قصتان قصيرتان

359

قصتان قصيرتان

الغرباء

حيدر المعموري

 أما زلت متوقفا حيث أنت ، تحاذر أن تستشعر مضي الزمن وتحول الأشياء من حولك، لم تعد تحتج ، تنتفض في داخلك بصمت ملغوم ، حتى أنك قد فقدت القدرة على الإرتعاش، يبدو أنك ما زلت تتقن مهادنة الحقيقة التي قد تطيح برأسك استجداءا لسلام مؤقت ريثما تنتفض مستجمعا أشلاءك التي بعثرتها الهزائم. ألم تسأم انتظار ذلك القدر الذي لن يأتي مهددا السماء بالخزي والردة ، وحينما توهمت اليقظة قفزت من جوف العدم لتلتحق بالوهم المتسارع في رؤوس الآخرين علك تسترجع الآدمية مجددا ولكن ليس كما كنت ترغب ، المهم أن تمضي فقط حتى لو كنت ستؤول إلى الضياع في مسايرة لما حولك من جنون. تتماثل في عينيك الرؤى التي تثير السخرية فأنت مقروء ومعلن بالرغم من الزيف الذي أملى عليك السكينة إلى حين. تتقاذف قدميك هلامية سطح الأرض المتميع في بحثك اليائس عن استقرار لن يأتي. تتطلع في غبار المرايا التي ما زلت تتجنب بذعر التحديق إليها كيلا تفضح آثار الخضوع الذي استمكن من ملامحك التي اندثرت وتلاشت هويتها ولم تقو على مقاومة الانقراض. يتعثر بقطع الظلام مستشعرا غموض المكان الذي احتوى ترهاته في أزمات الإنتماء. فاجأه شهاب عينيها أومض بغتة متسائلا عبر ثقب ضئيل من الضوء النادر. تراجع بذعر: (من أنت !) تلك المرأة التي تشاطره العزلة منذ زمن ما زال يرفض التحقق من هويتها بالرغم من التصاقها به عنوة. إنطفأت التساؤلات والتئم جرح الظلام الذي استرد السطوة المهولة. ذلك الظلام الكاسح المريع الذي انتشر فجأة في كل مكان بدءا من الرؤوس منذ أن انتشر الغرباء متسيدين بلا منازع. استسلمنا بسرعة كالمسحورين من دون أن نتشبث بما تبقى من الأضواء التي تلاشت من دون أن نأبه لها. ظلام بلا حدود تراخى مرتطما بالأفق بلا مقاومة تذكر حتى أننا لم نحاول الاحتجاج أو حتى التساؤل فقد كانت أمواجه متلاطمة شديدة تدفقت مرة واحدة من المجهول. عندما أفقنا بعد الطوفان كانت الأشياء قد تغيرت واستبدلت معانيها بأخرى سرعان ما تعايشت معنا واستوعبتنا وملائتنا حد الاختناق فاتبعناها شيئا فشيئا كما هي العادة فالمهم بأننا ما زلنا على قيد الحياة كما نعتقد. قال البعض ممن تجرأ على التأمل بأنهم قد استأثروا بالشمس التي لم تعد أكثر من ثقب ذهبي متجمد. المختصون بتشريح الجسد أصروا بتعال على أن شبكية العين لم تعد تميز من الألوان سوى اللون الأسود الذي افترس ما عداه. فيما التزم الصمت ما تبقى من حكماء الزمن الغابر تحدث بعض المجانين متهمين إيانا بالتخلي عن النور بلا مقاومة وذلك ما أصبحنا نتندر به في مراسيم الثرثرة التي لا نتقن سواها. تعلموا أسماءنا وترهاتنا وأحزاننا وألسنتنا واكتشفوا خفايانا فتغلغلوا واستملكوا ولم نعد نستغربهم. استبقوا براكيننا الهامدة منذ الخليقة والتي ظنوا بأنها قد تثور مجددا فأقنعونا بأنهم الأقرب إلى السماء وما النجاة إلا باتباع