قراءة هادئة في موضوع ساخن – طالب سعدون

561

نبض القلم

قراءة هادئة في موضوع ساخن – طالب سعدون

أنا اتظاهر …إذا أنا مواطن .. عبارة لاحد الكتاب العرب لخصت معنى التظاهر السلمي دون عنف أو فوضى .. ظلت عالقة في ذهني .. وجدتها تختصر معنى التظاهر ، وأهميته في حياة الشعوب ..وتلخص أيضا مسؤولية الحكومات عن  تأمين هذين الحقين معا (التظاهر والحياة  الكريمة) ..

دساتير الدول  كلها ، بما فيها الدكتاتورية ، والمنظمات الدولية  أكدت على حق التظاهر ..

إذا فهو ليس منة من الحكومات عندما تسمح به ، بل واجب عليها .. لكن عليها في الوقت نفسه أن تعي أنه رسالة إحتجاج  ضدها عندما تعجز الوسائل الاخرى المتاحة عن تحقيق  مطالب المتظاهرين .. وما عليها غير تنفيذها فورا.. وعندها يكون التظاهر قد حقق هدفه ..

والحياة  الكريمة للمواطن حق دستوري أيضا عند كل تلك المسميات ..

فما كان  للمواطن  أن يمارس الحق الاول (التظاهر) لولا أن سلب منه الحق الثاني (الحياة الكريمة) ..

وعندما لا تعي الحكومات هذه الحقيقة وتعمل بها  .. يحصل التصادم ، وتراق الدماء ،  وتزداد الهوة أكثر بينها وبين الشعوب ، ويحصل الانفصال بينهما فيما بعد ، وتفقد الحكومات شرعيتها ، لانه ليس هناك شيء أغلى من الانسان وكرامته ..

ولذلك عد الكاتب في عنوانه أيضا  هذا الحق ياتي بعد حق الحياة .. كلام جميل ومهم يلخص المعنيين اعلاه …

وإعتراف السلطة بحق التظاهر، يفرض عليها توفير الحماية اللازمة للمتظاهرين ، وبالتالي فهي مسؤولة عن كل قطرة دم تراق فيها ، سواء من المواطنين ، أو من الاجهزة الامنية ، حتى وأن يتحمل مسؤوليتها متسللون بين المتظاهرين ..

ويترجم حق المواطن بالحياة الحرة الكريمة بمفردات على الارض تشمل كل مرافق الحياة ، وفي مقدمتها فرصة العمل والتأمين الصحي ومجانية التعليم .. الخ ..

والشعب العراقي ليس إستثناء من تلك القاعدة الديمقراطية فهو لم  يشارك في التظاهر من أجل أن يمارس رياضة المشي ، والهرولة أمام الاجهزة الامنية عندما تستخدم القوة المفرطة مع المتظاهرين ، وإنما من أجل ان يتنزع حقه في الحياة ، بعد أن عجزت السلطات المختلفة ، بما فيها السلطة الرابعة من مساعدته في الحصول على هذا الحق فلجأ الى الاحتجاح … وأعلى درجاته التظاهر والاعتصام ..

التظاهرليس ترفا ، أو حالة عبثية ، أو هواية ، أو نزوة عابرة .. فلم نقرأ في تاريخ الشعوب أن  شعبا يعيش في بحبوحة عيش كريمة ، وخدمات مناسبة ، وأمن وإستقرار وراحة بال  ويتمتع بكامل حقوقه الدستورية ويتظاهر في الشوارع ليصاب أو يقتل!!..

أبدا لم يحصل ذلك ، بل له أهداف واضحة لم تعد تحتمل التأجيل ..

لم يعد المواطن اليوم  بحاجة الى حزب ينظمه ، أو يطالب بحقه ، ويدير شؤونه ، ويتظاهر تحت قيادته ليتخلص  من معاناته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ،  لكي يستغله هذا الحزب  فيما بعد ، فقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعي من الوسائل ما يعجز أي حزب مهما بلغت قوته وإمكاناته أن يوفرها ..

فهذا الحزب الجديد  اذا جاز التعبير يتولى مهمة جمع المواطنين ، وإن لم يكن بينهم  رابط حزبي أو عقائدي عدا رابط  المصلحة ، والتأثر بالعامل الضاغط عليهم ، والذي يكون مصدر إحتجاج مشترك ،  وقد توضح ذلك جليا  في احتجاحات (السترات  الصفر) في فرنسا ، والتظاهرات في عدد من الدول العربية  وغيرها ..

فهؤلاء المتظاهرون  تمكنوا عن طريق هذا (الحزب الجديد) من أن  يكسبوا الرأي العام  الداخلي ، ويحصلوا على الدعم والتضامن لقضيتهم على نطاق عالمي بصورة سهلة ومتيسرة .. ولم يكن أمام حكوماتهم  غير أن استجابت لمطالبهم ..

فليس باستطاعة أي  حزب تقليدي ، أو مجموعة أحزاب وتحالفات وتكتلات على المستوى المحلي والعالمي أن تحصل من الاعضاء والمؤيدين والقواعد ، ولو على  جزء يسير جدا جدا من عدد المشتركين في الفيس بوك  على سبيل المثال  الذي  يضم لوحده اكثر من 750 مليون مشترك …

ومع ذلك لا يزال هناك من الحكام  من يتصور أنه  يعيش في  قرية نائية معزولة ، داخل جزيرة في  محيط  يصعب الوصول اليها ، وأحكم  الحصار حول نفسه ،  لكنه  لم يعرف انه اليوم كالنعامة التي دفنت رأسها في التراب وجسمها ظاهر للعيان …

هكذا حال من يتصور أن حركة العالم  لن تصل اليه ، أو  لن يكون لها صدى في داره ..

ولن تشفع الديمقراطية  للحاكم الذي يأتي عن طريق الانتخابات عندما لا يعطي الشعب حقه واستحقاقه الدستوري ويفي بوعوده .. شواهد كثيرة على ذلك ..

المشروعية الديمقراطية  تنتهي ما أن يباشر الحاكم بعمله  لتبدا بعدها مشروعية أخرى وهي حقوق الشعب ، وتحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي وفي كل المجالات ،  وزيادة الموارد  من خلال الانتاج.. في الزراعة والصناعة والاستثمار الامثل  للثروة في تطور البلاد ونهوضها .. وتلك هي قيمة الصوت وثمنه .

والشعب الذي جاء بالحاكم  الى السلطة هو نفسه أيضا  قادر على أن يعزله  دون أن ينتظر الى أن تنتهي مدة ولايته  ، كأن تكون أربع سنوات أو اكثر ، لأنه  ظهر من خلال  العمل  أنه لم يكن  جديرا بمنحه هذه الثقة ، وليس له القدرة على أن يحقق آماله وتطلعاته ويفي بوعوده ..

هذه هي الديمقراطية الحقة ..

وتلك هي الشعوب الحية الحرة التي تعرف حقوقها ، وكيف تحصل  عليها ..

والشعب العراقي ليس إستثناء من تلك الشعوب ..

وليس له مطالب تعجيزية غير أن يعيش حياة حرة كريمة  على أرضه تناسب ما حباه الله من نعمة كبيرة ..

{ { { {

كلام مفيد :

من جميل ما قرأت ..

أجمل ذكريات الطفولة .. إنك تنام في أي مكان في المنزل .. ولكنك تستيقظ وأنت في سريرك ..

ربي إرحمهما كما ربياني صغيرا ..

مشاركة