قزع الخريف

 

 

قزع الخريف

نور كريم الطائي

كان جالساً على كرسيه الخشبي يحدق من نافذته التي تستقبل حبات المطر بكل ود ، الشارع المحاذي فارغٌ تماماً ولا يُسمع منه الا أصوات أطفال يتقافزون مرحاً متفاعلين مع المطر.

المطر لم يكن بهذه القوة كان وديعاً يوزع ابتساماته على الضفة الجنوبية من المدينة؛الأشجار والازهار في الحدائق العامة تنتعش لهذا المنظر والسحاب في السماء تبدو متباينة ومتباعدة بعض الشيء ولكن المطر يستمر في هطوله…رائحة الأرض يضوع منها طعم خاص يحبه العشاق والمتسامرون خلف الأشجار… وما هي الا لحظاتٍ يتوقف فيها المطر بسكينة عالية وبصورة مفاجئة لتبدو المدينة بعد لحظاتٍ

و قد استحمت بالكامل وبانت عليها الانوثة والجمال وانتشر الناس في ارجائها ، لحظاتٍ تحركت فيها السيارات المركونة امام أبواب المنازل واتجه الصبية لملاعب المدينة من اجل ان يلهو ويلعبوا واتجهت النسوة نحو الأسواق التي تبعد قليلاً عن هذه المدينة.

تحرك الجميع الا هو كان جالساً على كرسيه الخشبي يحدق من نافذته التي لم تعد تستقبل حبات المطر وكل ما تبقى عليها كان بقايا ندية من مطر الصباح وهذه المدينة الهادئة بصورتها كأنثى في اول أيام زفافها لم تعد كذلك الان.

البنايات الشاهقة المتاخمة للمدينة تحولت مقرات لجنودِ الحرب اما الساحات العامة فهي مملوءة بالدبابات المتهالكة والتي يتأرجح بها الأطفال صباحاً ومساءً من اجل تزجية الوقت والاسفلت مملوءاً بندبات سرفات الدبابات ، سطوح المنازل مملوءة برصاصاتٍ فارغة وكأن الدنيا كانت تمطر عليهم رصاص حتى ان ذلك المجنون الذي كان يقف قبال الشارع العام يرمي الكلام على الناس يصرخ كلما اجتاحته موجة الجنون (احذروا ….السماء ستمطر رصاص!) الجميع كان يتجاهل ذلك المجنون ، قيل انه كان معلماً للرياضيات وتنازل عن عقله بضربة اجتاحت رأسه من طالب برجوازي لعين ! قيل فيما بعد ان هذا البرجوازي اللعين شغل منصباً مهماً في المدينة المجاورة …

كان الناس في ذهول غريب يبحثون عن لقمة تسد رمق يومهم وهناك ام تبحث في المخيمات المجاورة عن علبة حليب لتسكت صراخ طفلها و اب يبحث بين شقوق الطين على ما يمكن ان يؤكل …

النساء عطلن ارحامهم والرجال قللوا الكثير من ممارسة الحب  مع زوجاتهم انها أيام تمر دون قُبل او عناق حميمي والأطفال باتوا كل خمسة او اربع بحجم طفلٍ واحد والجوع بات يأكل المدينة من اعلاها حتى اسفلها … الحرب ختمت على جدران المدينة بختم الألم والجوع والموت والهجرة ومن استطاع منهم سبيلاً غادر المدينة رغم ان اغلبهم لاقوا مصيراً اسوء من أولئك الذين فضلوا الموت داخل منازلهم ومدينتهم ..

