قصائد تتكلم بلغة النهر – اضواء – ناظم ناصر القريشي

قراءة في ديوان الورد يبكي والبارود يبتسم

قصائد تتكلم بلغة النهر  – اضواء – ناظم ناصر القريشي

يتمدد نهري دجلة والفرات في رحم الحياة على مدى التاريخ ، وكان أثرهما عظيما في الحضارة الإنسانية، ولهما تجلياتهما و أثرهما البارزة في الفنون والآداب والحضارة ،وقد شهدا تحولات وحضارات كثير تماهت مع النهر بتحولاته وهكذا هي قصيدة لدى الشاعرة سجال الركابي فنحن نشم رائحة الموجات وهي تلتقي بتلك الشطوط لتمتزج مع الطين مانحة الجذور نسغ الحياة ليرتفع النخيل باسقا كأنه قصيدة الحياة فنجد أن العراق حاضرا في كلماتها وقصائدها تحمل إيقاعات الموج الهادئ و صوت تقبيله للضفاف بعد أن أرهقه الاشتياق فيرتمي بشغف في حضن الكلمات فترى الصور والمعاني تنبثق من الواقع بخيال إبداعي شفيف خلاق ليضيف الكثير من الجمال لهذا الواقع فترى وجدانية الروح ترفرف فوق ملامحه بلمسات سحرية لشاعرة تجيد الرسم والخلق والتعبير و الابداع

و ديوان “الورد يبكي والبارود يبتسم” ينطلق من قضية أساسية: الوطن هو الحياة والحياة هي الحب لهذا الوطن . و الشاعرة تكتب بهذا السياق وهو الجوهر لرؤياها ، فالقصيدة تبدأ بالتكوين لدى الشاعرة بخلق مفردات تناسب هذا الوعي لتسكب الفكرة في الكلمات ولتبتكر أسلوبا منفردا خاصا بها، ونلاحظ ذلك من خلال تطور الفكر واللغة والتعبير لديها. فترسم مشاعرها وأحاسيسها بلغة حرة هي الأخرى تعبر عن نفسها

أن الناظر الى المسار الشعري للشاعرة سجال الركابي يجد أنها شاعرة حرة استخدمت القوة الكامنة في الكلمات من خلال وعيها بذاتها الشاعرة فكتبت قصائدها بلغة شفيفة يشوبها الحزن أحيانا و الصوفية في أحيان أخرى فترى القصيدة فيض من المشاعر كأنها مناجاة ونداء للأخر ففي قصيدة (يا أنتَ) تجعل من اللقاء أرجوحة ُعيدٍ …في بستانِ نخيل ثم تبدأ بوصف المكان كأنها ترسم لوحة والشاعر هي رسامة أيضا ونعيش اللحظة معها في حلمها في المكان ذاته فنجده

يُمطِر برحيّاً…

وشذى القِدّاح

غواية روح…

العنادل تُرَنّمُ

قبلَ إغفاءة المساء

جدولٌ سلسبيلٌ

يتناثرُ إشراق

سماءٌ تلهَثُ

نجوماً خضراء

وبعد أن حلقنا بأجنحة الخيال في فضاء واسع تفاجئنا بالسؤال الذي كنا نود أن نسأله

يا أنتَ …

ينتابني السؤال

تُراهُ أينَ اللقاء

في حُلم ِليلةِ أمس

أو بِمرايا الغيبِ

في دوّامةٍ

مِنَ الهَذيانْ …

فلقد كتبت الشاعرة سجال الركابي قصائد رائعة في هذا الديوان، وفي لغة متدفقة كموجات النهر ، النهر الذي تحبه و تتماها معه فتلوذ بالماء سر الحياة فتقول في قصيدة ( شلّالات فرجينياVirginia Falls)

دوماً

ألوذ بكَ

أَيُّهَا الماء

فيسكنُ الشجَنْ

واركض اليكَ

يبقى هاجس اللغة لدى الشاعرة هو البحث و الخلق والابتكار عن مفردات وتركيبات جديدة تمنح القصيدة روحا و فضاءات و أبعاد جديدة

لكن أي وطن هذا الذي تسعى اليه ؟ وأي حياة تود أن تحياها و يحياها وطنها ؟ هي لا تبحث في قصائدها عن الوطن كأرض وسماء و أشجار و مياه فحسب ، بل عن العلاقة الكامنة التي تربط بين كل هذه الأشياء بعضها ببعضها مع الروح و الوجدان ، وتنيرها، وهي تؤمن بذلك فترى لا فرق بين العام والخاص لديه بحيث يصبح الخاص هو العام والعام هو الخاص. ففي قصيدة(ارتديتُ صمتَك)، تعبر الشاعرة عن حبها لوطنها كأنه حبيبها وتخاطب حبيبها كأنه هو الوطن