وصاياهم ثم استعاضوا عن النور بملصقات صفراء براقة استغفلت العيون وتسلقت المنازل وموت الأشجار وافترشت الساحات حتى ألفناها. لم نكتشف أنين الزمن الذي تحنط فجأة خلف زجاج الساعات المتشرة في كل مكان. هاجرت الطيور واختفت الحيوانات فلم يعد في أرضنا ما تقتات عليه من الأمنيات. حتى النهر الذي كان يسقي مخيلة المدينة إحتج متصاعدا في تيار متواصل من أبخرة الغضب فتدفق من قاع الطين سائل كثيف أسود ملأت رائحته الأفئدة المشرعة للحقد والرصاص. أنكرنا مذاقه ثم سرعان ما انتشينا بعد أن أكد الغرباء بأنه رحيق من زهر الجنان. شربناه واغتسلنا به وسقينا به نبات العليق الذي تكاثر متسيدا الميادين القاحلة ولم نعد نفعل شيئا سوى اغتراف المزيد والمزيد فقد سمعنا بأنه لا ينضب . ترافقنا أعين الغرباء ونواهيهم المتواصلة أينما ذهبنا. وجوه وأصوات موحدة بلا نبرات أو ملامح في الشوارع والساحات والمباني والمنازل. حيث نلهو أو نصلي أو نثرثر أو نتبادل الملل وحتى حينما نختلي بالنساء فاستسلمنا وامتثلنا واعتدنا وبررنا بسهولة واستأنفنا رحلة القهر مجددا بلا تساؤل فالسماء لم تعد بعيدة بعد الآن. يسرع مقتفيا اللا أثر في ميدان شبه النهار المطلي بالضوء الجاف. مرت جحافل مركباتهم خاطفة مزمجرة متماثلة مميزة كالجحيم. تبعتها الحشود تمتطي التيه تنازع رغبة الالتحاق بذلك السمو المحظور على العامة. داست العجلات الهائلة على الكثيرين ممن تساقطوا بلا عزاء حتى اختلطت أشلاءهم بالنسيان. وافانا الصوت الخفي بغتة ( عليكم بالموت أو الجوع كي تستحقوا المغفرة وإياكم والحزن وداء الأمل والتردد فالويل والويل والويل أيها المثقلون بالخطايا منذ آدم ). أستعاد ما تبقى من الوعي مؤقتا ليفسر بصعوبة تلك الوجوه المتشابهة التي اجتازت الزمن بانتظار القيامة بأفضلية خاصة تكلل نهاياتهم شهادة الرفعة المتأخرة. (لقد منحهم الغرباء المنزلة الأسمى …..هلموا إذن لاستكشاف متعة الموت الإرادي ومهابة الجنائز). أصابته الفروض المختلطة بالعمى المؤقت فآثر العودة إلى الظلام فهو على الأقل يساعده على الاسترخاء تماهيا مع البقية. ومرة أخرى تتورم الأسئلة في الرؤوس الممتلئة بالعتمة قبل أن تستئصلها الرغبة في الإطاحة بالحرمان المستديم فيتيه ويتيه مستتبعا الغوايات المريضة. يسترجع خطاه التي اقتادته إلى ذوبان الأروقة المثقبة بالنوافذ المطلة على الزيف المتجدد. يتعثر بالنظرات التي تطارد بعضها كالجمر السائب . ينسكب على العزلة محاذرا التندر والاتهام مبديا ما استطاع من التغاضي والاستقامة لكنه لم يعد يقوى على اجترار المزيد من الزور فراودته رغبة متمردة بالصراخ. تجمهر الأذلاء من حوله . أحاطوا به يستقرأون ذعره وشكواه بعيون موغلة بالعته والتوحش. اقتاده بعض من سمح لهم بالاقتراب من الغرباء متلذذين بافتراسه والاستبراء والتعجب وسؤال المغفرة الذي قد يحول دون السخط المروع مواظبين على التذلل في طقس جماعي