قصائد تتجاوز المألوف والثابت في اللغة

 


يوتوبيا طيَّب جبّار
د.فائق مصطفى
الشاعر طيب جبار، شاعر من جيل السبعينيات، وأحد شعراء الحداثة الثانية في الشعر الكردي. تتضمن مسيرته الشعرية كما يقول الشاعر والناقد والمترجم عبدالله طاهر البرزنجي تجربتين الاولى تنتمي، رغم قلتها، الى مشهد السبعينيات الشعري، والثانية تُسجلها النصوص الاخيرة التي كتبها في الاونة الاخيرة، والتي شكلت قيماً شكلية ورؤى شعرية مغايرة للتجربة الاولى السبعينية، المتابع النقدي والقارئ الفاحص لعوالم جبار الاخيرة، يدرك هذا الامر بيسر وسهولة، وراء نصوصه التي كتبها في السنوات الاخيرة، يجد حساً نقدياً متميزاً للشعر، ورؤى مختلفة وطاقات تفجرت لبناء صور غريبة ومدهشة، وضبط التخيّل في إطار شعري مبني على أساس التباين لا التشاكل، ما ادى الى تسجيل إنزياحات شعرية كثيرة أفرزت شبكات دلالية عديدة. والشاعر طيب جبار إنساناً تتجلى في شخصيته، على نحو رائع، وحدة الكلمة والسلوك، فهو عاشق بكل معنى الكلمة للثقافة على نحو عام، وللشعر على نحو خاص. إنه يمتلك مكتبة عامرة تضم أمهات الكتب والمصادر والمجلات في مختلف ميادين الثقافة، ويتابع بشغف صدور المطبوعات الثقافية كافة، ويقتنيها، ويوزع بعضها على الاصدقاء والمعارف، حتى سميته كريم الثقافة الاول في السليمانية. وهو يُرى دائماً في المكتبات يبحث عن الجديد، ويُرى، في الوقت نفسه، في المراكز الثقافية وهو يتابع بشغف الانشطة الثقافية فيها، ويقوم بالواجب تجاه الادباء والمثقفين الوافدين على مدينة السليمانية. وفوق هذا نجد الثقافة أثرت تأثيراً واضحاً فيه حتى صار الذوق الرفيع، والرقة في التعامل، والصوت الخافت، صفات تلفت نظر من يلتقي به. ولهذا كله أقول، كلما ألتقيت به، وتحاورت معه، إن الثقافة بخير، والدنيا لازالت بخير وعافية.
إن شعر طيب جبار حداثي لما فيه من ميل نحو التغيير وتجاوز المألوف والثابت في اللغة والثيمات، والاقتراب من الرؤيا وإتساع الدلالة بدلاً من المعنى الثابت كما هو شأن القصيدة التقليدية. لقد نظرت الحداثة في اللغة الشعرية التقليدية فوجدت التقريرية والوصفية والتحديدية غالبات عليها. ولأن هذه السمات في اللغة غير قادرة على إستيعاب سمات مناقضة لها في الحداثة ومنطلقاتها، ولا تٌلبي تطلعاتها الفكرية والفنية، ولا تجانس ما فيها من خاصيات اللاتشكل واللانهائي والحفر في الاعماق ومحاولة إقتناص ماوراء الواقع ، لجأت الحداثة الشعرية الى التفجير اللغوي حتى تتبدد تلك السمات اللغوية التقليدية، وحتى تستطيع اللغة المٌفَجّرة؟ كما يأمل الحداثيون؟ أن تفي بالتعبير عن أبعاد الحداثة ومفاهيمها وطموحاتها المتسائلة، وأن تفي بالتعبير أيضاً عن كل ما يصحب هذه الاشياء من قلق وتوتر وتناقض وألتباس 2 . وهذه السمات الشعرية واضحة في شعر شاعرنا.