تاجَ كبرياء

أما لمحتني

تعويذةَ انقاذ

وأنتَ غارقٌ

في بِئر قنوط

ينطوي الزمان

غيوم معتمة

ستُمطِرُكَ عيناي

ضوء اًو احتواءً

سأكتسحكَ

بلا استئذان

فكان الشعر طريقا للحياة ونداء للروح و تأملات تمنح المتلقي آفاقا جديد و تجعله شريكا في النص

أن العنوان الصادم والذي وضعته الشاعرة للديوان يحمل متناقضات حسية يجعل المتلقي يشعر بعمق المأساة التي يمر بها الوطن الذي أُتخِموا بالدِماء وتحيها الشاعرة لذا تمجد الوطن من خلال ذاتها الشاعرة و الإنسانية و تنير العتمة ووحشتها المطبقة على الوطن من خلال قصائدها فهي تبحث عن وطنها المنقوش تحت الجلد هناك

جرفً الشطِّ

المُعطّر ِبالطُمى … هناك

نَقشَ تحتَ جلدي

أحرفاً سكبتها

شمس تمّوز.

تلكَ الشطوطُ

شوقي واحتراقي

هناكَ …هناكَ

هذا النداء الخفي والصرخة التي تحترق في الصدر انه الوطن الساكن فينا من قبل أن نسكنه

و الديوان قائم على ثنائيات الوطن والحياة ,الحلم والواقع، الخير والشر، الذات والذات الأخرى

فهي تقترح علينا سفرا في اللغة عبر طرق باذخة بجمال الصورة وابتكارات خيالها الابداعي كأنها تلامس أفق اللغة البعيد. ولأن خبرتها الشعرية على قدر عال من التركيز والتكثيف دون المساس بوحدة القصيدة شكلا ومضمونا فهي في تماس مع الأفق الشعري فتقول في قصيدتها (لِقاءٌ ما كانَ)

وإن خلعتُ أصفادي

يسوقني الحزنُ

في متاهةٍ….

لقاءٌ كانَ

وليس ممكن أن يكون.

ولقاءٌ ما كان..

ولا يوما ًيكون……

أي جمال اخاذ بعد هذا فهي تصغي الى أحلامها فتجعل منها قصيدة فلذا ترى الأحلام أحيانا تتجول بين كلماتها فهي كأي امرأة شرقية عانت و تعاني من التقاليد البالية ورغم ذلك شقت طريقها بنجاح ونالت درجتها العلمية المرموقة بالاضافة الى براءة اختراع وقدمت للإنسانية الشيء الكثير في فروع المعرفة العلمي والأدبي و هي تعتبر مثالا حي على الطموح والمثابرة والتطلع الى حياة أفضل وتجاوز الصعاب مهما كانت وعدم الركون الى العجز والكسل والأعذار الواهية رغم …تثرثرُ حكايا التيهِ … في يوتوبيا كما تقول في قصيدة( البنُّ والتبغ والجلّنار)

فقصائدها مفعمة بالحياة رغم الحزن الذي يشوبها فهي تتماها مع كلماتها فتجعل منها موجات تتدفق عبر نهر القصيدة الذي يصب في الديوان

إذاً هناك الكثير منُ من الإيقاعات تحملها الكلمات مع الأحلام والأماني معنى و إيحاء تنسكب على بياض الورقة بشغف فتمنح القصيدة جمالا أخاذ وحركة وديناميكية رغم أن الكلمات و الأحلام و الأماني تتأرجح بين الواقع و الخيال فالشاعرة جعلتنا نصغي الى كلماتها كأنها أحلام تحيا في الواقع وهذه ميزه تمتاز بها الشاعرة.

الشاعرة خلقت لها عالما خاص بها. ولا يسعنا ونحن نقرأ هذا الاحساس العالي و النبض الذي تحمله الكلمات على الورق وروح الجمال التي تسري كالنسق في القصيدة أن نطالبها بالمزيد لنقتفي أثر الشعر الحقيقي ونتنفس هذا الشعر ونحن واقفين على ضفاف القصيدة ننتظر الابداع القادم