هجين. (إرتقينا نزولا يتملكنا الخشوع مقدما. تفاقمت العتمة ممتزجة برائحة السائل الأسود حتى أصبحت أشد وطأة وهي تختلط بالهواء. تثقل الرئتين وتتخلل الشرايين ودهاليز الأدمغة المشرعة للأحابيل. هربوا وتركوني أنساب بلا جاذبية في مجرة الغموض المزجج بالرهبة. ألقى الصوت المجهول شبكة من الارتعاش على جسدي. تعرفت للمرة الأولى على أحدهم عن كثب. الضجيج الذي يملأ رأسي كسرب من الذباب والسخط الذي يطاردني مؤكدا على ارتكابي للخطيئة. كان الظلام يمنحه امتدادا لا متناهيا فيكسبه مهابة غير مستحقة لولا أنه كان يتمترس وراء نسخة كبرى من الكتاب المقدس. (أنت متهم بالريبة!). كان يوجه كلماته متطلعا إلى الفراغ. أردت أن أحتج لكن الكلمات لم تمتثل فقد كان الذعر المزمن متمكنا حيا. لم يكن يأبه لوجودي أو انفعالاتي المكتومة. ترائي لي بأنه كان يتفحصني بدراية خاصة يكتشفني يفسرني تمهيدا لاستئصال ما قد يحول دون شفائي وإيماني بما يراه مناسبا. في ذروة خضوعي تنازعني رغبة متمردة بطلب الصفح عن الخطايا التي يبدو أنني قد ارتكبتها فعلا ومنها الحزن والضجر والتذمر والسخط وربما الردة والتمرد. قبل أن أتجرأ على النطق أغلق الكتاب المقدس وأومأ آمرا. عاد التابعون لاقتيادي إلى بناء مجاور يتصل بالقبو المعتم. كان أكثر اتساعا وأقل عتمة. استنشقت بعضا من الهواء الممتزج بالرائحة المعروفة. أجلسوني على الأرض عنوة هذه المرة. كان المكان يستدرج الخشوع ويستفرغ الكيان من التبعثر ويمنحني سكينة إجبارية أعدت بعناية لتناسب أمثالي . أخفى وجهه بين دفتي نسخة مماثلة من الكتاب الأجل. ضجت الهلوسات تنازع فلول الوعي المشتت. الأصوات والوجوه الموحدة المتماثلة ثانية. نظرت إلى الخلف متسائلا (كيف انتقل بهذه السرعة ! متى اصطنع القدرة على الصفح المباشر مما أكسبني طمأنينة عابرة وفرت علي عناء التضرع!). فكرت بانتقاء مفردات من العصور الأولى في مسايرة لطقس المغفرة الماثل علها تمنحني نقاءا موازيا لقدسية المشهد وتبرأني من تهمة ارتكاب الخطايا المفترضة. لم يمنح شعور الانتماء الذي انتفض في أعماقي فرصة ملامسة اليقين فأعاد كلماته التي غلفها بالتطمينات هذه المرة (إنت متهم بالريبة !… ولكن الفرصة ما زالت مواتية للتوبة ).  يلاحقه صوت المؤذن يحثه على عدم التردد والسرعة بالإلتحاق. تحاصره الوجوه الموحدة بالسخط والاتهام متهمة إياه بالردة وتتوعده بالحريق. الملصقات الصفراء والسائل الأسود ورائحة الدماء والضياع. يلتجأ إلى معتقداته الأولى مستهدفا استخلاصها وتنقيتها من الزيف الطارئ. يستفهم عن الانتماء رغم داء الظلام مستخدما الروح والـــــــهواجس. يحاول لاهثا استرجاع الشخوص والذاكرة. يزيح غبار المرايا آملا استرجاع الذاكرة فيما يجلجل الصمت من حوله قبل أن ينفجر الزجاج ممزقا ما تبقى من الدهشة المرتسمة على الوجه المستنسخ عن تلك التي يوحدها السخط والاتهام والترفع ولكن بلا انتماء واضح.

مشاركة