يلحظ قارئ شعر طيب جبار أن الشاعر يضيق بعالمه ويتوق الى عوالم فضلى يسودها الانسجام والنقاء، ويغيب فيها التناقض والشر، ويتحقق فيها العدل والمساواة والسلام. والحق إن النفوس الحساسة والذكية مثل نفوس الشعراء والفنانين والفلاسفة تدرك وتعاني مافي واقعها من تناقضات وشرور ومظالم ونقائص، فتسعى الى الانفصال عن هذا الواقع، ورسم معالم واقع اخر أكثر إنسجاماً وعدالة، وهكذا تظهر اليوتوبيا التي تعني لغةً اللامكان، وإصطلاحاً تعني رؤية الانسان لعالم أفضل ومتكامل، و ما يجمع اليوتوبيات بوجه عام، هو عدم قناعتها بالمجتمع الموجود وهذا ما تُعبر عنه عبر توقها الى مجتمع خيالي متكامل. إنها تنزع الى خلق مجتمع متجانس، يتميز بالتألف والاستقرار والسلام. وبإختصار فان الهدف النقدي لليوتوبيا ذو طبيعة معيارية وإستكشافية 3 . ومن اليوتوبيات التي أشتهرت جمهورية أفلاطون ويوتوبيا توماس مور الانكليزي، ويوتوبيا سان سيمون الفرنسي، وغيرها. وكلها قامت على إختيار الحكام من ذوي العقل والمعرفة، ومشاعية التملك، والمساواة بين الناس والتسامح الديني.
إن الشعراء والفنانين، في كل مكان وزمان، يجدون في اليوتوبيا ضالتهم ومبتغاهم فيما يخص الحرية والعدل والسلام، فهي تنسيهم بؤس عالمهم ولامعقوليته وعبثيته، وتجدد أمالهم لأن هؤلاء الشعراء والفنانون ؟ كما يقال؟ أساتذة الامل، يريدون أن يبقى الانسان؟ على الرغم من الاحباطات المؤلمة المحيطة به؟ متفائلاً ومنتظراً الانتصار على قوى الشر والظلام، وحالماً بالسعادة. وفي هذا؟ بناء اليوتوبيا؟ يزدهر ويتعمق الشعر والفن والثقافة على نحو عام. يقول بلوخ أحد مفكري اليوتوبيا إنه من دون اليوتوبيا لا يمكن إبداع شيء ذي قيمة 4 .
لشاعرنا طيب جبار يوتوبيتان يوتوبيا الماضي، ويوتوبيا المستقبل.
أولاً يوتوبيا الماضي
غالباً ما يكون الماضي ملاذاً يأوي إليه الانسان الذي يجد نفسه على تناقض مع الواقع الذي يعيش فيه، عندما يعج هذا الواقع بالتناقضات والشرور التي تقضي على الانسجام بينه وبين من يعيش فيه من النفوس الحساسة، كما فعل الرومانسيون في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر حين لاذوا بأحضان القرون الوسطى ومافيها من قصص وأساطير الرومانس الزاخرة بالعواطف الجياشة والخيال الجامح والعشاق الفرسان الذين يضحون بكل شيء في سبيل عواطفهم ومبادئهم، هروباً من واقعهم القاسي بعد إخفاق الثورة الفرنسية وزوال مبادئها في الحرية والاخاء والمساواة. وعادة يوفر الماضي لليوتوبيا مرجعاً لا غنى عنه. ليس ثمة يوتوبيا يمكن أن تخفي حنينها الى الماضي السعيد، أو تكفَ عن تمثله في عالمها الخيالي. من الممكن أن يكون هذا الماضي بالنسبة الى اليوتوبيا مكاناً للدولة السعيدة التي تحاول إستعادته، أو يكون حلماً مترسخاً في أذهان الناس أو في نصوص مكتوبة 5 .
تتمثل هذه اليوتوبيا في قصيدة ذات زمان.. الظلام كان أبيض المكتوبة في العام 2009، وهي تتكون من قسمين، الاول الماضي السعيد، والثاني الحاضر التعيس. إنّ الماضي السعيد تجسده صور مشرقة تقطر جمالاً وفرحاً، صور تستمدَ عناصرها من عالم الطبيعة ودنيا البشر
ذات زمان.. الدنيا كانت جميلة.
الارض.. كانت عش الورد،
اصيص اللألئ،
سلة الفراشات،
شرنقة للصمت.
السماء.. كانت بستان الضوء،
منديل وميض القمر،
مزهرية النجوم،
الظلام كان ابيضَ.
