
قرية الشهداء – عقيل عبدالله
“ظننتهُ ذئباً في البدء.. لولا لطف ربك، لكان الآن جثة هامدة تحت عجلات الباص؛ لوَّح بعصاه في الوقت الضائع ومِلتُ عن الطريق” . و تأمَلت عيون القوم العصا بالتزامن مع قصة السائق البائس، خيزرانٌ مزركشة بكلّ الألوان التي تتخيلها، إستراح قربها شِوالٌ مملوءٌ حتى عنقه .. بينما قرفص جنبها الشيخ محدودب القامة، وهو يزدرد فطوراً من خبزٍ يابس ولبن خاثر قدّمهُ لهُ ناطور المقبرة ..
– والآن أيها السادة، إلى العمل ..
أخيراً نطقت العظام المكسوة جلداً، بعد جهدٍ جهيدٍ في أن يفهموا منه حرفاً.. و إنتظر القوم شرح هذه العبارة المقتضبة .. ولكن الشيخ لم يمهلهم، نزل بحرص الحافة الصخرية للمقبرة تجاه القرية و تبعه جوقة المندهشين والفضوليين .. و ما إن سار بين أحواش القرية حتى وضع سبابته في اذنه وصرخ : “فرحٌ ياناس فرح .. من يشتري الفرح ياناس .. نقايضُ و نبيع “..
و صدح صدى صوته بين جدران البيوت الى سفوح الجبال الملتفة حول القرية وارتدت لتوقظ الغافين و الغافلين, و تحلق حوله أطفال ملفعون بالأسود، و نساء تغيرت ألوان وجوهها للون صخر القرية..
– اشتري فرحاً و دع حزنك، فات وقت الحزن وجاء وقت السعادات .. اقترب و شاهد ألوان الفرح..
وفتح عقدة الشوال و تناثرت علب بألوان لم يعهدها الأهلون من قبل، الأحمر و الزهري و البنفسجي.. هذه القرية لا عهد لها الا بالأسود.. الأسود يلف جدرانها و منارات مساجدها و مضايف أهليها .. و تدحرجت علبة حتى أستقرت عند حذاء كبير القرية ..
– أنت أيها المخبول، من دلّك على هذه التجارة الخبيثة .. تبيعُ فرحاً بين عشيرة اليتامى والثكالى .. من تظن نفسك أيها المتجاسر على حزننا .
و إصفرّ وجه الشيخ و بدأت رعشة تسري في أوصاله .
“ولكننا لانطرد ضيفا ” إستطرد الكبير – أكرموه فما أظنه أن الا ضل طريقه .
و ظن الجميع أنها نهاية المغامرة , لولا أن تعلقت طفلة بعباءة الكبير, وهمست في اذنه أمراً إحمرّت لأجله عيونه، وبانت فورة الغضب على ملامحه..
– إمنحها ماتريد ..
و اختارت الطفلة العلبة باللون الأحمر و فرت، ودفع الجد أمام عيون المتطفلين ثمنها .. ولم يكن المنطق أن يبتاع لحفيدته فقط .. صاح : “بع وانصرف، ولا تعد هنا مرة أخرى” ولم يملك المال منهم الا قلة قليلة، وطمعا بيوم فرح، بعد سنون الأسى, أبدل الناس صور ابنائهم المعلّمة بالأسود، وآخر بذلات إخوانهم التي تضرجت بالأحمر، وأغلفة الرصاصات الفارغة التي استقرت في صدور العدو، وأجزاء من مذكرات رجالهم على السواتر، أبدلوها بنايات للدبكات، وعطور رجالية للأرامل، ودفاتر ملونة للصبايا والأولاد، تباع مع أقلام بألوان جميلة لرسم قلوب الحب ورسائل الغرام .
في اليوم التالي شاع الخبر في القرى المجاورة، وإمتنعوا عن شراء بضاعة الشيخ المغامر، القرى التي تتشاءم من الحزن صارت تغلق بابها بوجهه، وكانوا يتفرجون عليه من النوافذ، إلا ام الطفلة التي تحتضر. اذ تجرأت، وإشترت دفتر مذكرات أعجبها لون غلافه، وفرشته على صدر الميؤوس من أمرها .. و في فجر لاحق صرخت الأم بالناس: “الشهداء أحيوا طفلتي، الشهداء نفخوا فيها من روحهم .. إصحوا ياناس .. هذه كراماتهم أحملها بين ذراعي”.. وكانت تحمل طفلة بلون الحياة .. و سرت الانباء مثل النار بالهشيم، أن اشتروا من ذكريات الشهداء وضعوا في بيوتكم، فلهم فعل كفعل الأنبياء، يشفون المريض، ويزوجون العوانس، ويقضون الديون، ويشبعون الجوعى . وتقاسم الناس قطعاً من بقايا الأبطال، من لم يحصل كان يستعيرها من جاره. وتسارّ الناس، فقد تحقق أغلب أمانيهم فعلا. إلا أبناء قرية الشهداء، فقد غلب على ظنهم أن بائع الفرح غشهم، فنايات “الدبكات” أصدرت على يد أمهر عازفيهم ألحاناً كالنشيج، موالاتٍ أحرقت قلوب الأمهات، وبكرت الأرامل لقبور رجالها ترش عليهم من عطور الشيخ، بينما رسم الأبناء على دفاترهم صور آبائهم، مقطوعي الرأس أو مفقوئي الأعين، واللون الأحمر يسيل على تراب القرية من زوايا الدفاتر .

















