
حلب-(أ ف ب) – دمشق -الزمان
بدأ الجيش السوري بعد ظهر الأربعاء قصف حيي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكردية في مدينة حلب في شمال سوريا، بعيد انتهاء مهلة حدّدها لخروج المدنيين منهما، غداة اندلاع اشتباكات دامية تعدّ الأعنف بين الطرفين.
وقالت الحكومة السورية في بيان الاربعاء: إن تأكيد قوات سوريا الديمقراطية عدم وجودها العسكري داخل حلب، كما ورد في بيانها، يُعد إقراراً صريحاً يُعفيها كلياً من أي دور أو تدخل في الشأن الأمني والعسكري للمدينة، ويؤكد أن المسؤولية الحصرية عن حفظ الأمن وحماية السكان تقع على عاتق الدولة السورية ومؤسساتها الشرعية، وفقاً للدستور والقوانين النافذة.
وشددت الحكومة السورية على أن حماية جميع المواطنين، بمن فيهم المواطنون الأكراد، هي مسؤولية وطنية وقانونية ثابتة لا تقبل المساومة أو التفويض، وتُمارَس دون أي تمييز على أساس العرق أو الانتماء، معربة عن رفضها القاطع لأي محاولات لتصوير الإجراءات الأمنية على أنها استهداف لمكوّن بعينه.
وتبادلت القوات الحكومية والكردية الاتهامات الثلاثاء بإشعال اشتباكات أوقعت تسعة قتلى، على وقع تعثّر المفاوضات بين السلطات السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، منذ توقيعهما اتفاقا في آذار/مارس نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
ويشكل الاكراد ثلاثة الى أربعة بالمائة من عدد سكان سوريا ذات الغالبية العربية السنية.
وأفاد مراسل لوكالة فرانس برس في المدينة عن بدء الجيش قصف الحيين بالمدفعية وقذائف الهاون عند الثالثة بعد الظهر (12,00 ت غ)، وهي المهلة التي قال الجيش إنه سيعتبر بعدها الحيين «منطقة عسكرية مغلقة»، داعيا المدنيين «للابتعاد عن مواقع» القوات الكردية.
وخرج الآلاف من السكان معظمهم اكراد بينهم نساء وأطفال ومسنون من الحيين عبر معبرين حدّدتهما السلطات، بعضهم سيرا على الأقدام وآخرون في سيارات وشاحنات صغيرة. وشاهد مراسل فرانس برس عائلات بأكملها بوجوه متجهمة أو باكية تصطحب أطفالها وسط حالة من الخوف والذعر.
وحمل بعض السكان أمتعتهم بينما اصطحب بعضهم مواشيهم أو حيواناتهم الأليفة معهم.
وقال أحد السكان ويدعى أحمد (38 عاما) وهو يحمل ابنه على ظهره بعد خروجه من الشيخ مقصود لفرانس برس، من دون كشف شهرته، «هربنا من الاشتباكات ولا نعرف إلى أين نتجه، نحاول ضمان أمن العائلة».
وأضاف بحسرة «أظن أن 14 سنة من الحرب كافية. نريد للمعارك أن تتوقف وأن يحب الناس بعضهم البعض».
ووجد عمار راجي (41 سنة) نفسه الأربعاء يعيش تجربة النزوح للمرة الثانية، بعدما دفعته المعارك قبل سنوات الى النزوح من مسقط رأسه في مدينة منبج.
وقال الرجل الذي يقطن حي الاشرفية منذ ست سنوات بينما حمل قطته وخلفه جموع من الناس «لم أفكر بالخروج من الأشرفية سابقا، لكن الوضع بات مأساويا. لدي ستة أولاد بينهم طفلان صغيران».
وتابع «لا أعرف أين أذهب.. أخشى ألا نعود».
إعلان إبادة
وتسيطر قوات الأمن الكردية بشكل رئيسي على الحيين، اللذين خرج منهما المئات من المقاتلين الأكراد في نيسان/ابريل بموجب اتفاق مع السلطات الانتقالية.
وأعلنت قوات الأمن الكردية في بيان أنها تمكنت من إفشال «أول محاولة توغل.. باستخدام الدبابات» بعيد انتهاء المهلة التي حددها الجيش.
واتهمت «فصائل حكومة دمشق.. بقصف الأحياء السكنية الآمنة بالمدفعية والدبابات».
وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «سانا» من جهتها أن قوات سوريا الديمقراطية استهدفت بالقذائف محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ما أدى الى اندلاع حرائق عملت فرق الدفاع المدني على إخمادها.
ويتبادل الطرفان منذ أشهر الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق الذي وقّعه قائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع في 10 آذار/مارس.
وكان يُفترض إنهاء تطبيق بنوده بنهاية 2025، إلا أن تباينا في وجهات النظر حال دون إحراز تقدم، رغم ضغوط تقودها واشنطن بشكل رئيسي.
واتهمت المسؤولة الكردية البارزة في الإدارة الذاتية إلهام أحمد السلطات بإعلان «حرب الإبادة بحق الأكراد» داعية إلى «حل المشاكل بالحوار».
وفي السياق ذاته، أكد مسؤول مكتب الإدارة الذاتية الكردية في دمشق عبد الكريم عمر لفرانس برس أنه «لا مصلحة لأحد في التصعيد»، مؤكدا «تواصل كل الأطراف والدول الضامنة بما في ذلك الولايات المتحدة من أجل التهدئة».
وقال إن «من يحمي الحيين هم قوات الامن الداخلي (الأسايش) ولا يمتلكون سوى أسلحة فردية».
متى تنتهي الحرب!
بناء على توجيهات محافظ حلب عزّام الغريب، أغلقت المدارس والجامعات والإدارات الحكومية في مدينة حلب، ثاني كبرى مدن سوريا، أبوابها الأربعاء.
وأعلنت الهيئة العامة للطيران مساء الثلاثاء تعليق الرحلات الجوية من وإلى مطار حلب لمدة 24 ساعة.
واستغل عبد الكريم باقي (50 عاما) تراجع الاشتباكات نسبيا عند الصباح للخروح من حي الأشرفية متوجها مع زوجته الى منزل أحد أقاربه.
وقال لفرانس برس «كانت حلب ليلا مدينة أشباح، الحركة فيها منعدمة تماما والمحلات مغلقة والكثير من الشوارع معتمة.
وأعادت الاشتباكات في حلب إلى أذهان السكان المعارك التي شهدتها المدينة خلال سنوات النزاع، بدءا من العام 2012 حتى 2016، بين القوات الحكومية السابقة والفصائل المعارضة التي سيطرت لسنوات على الأحياء الشرقية وتعرضت لحصار محكم وقصف، قبل إخلاء عشرات الآلاف من السكان والمقاتلين منها.
في حي السريان المجاور لمناطق التصعيد، قررت ربّة المنزل جود سرجيان (53 عاما) البقاء في منزلها رغم حالة الخوف. وقالت لفرانس برس «كل أقاربنا يسكنون في حي السريان وليس لدينا مكان آخر ننزح إليه».
وأضافت بتأثر «ليس طبيعيا أن نكون دائما في وضع التأهب للحرب. متى تنتهي الحرب!».



















