
سأجربُ كتابة واحدة من قصار القصص بجلسة واحدة . كنت فعلتها مرة ثم هجرتها نشداناً لهيبة النص وحرمة بيت القصة العظيم . لن أبدأ بتلك البعوضة التي تطنطن حول صيوان أذني وتسكر بدمي . طاولتي مستطيلة وقهوتي مرة مثل أيامي . سأحذف هذا التوصيف البائس لأنه مستل من باب تجميع العطف والشخصية المتطلبة الملحاح .
تكرار بعض المفردات وإعادة التدوير يشبه عملية شراء طابوق إضافي لكمال البناء ، لذلك سأعيد وصف الطاولة بأنها مستطيلة تشيل فوق ظهرها فنجان قهوة ومرمدة مثلومة .
ثمة علبة كبريت ينام بجوفها ثلاثون عوداً برؤوس حمر ، وهذه نافعة في إشعال لفافات التبغ ونبش الأسنان ولعبة الحظ المفتوح .
الكرسي ليس من الصنف الذي يقف على أربع ، بل هو من ذاك النوع المستعمل بخيام العزاء وحدائق بيوت بغداد العاطرة وهو معمول من حديد أبيض ولفائف لدنة مثل شعر بنات .
حاولت الهروب من ذكر المكان والزمان ، لكنني سقطت قبل سطرين ببئر بغداد ، والآن سأكتب إنَّ الوقت هو فجر يتثاءب وزفة عصافير مزعجة .
شعرت بتعب قليل فحركت مقعدي إلى الخلف وشبكت عشري فوق رأسي وأنتجت صفنة مركزة لملمت فيها بعض الجزيئات الهاربة من المشهد ، وربحت سلة دسمة من حروف العلة والعطف والتحقيق والتقليل ، لكن لا حدث شافٍ حتى الآن .
نافذتي تطل على مفتتح الزقاق ، وهذا أمر جيد يتيح لي فرجة رائعة على حاوية الزبالة وما حولها من قطط غبية لا تأكل الخبز حتى لو كان مهشماً مائعاً منقوعاً بماء الكروش .
ثمة الآن الكثير من الملل والتيه والرغبة القوية في الخروج عن سكة القص .
التدوير والتكرار والمحو وتشبيك الأصابع بعجين اللغة .
أللص الذي لم يظهر كي أُركبه فوق سنام القصة .
يبدو أن الخديعة لم تنجح في حلب الحكاية .
أللعنة عليَّ .



















