قصة قصيرة – جزء من قصة

قصة قصيرة – جزء من قصة

إسلام عادل

لا أخشى الموت كفكرة, أخشاه كضيف مفاجئ يقطع عليّ عملاً اقوم به, حين اصل الى منتصفه. ان تموت و انت في منتصف كتاب.. ان تموت قبل ان تعرف النهاية.. قبل ان تكتمل الصورة, قبل ان يرفع فنان يده من على لوحته. قبل ان يضع كاتب نقطة في نهاية السطر.

تموت.. و تترك مشروعك معلقا.. و لهذا السبب لا أكتب كتاباً! فالربما أموت قبل ان أكمله.

ان تعيش في عالم ضبابي, و تنتقل بعدها الى عالم اخر يبدو لك صحيحا تماما.. عالم غير منقوص.. تحقق به طموحاتك. و في خضم الضحكات و صخب المدينة و المركبات, تسمع صوت انين في نفسك.. ترى انك تبكي كل يوم من عمرك القادم.. تبكي على شيء فقدته و لا تسترده مهما فعلت..

هكذا اتخيل حياتي القادمة.. لا اعرف لم اقول حياتي القادمة مع اني بدأت منذ مدة طويلة بالشروع بالبداية التي ستؤدي الى تلك الحياة. حياة تنتهي عندها الالام التي اشكو منها و تبدأ مرحلة جديدة من الالام الصامتة.. التي لا تعبر عن نفسها و لا حتى بترميق العيون او تنفد من الاحلام على شكل صرخات تقاطع الاخرين الذين ينامون الى جانبك.

ربما الوجع الذي أحس به الان كان حريا به ان يدخلني بموجة من الصراخ و البكاء, او موجة لا تنقطع من الصمت.. اي الحالتين المناسبتين لمثل هذا الحال.. الا ان النهاية احيانا تنبئ بأفكار جديدة تلوح في الافق.

حين كنت افكر بواقعي اليوم لم يخطر ببالي اطلاقا اني سأكون متماسكة, او اني سأعمد الى كتابة ما اكتبه في هذه اللحظة.. الا ان الواقع و الخيال يتصادفان احيانا, و حين تصادفا اليوم بدت النتيجة كأنهما اتفقا ان اتقبل و لا اتقبل..

قبل ساعة, كنت اكتب, اكتب فقط. كان هو ينظر الي ينتظرني ان انهي الكتابة دون ان ينبس ببنت شفة, اراه و هو يمعن النظر, تنعكس صورة وجهه المتوسل على شاشة الحاسوب. قال:

– أريد ان أنام.

– نام.

– لا.. تعالي الى جانبي, اشعر بألم في صدري.

– لنذهب الى المستشفى؟

– لا.. انا متعب.

– سترتاح هناك..

– لا.. تعالي انت.

بدا صوته خافتا جدا, يهمس بسلام.. لم يكن منفعلا و لا حزينا.. بل خائفا. لقد كنت بنفس موقفه مرارا لذا فاني تركت الكتابة و ذهبت اليه.. امال رأسه على كتفي و قال:

– اظن اني لن ارى الشروق.

– ستراه.

– لا.. سترينه انت.

– لم أسمع ما قلت!

– سمعتي.. نفسي بدأ بالضيق.. لن اصمد.

لم يبك.. لم تتحشرج انفاسه.. لم يتلجلج لسانه..

حين تكون وحيدا مع شخصياتك, تشكلها كيفما تريد.. تعرف ماذا ستفعل و ما ستقول.. تفقد لذة المفاجأة و رعب الصدمة.. بعيدا عن الصخب, ترسم ملامح وجوههم القاسية او تمزج نبراتهم المتوجعة بضجيج انتقال القلم بين الكلمات..

انت تخلقهم, و تعيش معهم, احيانا تقتلهم.. و أحيانا أخرى تشكو لهم.. قمة المتعة أنك تتألم لنهايتهم التي أخترتها انت.. انت سيد الموقف.. لا تتوقع منهم.. الا ما تريد انت ان تتوقعه! العيش مع شخصيات.. ان تبتدعها غاية في المتعة.. تشعر انك الامر و الناهي.. تمارس بطشك.. بكل ما أتيت من قوة من دون ان تسجل عليك جنحة..

