قصة قصيرة

291

قصة قصيرة
أفاعٍ وزهور
أمامها.. وحيداً.. ليس سوى ذكريات لفها الزمن بكفن الأمس، وأحلام ترقد بين فكي الغد، أمّا اليوم فأنا أمامها وحيداً كما كنت.. لم أكن اعرف ما أريد منها، تركتها في جمودها، ورحت أتجول في الغرفة كأنني أبحث عن شيء، لأقف أمامها مرة أخرى، اخترقت بنظراتي هذه الصفوف التي تراصت في وقوفها كمصلين في جامع يؤدون الصلاة، فاتخذت من نفسي إماماً لها، غير أن المصلين في الجامع يأتمون بالإمام، أما هنا فهم الإمام وأنا المأموم، حتى لم تعد لي صلاة، فلكل واحد في الصف صلاته.. فبأيهم أقتدي؟
لم أزل واقفاً أمامها …
– ظننتك ستجعليني ملكاً بين أقراني.. ولكن!
كم تمنيت حينها أن أبكي، ولكني – ولا ادري لماذا؟ – أخاف أن أبكي في وحدتي – لست أنا السبب.. أنا العالم أجمع.. أنا التاريخ المبهم.. نحن الماضي والحاضر.. أنا لست طريقاً تسير فيه، بل إنني مفترق الطرق..
– كنت أظن أنني سأكون إماماً لمن خلفي، فإذا بي مأموماً لإمام لا وجود له، فلم يعد احد يشعر بوجودي، انهم يريدوني أداة يستخدمونني عند الطلب، كالتلفزيون، يفتحونه ويغلقونه متى شاؤوا، وعندما يفتحونه فالقنوات رهن أمزجتهم..
– لست أنا السبب ..
مددت يدي لأسحب منها كتاباً، لم أكن أعرف أي كتاب أريد، فمكتبتي تبعاً لهواي الأعمى الذي لا تجده اليوم في طريق حتى تراه في اليوم التالي في الطريق الضد.. كنت أخشى إن مددت يدي لأستخرج كتاباً أن تلدغني أفعى تسكن بين صفحات الكتب.. نعم.. ربما أشم عطر زهرة مزروعة بين طياتها، لكن الأزهار لا تخلو من الأشواك.. لتعود يدي مرتجفة..
– لست أنا السبب.. أنت من ملأ رفوفي بها.. أنت -فقط- تعرف مكامن الأفاعي والأزاهير ..
– نعم ..
أجبتها وأنا أجلس بعيداً عنها، احرق بجمر سكارتي المسافة التي بيننا.. أكثر من عقدين من الزمن وأنا أقف أمامك، كل كتاب فيك كان حجراً في الجدار الذي حجبني عن البشرية، أو حجبهم عني.. لم أفهم لغتهم.. نظراتهم التي تكبل وجودي تعبث بي..
– أتذكرين المعلمة التي كانت معي عندما أخبرتني أنها كانت تتوجس مني، فلا تسلم عليَّ ظناً منها أني صوفي؟
– لست أنا السبب ..
– أتذكرين تلك التي طلبت مني أن أقبلها وأضمها إلى صدري، فرفضت وأخبرتها أن حبي لها أفلاطوني.. يا لغبائي.. ويا لتعاسة إفلاطون..
– لست أنا السبب…
– أتذكرين عندما سرق الزمن أيامي ولياليِّ وأنت تنظرين، فلم تمنعيه.. ولم تنبهيني .. بل زدت في غفلتي.. حينها عرفت بأنك جزء من المؤامرة التي تحاك حولي.. ولكن بعد فوات الأوان.. بعد أن سرت كلماتك في دمي، وأصبحتِ جزءاً مني بل أصبحتِ كلي، حتى عندما أنام أشعر بنفسي بين الفراش واللحاف كأنني كلمة بين غلافين مرمية على الأرض بعدما ملّت منها مكتبة الليل..
– أتذكرين عندما ذهبت إلى الملعب لأشاهد مباراة بكرة القدم، فأخذت معي الكتاب، وفيه أوراقي والقلم وهناك كتبت قصة ( معاناة كرة)؟
– أتذكرين عندما ذهبت سفرة طلابية إلى بابل، فأخذت معي ديوان امرئ القيس؟
– أتذكرين قبل زواجي كانوا ينادونني بأبي فلانة وعندما سألوني عن فلانة من تكون؟ أخبرتهم أنه أنت وبعد زواجي اتخذتك ضرة لها وما يدريني فلعلك بعد وفاتي ستكونين قبري؟
– أتذكرين.. وتذكرين.. وتذكرين… أتذكرين كم أكلتِ من أيامي الخالية، وها أنا اليوم أقف أمامك رافعاً راية الإستسلام معترفاً بهزيمتي معك…
برغم الصمت الذي نشر جنوده في أرجاء الغرفة إلاّ أنني كنت اسمع صرير القلم وهو يصرخ بين السطور:
– لست أنا السبب… لست أنا السبب
أخذ صراخه يرتفع شيئاً فشيئاً، أغلقت أذني بكفي، أحاول الفرار من صراخه الذي ما فارقني منذ أكثر من عقدين، هرولت مسرعاً نحو اللاشيء الممتد عبر جدران الغرفة.. أيّ جدران ؟..
لم يعد هناك جدران، سمعت صوت دربكة.. إلتفت.. فوجئت بالكتب تولي هاربة من رفوفها كأن أحداً يطاردها، وقد تحول بعضها إلى أفاعٍ تسعى لتلتهم كتباً كالأزهار.. بينما لم يعرف بعضهم من هو؟.. أأفعى فيهجم أم هو زهرة فيهرب؟..
إلاّ أنهم كلهم اشتركوا في الفرار، فبدؤوا يتساقطون تباعاً في الهوّات التي أحاطت بالغرفة، حاولت أن أتداركهم إلاّ أن الأفاعي امتزجت بالزهور.. بي أنا.. لأهوى معها.. وقد خلت الرفوف منها، وأصبحت أفواها تبتلع كل من يقف أمامها..
علي عبد الرحمن الحديثي – الانبار
/4/2012 Issue 4167 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4167 التاريخ 7»4»2012
AZPPPL

مشاركة