المدينة تحولت لكابوس سوداوي ولازال ذلك الرجل يجلس كل يوم يحدق من نافذته لتلك المدينة يتفحص حيوات الناس … حركتهم…سكناتهم… صرخاتهم… واحياناً يرى ما خلف الجدران ما خلف الغرف الموصدة! يتابع شجارات الأزواج و الألم الذي يصيب أطفالهم جراء الجوع المدقع فلا يمكن ان تكون النهاية بهذا الشكل هكذا كان يهمس مع نفسه وهو يقرأ صحيفة مر عليها عشرون عاماً يتصفحها يومياً بنفس الاخبار والموضوعات والصور  لكنه يقرأها يومياً بمزاجٍ جديد وبرؤية جديدة وكأنها صحيفة صباح اليوم! يبدو ان الوجع نفس الوجع حتى لو كان للوجع أوجه متعددة؛ ولكن بالاخير سيكون الوجع هو الوجع…. هكذا كان يردد حينما يطوي صحيفته الاثرية هي ذات الصحيفة التي ابتاعها له معلم الرياضيات و هو الأخر لا يفترش الأرصفة الا على ورق الصحف حتى ان ذات اليوم تم ضربه ضرباً مبرحاً لأنه جلس على صورة رمز من رموز تلك المدينة كانت عجيزته تماما على رأس ذلك القائد مما عدّها اتباعه بأنه ازدراء فعاقبوه بالضرب امام الناس لئلا يكرر فعلته! تلقى ضرباً حد الاغماء واستفاق بعد يومين ولم يدرك حتى لم تم ضربه بهذه القوة! ولأنه تعود ان يتلقى الضربات من المتسولين والمجانين لم يسأل! لكن المشهد سُجل بشريط ذكريات عبر نافذة ذلك الرجل الذي يقطن بهذا البيت الهادئ و يتوسط المدينة ، ولأنك تتوسط المدينة فهذا يجعلك عرضة لمرور اشكال الافراد و ربما بعض المتسولين او السراّق او طرقات جنودٍ يطلبون منك قدحاً من الماء ولكن هذا المنزل لم تطرق بابه يد منذ سنون حتى ان الجنود اعتقدوا انه منزلاً مهجور اً، صاحبه لا يخرج الا نادراً من اجل جلب ما يحتاجه من طعام وادوية ! حتما بهذا العمر يكون وحيداً مصاباً بعدة امراض مزمنة. المدينة بدأت تتقيء أبنائها بصورة جنونية والعوائل أصبحت تخفف من الثقل على عاتقها فترسل ابنين او اكثر للحرب لكي يموتوا فينالوا مكرمة من الدولة ويخففوا بذلك من عدد الافراد حتى ان علامة الاستشهاد كانت تدق على اغلب منازل هذه المدينة…. ان تموت وسط المعركة خيرا من ان تموت من الجوع هذا ما كان يناديه الآباء المسنون ولأن الحرب لا تحب الا الشباب فقد خلت المدينة تماما من القوة لأن أبنائها غادروا المدينة دونما رجعة فاغلبهم اكلتهم الحرب دون مقدمات

اما النساء هن الاخريات لم ترحمهن هذه الحرب كُنّ يخدمن الجنود مقابل بقايا كسرات طعام! اللعنة كل شيء توقف الصرف عليه الا الحرب وجنود الحرب فميزانيتهم مفتوحة حتى انتهاء الحرب ايام واشهر وسنون مضت والمدينة تذبل تصبح على أصوات الرصاص والقاذفات وتغفى على صراخ وعويل النسوة وهن يودع جنائز ابنائهن… اللعنة المدينة التي كانت عروس أصبحت ارملة ذابلة يافطات التعزية تنتشر في كل زقاق وعلى كل منزل تعلق صور الشباب وهم يودعون الحياة بابتساماتٍ ذابلة.

 ولازال ذلك الرجل يحدق من نافذته للمدينة ويتحسر ملياً فالكرسي الخشبي لازال ندياً والنافذة لازالت ترتشف ما تبقى من المطر  والمدينة لازالت منشغلة لم تفكر يوماً بالخلاص من هذا الموت المجاني حتى ذلك المجنون توارى عن الأنظار وهو يصرخ ان الحل خلف تلك النافذة ….تجاهله الناس كالعادة ….غادر المدينة ولازال الناس يبحثون عن الخلاص…. ولازال ذلك الرجل يحدق من النافذة …. علّ احدهم يدرك اين يكمن الخلاص….!

مشاركة