ذات زمان.. الحياة كانت حلوة.
الشجر.. برفيف ظلاله،
كان يهف الريح.
الماء بضحكته،
يدغدغ ارجل الناس.
الشمس تمسح وجهها
بسحابة.
هذه الصور كلها تتعلق بالطبيعة، وتعكس ظلالاً رومانسية عن زمان مضى يلوذ به الشاعر كيوتوبيا له هرباً من قسوة زمان الحاضر. وواضح هنا إن كل شيء يتلألأ وينسجم بعضه مع بعض، والحب والوئام يحضن الجميع. أما الصور المتعلقة بدنيا البشر
الكائنات.. بوخزة الشعاع،
تنهض من النوم.
امي برؤى العشب ،
كانت ترش العتبة.
ذات زمان.. المهام الصعبة كانت
نهاراً..
راعي الماء، حارس القمح،
لعبة التقافز.
ليلاً..
نسج الحكايات،
شواء الشعر،
ولعبة الطاقية.
ذخيرة الشتاء.. كانت بسيطة جداً
حضن من الدمق
وشاح من النسيم
ماعون من خفقة الاجنحة.
إنها حياة البساطة والالفة والنقاء، والعلاقات الانسانية الدافئة، والالعاب والحكايات الشعبية والشعر، والاندماج في الطبيعة وصداقة كائناتها من الطيور والقمر والنجوم والضحك والمرح…. الخ. ما أجمل هذه الحياة وأروعها . أليس من حق شاعرنا أن يجعلها يوتوبياه ؟ .
أما الحاضر فهو نقيض الماضي، لأنه زمن المفارقات والتناقضات والشذوذ والتعقيد والتصحر الانساني، وهذا يتجسد في الطبيعة التي أتخذ منها الشاعر معادلاً موضوعياً لشعوره وموقفه تجاه هذا الزمن
ألآن..
الريح تضرب عن الهبوب،
لاتنزل من الاعالي.
الجدول غاضب،
يتسلق الجبل.
البحر منزعج من بخاره،
كاد ان يغرق.
النار تلعن الدخان،
كادت ان تختنق.
الصحراء تسرح الرمل،
تضع دبدبة العجاج
تحت يدي العاصفة.
وتسحب بساط الرطوبة
من تحت اقدام النهر.
ألآن..
الجبل يتلاقى مع الجبل.
ثم ينتقل الشاعر الى عالم البشر ويأتي بصور وتناصات ذات دلالات ثرّة تشف عن العزلة والانغلاق وإنقطاع التواصل الانساني حتى نلقى عشاق الملاحم الشعبية، لا يعرف بعضهم بعضاً
الايدي لاتتعانق.
و الشفاه لا تلتقي
شم لاتعرف ولي
مم تدير ظهره ل زين
أثر القبلة..
تصبح غابة الجرح
الملتقى يصبح
مقبرة شيرين ….. 6 .
من أجل هذا كله يرفض الشاعر هذا الواقع، ويهرب الى يوتوبيا الماضي ليجد فيها سكينته وأنسانيته.
ثانيا» يوتوبيا المستقبل
تتمثل هذه اليوتوبيا في قصيدة أنشودة المستقبل المكتوبة في العام 1984 عندما كانت الحرب العراقية الايرانية تفتك بأرواح الالاف من البشر، وفيها يحلم الشاعر ويرسم الخطوط العامة ليوتوبياه، آملا في الخلاص من جحيم الحرب وكوارث الدكتاتورية
سيحلّ يوم
لهيب الربيع
يلتهم المدن والقرى.
الارض تغدو
بيتاً جميلاً
حديقة زاهية ملونة.
الناس..
يسلكون درباً واحداً
و بلغة واحدة
وفم واحد
يتكلمون……. 7 .
في القصيدة وضوح وشفافية، فكأن الشاعر أراد أن يسمع صوته جميع الذين أكتووا بنار الحرب، ويبعث في نفوسهم الامل في مستقبل مشرق تغيب فيه العنصرية المقيتة، وأنواع التمييز بين البشر، وتختفي الاحقاد والضغائن، وتسود المساواة لتتحد البشرية حتى في لغتها.
AZP09

مشاركة