قصة قصيرة (2)

220

قصة قصيرة (2)
الجليد الدافئ
يكفي أن يعرف المسلم هو ما قيل عنه أنه مؤمن بتعاليم القران، يؤاخي أبناء الطوائف الأخرى، وبهذا استطاعت النفاذ إلى ما ندرك، وعبرت الزمن المحدود إلى عوالم الزمن اللانهائي، مترعة القلب بإحساس من ارتوى من الينابيع التي تصنع الفرح الدائم لطبقتها المثقفة، هذه الشريحة الاجتماعية التي ليس مرتزقة أو ماسحة أكتاف المؤمنين بمنطق الأشياء المواجهة، الرافضة العيش تحت وطأة المتغيرات الضاغطة والنتائج المؤسية للتطور الذاتي، الكاذب!! في داخلها أكثر من سؤال، لماذا انكسار أحلامنا وطموحاتنا دون تحقيق ما نصبوا إليه، بل مجرد تبشير مهادن بنهم وعود حملت التغيير دون التحقيق.
يحملها واقعها المرير الذي تعيشه والآخرون، لخوض المعارك بكل الوسائل لنيل الكرامة والحرية، تحارب العجز الشعبي الذي يُتوج بانكفاءات الذات المتولدة من النزعة التدميرية لكل مرافق الحياة، وانطفاء الحلم، والخواء الثقافي والفكري والتراجع الحضاري!! صادقة في كل تطلعاتها وتفكيرها، فهي ترى أن الحقيقة والصدق هما اقرب شرطين لتحقيق الذات، حتى نالت احترام زملائها وأساتذتها على حدٍ سواء، مما كان له الأثر الكبير في أن كل أمرٍ يراد له التنفيذ، يؤخذ رأيها في شأنه، تسهم في إثراء الأشياء لتحقيق أهدافها، ولا تكون مترددة من ذلك لو خرجت عن الإطار التقليدي المحدد لما ينبغي أن يكون، وما لا ينبغي أن يكون، لتصل إلى ما وراء الممكن والمتاح، وهذا هو الإبداع الذي يفسر خلودها الناتج عن قدرتها الفذة إلى الوصول إلى مبتغاها مستخدمةً كل ما يضطرم بداخلها من مشاعر وأفكار، حتى قال عنها احد أساتذتها ذات يوم “إنها تملك نزوعاً خاصاً نحو الإبداع، وصراعاً من اجل البقاء لمنفعة الأكثرية وحب الخير لهم، وهذا نوع من النزوع ذو حدٍ من القوة والتطرف، بحيث يصعب تقبله في الواقع لهكذا مجتمعات!!!”.
التسامح ثقافتها التي تتحلى بها، وترى أن أي مجتمع من مجتمعات العالم هو بحاجة إلى هذه الثقافة والتي أصبحت ملحة وضرورية للتخلص من جو الصراعات المتأزمة، وفيه مجال الآراء ليس موقفاً بين الإنسان ونفسه بقدر ما هو موقف بين الإنسان وغيره على أن تتوفر في هذا التسامح عنصري القدرة والفوقية – دار حوار بينها وبين دكتور المحاضرة ليوم من أيام الدراسة، حيث سألت الدكتور قائلةً:
– هل يمكن للإنسان أن يبني عالماً أكثر سعادة مما هو عليه الآن؟
– نعم، إذا تمكن من القفز الدائم من منطق الواقع إلى منطق الممكن، جاعلاً حياة البشر عادلة بالنسبة للجميع لا وجود للتسلط فيها سواءً كان حكومياً أم كان دينياً، إذا تحققت مثل هذه الأمور سنحصل على الحرية والسعادة التي هي هدف كل المجتمعات، يجب أن تكون القناعة لكل البشر إنهم أجسام طفيلية تعيش على جسم هو بدوره طفيلي تابع لجرم مركزي.
عاودته بالسؤال مرة أخرى وقالت:
– وكيف يتم تغيير الواقع وهذا شيء نادر أو شبه مفقود؟
أجاب، والابتسامة الخفيفة على محياه:
– ربما يتم ذلك، متى ما أدرك الإنسان أن عليه أن يتخلص من كل ما يعيق سبيله، ويسيطر على الطبيعة بخضوعه إلى قوانينها، وهذه مهمة العقل، عندها يستطيع أن يرتفع هذا الإنسان إلى مكان الصدارة في هذا الوجود ويصنع التاريخ، وصناعة التاريخ فعل تمردي وثوري له في نفس الوقت تناقضات وهذا ما ينظر إليه التقليديين والثوريين بالإضافة إلى المتمردين وكل من ليس له مصلحة في قبول الوضع القائم أو الواقع الذي صنع منه التاريخ، وهذا الأمر سيجعل الإنسان يصنع لنفسه مكاناً ومكانةً يعلوان به عن حقيقة وضعه الهامشي ويرفعانه إلى مكان الصدارة في هذا الوجود، وبالتالي يكون المجتمع ذات حياة عادلة بالنسبة للجميع .. قالت:
– إذا كان كذلك، هل تخضع السياسة للدين؟
رفع سبابته وقال:
