التمرين واستمتعوا بالعمل وسهروا مع الفرقة بشرب (العرق) العراقي .

فن جمالي

حقيقة اختيار البصري لهذا الفن الصعب الذي يحتاج إلى قيادة (كونترول) للسيطرة على المجاميع من المطربين والراقصين والموسيقيين والممثلين للوصول إلى فن جمالي مؤثر . قد نجح في ذلك نجاح باهر ولا شك أن الروح التضامنية مع رفاقه الفنانين وحبهم لمحافظتهم وبلدهم العراق وحرصهم على تقديم افضل ما يكون أعطاه زحمآ كبيرآ.

ذهبوا إلى بغداد بعد أن  اتفقوا مع الصحاف على عرض العمل في قاعة الخلد أيضآ وحضر العرض النائب صدام حسين ومجموعة من الوزراء وقادة الدولة ووزير الثقافة والصحاف وكان النائب صدام حسين معجبآ ومنبهرآ بالعرض وطلب حضور الفرقة أمامه وقال الصحاف إلى صدام حسين (البصاروه لديهم طلب) فقال : (فليتفضلوا) قال البصري :(نحن بحاجة إلى 400 دينار لكي نؤجر نادي الفنون ) ،ضحك صدام حسين وقال: (سيكون لكم ذلك) وبعد مغادرته قال الصحاف للبصري (لك اكو واحد يلتقي بالسيد النائب ويقول له نحن محتاجين  400 دينار )، قال البصري:(وماذا تريد ان اطلب منه )،قال الصحاف :(دكله اريد أربعة الالف او أربعين ألف )،قال البصري:(نحن أهل البصرة لا نعرف الكذب على الناس)، قال الصحاف مازحا:(اني شكد شايف سرسرية مثلك سريري ماشفت) وهو يضحك .بعد هذا اللقاء اجتمع النائب صدام حسين بالكوادر الاعلامية والفنيه الرسمية و وبخهم وقال لهم بالنص(رأيت عرضا جميلآ للشيوعيين قدموه مجانا وانتم نصرف عليكم الاف الدنانير لم تستطيعوا أن تقدموا مثلهم).

بعدها انتقل الى العاصمة بغداد وأسس شركة الشمس للإنتاج التلفزيوني والاذاعي وطلب من المخرج التلفزيوني صلاح كرم أن يكون مديرا مفوضآ للشركة وانتمى لها المخرج حسن حسني والفنانة إقبال نعيم والراحل خليل الرفاعي وقدموا بعض الأعمال الفنية للأطفال واشترك في مسرحية (السوق) للمخرج محسن العلي بديلا للفنان صلاح مونيكا وعمل في الدراما التلفزيونية كممثل مايقارب في خمسين مسلسل دراما .قد حصل على العديد من الجوائز والشهادات التقديرية وبعد عام 2003 غادر البلد لسوء الأوضاع الامنية بعد أن هددوا أولاده الذين يعملون في مجال الفنون والاعلام وهو الان يحمل الجنسية الأمريكية يتوق لرؤية بلده ومحافظته العريقة (البصرة).

مشاركة