في هذه الحظة, اختلطت الشخصيات التي أريد ان أعبر عن أحداها.. انا و الشخصية التي تكتب و الشخصية التي تكتب عنها الشخصية التي ابتدعتها..

نظرت الى وجهه, وجه ساكن, لا يبدو عليه غم او كدر, مستسلم, تحتضنني ماقه, يا له من رجل! الرجل الذي بقي رجلاً في اشد لحظاته ضعفا.. و بقيت امامه ضعيفة بأشد لحظاتي قوة.

– ماذا ستقولين للأولاد؟

– هل تقترح شيئا؟

شد على يدي و قال:

– سأبقى انظر اليك.. أذهبي و أكتبي!

– عمن؟

– انها المرة الاخيرة التي أقترح لك قصة!

– انا لا اكتب قصة..

– ماذا تكتبين أذا؟

– بقايا حياتك التي لم تعرها أهتمامك..

نظر الى الساعة أمامه و قال بلهجة مضطربة لضيق الوقت:

– اكتبي..

ذهبت الى المكتب.. يجلس ورائي على السريري, صوته يطرق مسامعي مباشرة. نهضت من المقعد, وضعت خلفه وسادة كبيرة.. رجعت الى المكتب:

– قل لي الان ما سأكتب.

– لا.. أريد قهوة..

لا أعرف كيف أحضرت له كوبا من القهوة, لكي أتذكر كيف استنشق رائحتها و بدأ يملي علي:

– أكتبي عن رجل.. يتحدث مع أمراه.. يشكو لها..

– ما يشكو..

– لا اعرف.. اجعليه يشكو..

– حسنا,

“يدير المذياع, يبحث عن أغنية قديمة كان يستمع اليها في ايام شبابه, و هو يدير مقود السيارة التي لا يدري الى اين توصله..

– توقفي.. لم تروين القصة, اجعلي صوته اقوى, اجعليه الشخصية التي تري..

“أدير المذياع, أبحث عن أغنية قديمة كنت أستمع اليها أيام شبابي, و أنا أدير مقود السيارة التي لا أدري الى أين توصلني..

– لا تبدو لي مقنعة..

– و أنا كذلك, أسمعي, أرجعي الى الصيغة الاولى.

“يدير المذياع, يبحث عن أغنية قديمة كان يستمع اليها في ايام شبابه, و هو يدير مقود السيارة التي لا يدري الى اين توصله. لم تطرق مسامعه الاغنية التي ينتظرها.. فواصل سياقته في طريق مفتوح, لا يرى به الا نهاية مظلمة.. تتراقص انفاسه على عذوبة الهواء الرطب الذي يتخلله مسرعا, اطفأ المذياع و بدأ يدندن..

– ماذا أكتب بعد.. ما هي الفكرة؟

– أجعليه يسوق السيارة و كأنه مخمور.. مخمور بالأحزان و لا يدري اين يؤدي به هذا الطريق!

– أحب الرجل الذي يتوج عقله و حكمته بوجل خفيف غير مخمور, لا اريد لعقل بطلي ان يخدر بأي شيء..

نظر الى الساعة:

– لا عليك.. نفذي ما أقول..

– حسنا.. ماذا بعد؟

” أخرج سيجارا من جيب سترته. الظلام دامس في السيارة, مسك المقود بيد, و شرع يبحث عن القداحة باليد الاخرى.. وجدها على المقعد المجاور.. أخذ يدندن و يعب نفسا تلو الاخر.”

– و بعد؟

– لا اعرف, ما تتوقعين ان تكون نهاية هذه الطريق؟

– يصطدم بسيارة اخرى؟

– ينحرف عن الطريق؟

نظر الى الساعة نظرة خائفة:

– يقود الى النهاية..

– اي ان لا ينتهي الطريق..

– صح!

” و قاد الى النهاية الى ان اصطدمت عيناه بشعاع لم ير بعده شيء ..!”

– أحسنت.

– لن يفهمها أحد.. تبدو وكأنها كابوس..!

– ستفهمينها يوما..

– و الان..

– بقي ساعتين على حلول الصباح.

– هل ستنام!

– أريد قهوة..

– قهوة و سيجار!

– قهوة و سيجار و شروق الشمس.

– و قصة!

– دعيني أفكر..