– ربما نعم، وربما لا!! نعم للمجتمعات ذات الديانة المسيحية، على اعتبار أن السلطة لله وحده وهو مصدرها، سواءً كان الحاكم صالحاً أم سيئاً، فهذا الأمر لا يغير شيئاً، فالرب حاضر على هذه الأرض عبر الكنيسة والكنيسة حاضرة عبر الكهنة المتواجدين في السلطة، والقوة عبر الكاهن الأكبر الذي هو البابا، فمن الطبيعي أن تخضع السياسة للدين والملك أو الحاكم للبابا، في حين إن المجتمعات الإسلامية لا يوجد مثل هذا الشعور إلا ما ندر، لاسيما في الدولة التي يكون فيها الحاكم الشرعي مستمد سلطته من نظام ولاية الفقيه، من ذلك استطاعت اغلب دول العالم المتطورة اليوم بالحصول على مصادر مختلفة من القوة والاقتصاد اللذين مكناها من التفوق على بلدان أخرى، وهذا التطور وضعها على مسار العصر الحديث في الوقت الذي تخلفت فيه دول أخرى، وما يطلق عليها الآن دول العالم الثالث التي صورتها متعاكسة مع صعود الدول الأوربية، حيث نرى الفرق الشاسع في كل مجالات الحياة، لكن صعود أي تطور في فترة ما، لا يعني بالضرورة بقاءه أسيراً لمفهومات تلك الفترة، لذا يجب من كل ذلك وبأي مفهوم أن تخصص كل وظيفة من السياسة والدين لمن يقوم بها بإتقان، لأنه لا إتقان إلا بالتخصص والاختصاص.
قالت:
– ما الأسباب التي جعلت الحياة السياسية تتأرجح تحت هيمنة الكتل ذات الاتجاه الديني والعرف العشائري والعرقي بدلاً من القوى العلمانية والهويات الثقافية التي تمثل نخبة كبيرة من المجتمع الذي نحن فيه في الوقت الحاضر؟
أجاب الدكتور بعد أن فرك ذقنه:
– هذا الأمر يعتبر نتاجاً وهو أمر طبيعي لعودة قوى سياسية محلية مرت هي نفسها بعملية تحول بسبب ما شهده البلد من تطور أو ارتداد على مختلف الأصعدة لاسيما السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلال القرن المنصرم إلى جانب التأثيرات التي أحدثتها العقوبات الاقتصادية بالإضافة إلى التأثيرات السياسية من جانب قوى التحالف قبل سقوط النظام وبعده والتي هي محاولات لتفتيت هذا المجتمع من خلال كسر الروابط بين الأفراد وإعادة تعزيز البنى العشائرية وهذه كلها ساعدت على إبراز خطوط الصدع العرقي والطائفي وأسهمت أيضاً في ترسيخ تلك الهويات وتعزيزها إلى حد إنها أصبحت البنى المذكورة أعلاه هي المهيمنة على السلطة السياسية في الوقت الراهن، فانهارت كثير من القيم، وصار الإنسان يعيش عزلة كاملة في مجتمع ساد فيه الانطواء نحو الذات وفقدت فيه الطيبة، وساد العنف، وصرنا في زمن تجري فيه الأحداث عكس الاتجاه، وصرنا نرجع بخطوات كبيرة إلى التخلف تحت مسميات كثيرة.
أنهت دراستها الجامعية بتفوق مرموق، إلا أنها لم تحصل على مركز وظيفي، رغم حاجة البلد إلى اختصاصها، انخرطت إلى النشاط السياسي فأصبحت ناشطة سياسية، ظلت تقود المظاهرات السلمية، حتى وقفت ذات يوم في واحدة من ساحات العاصمة أمام حشد من الناس وألقت الخطاب السياسي الذي انتهت من تحريره، هاجمت فيه الأوضاع المتردية، بل المأساوية لمعاناة الإنسان في هذا البلد، بينما هي كذلك حتى استقرت في رأسها طلقة نارية من بندقية تحمل ناظوراً على مسافة ومن فوق إحدى البنايات المحيطة بالتظاهرة، سقطت من على منصة الخطابة جثة هامدة، وهكذا كان نصيبها الموت بدلاً من أن توظف اختصاصها في خدمة بلدها، إلا إن هذا الموت تحول إلى مركز اهتمام كبير بين أحرار العالم مستنكرين هذه الجريمة التي هي من عملاء الطامعين الغزاة، غزاة لكل شيء، الوطن، الحرية، الثقافة التي صارت ثقافة مخربة تخدم مصالحهم.
ماتت نورا التي حصنت نفسها، أو حصنتها الظروف بشكل جيد، حتى صارت عالماً شاسعاً من الحب والحنان، وستبقى المرأة التي ابتدعتها يد الخالق في هذا الوجود خُلقاً ووجوداً.
رحيم حمد علي – العمارة

/5/2012 Issue 4189 – Date 2 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4189 التاريخ 2»5»2012
AZPPPL

مشاركة