قراءة متأخرة في كتاب

584

قراءة متأخرة في كتاب

صالح مهدي عماش.. رؤية جديدة لسيرة ضابط بعثي

أحمد الأمين

ستظل الشخصيات العراقية التي تركت اثرا في الاحداث السياسية الكبرى، حاضرة في مراجعات الباحثين والمؤرخين، وغالبا ما تكون مادة مغرية في الدراسات المعاصرة، التي تستلهم من التاريخ بعض العبر والفوائد او تحفز على اعادة النظر في القرارات ذات الطبيعة المصيرية والستراتيجية وتشجع على انصاف بعض الاسماء او التنبيه الى اسماء اخرى تم تجاهل دورها، لاسباب غالبا ما تكون غير موضوعية او ذات دوافع سياسية مضمرة. ومن هذا المنطلق تصدى الباحث السياسي طالب الحسن الى سيرة ما وصفه بأول ضابط عراقي بعثي، هو الفريق الاول الركن صالح مهدي عماش، الذي شهد فصولا من حقب التحولات الثلاثة الكبرى في تموز 1958 وشباط 1963 وتموز 1968.

فقد كان ناشطا ومحركا وفاعلا تنسجم افعاله مع تلك المحطات الحاسمة في تاريخ العراق وانخرط يؤدي دوره المرسوم مع اركان سياسية ومسميات عديدة قبل ان يطاح به، او يوضع على رفـــوف النسيان، ويذهب ســــفيرا لبلاده فـــي دول اوربـــية عدة اخرها الاتحاد السوفياتي السابق.

انطباعات دبلوماسية

ويسجل له انه قدم انطباعات دبلوماسية وثقافية في كتاب اصدره عن وجوده في عاصمة الزعامة الشيوعية وينشر (موسكو عاصمة الثلوج).

ويتسم كتاب الحسن بدلالات عناوينه وكثرة مصادره وبالقواعد الاكاديمية، التي تعتمد مقتبسات لا يرقى اليها الشك، لكن لا يمكن اغفال كونها كتبت او نشرت تحــــــت ضغوط أوانها او ضرورات طبيعتها الملجئة.

ويشكل كتاب (بعث العراق – رؤية جديدة في سيرة الضابط البعثي الاول) الصادر عام   2016 جزءا من موسوعة دأب الحسن على انجاز حلقاتها بعين منصفة وضمير وطني وهمة باحث علمي، ولهذه الاسباب كلها نجد في محتوى الكتاب ومعظم فصوله نزوعا الى كشف الحقيقة ودراسة في الوقائع تغيب، في كل الاحوال، عن الدراسات التي تقترب او تبتعد عن موضوع شبه اشكالي او ينطوي على محاذير سياسية بعد نحو 15 عاما على سقوط النظام السابق. أو ما يظن انه التباس. والالتباس نقيض الايمان مثلما الشيطان نقيض الله.

لكن جرأة الحسن وصدق نواياه لم تعق مضيه وعزمه على السير الى اهدافه تحت كل الظروف والاحتياجات. ذلك ان عملا من هذا النوع يتطلب مصادر تتشكل خريطتها المكتبية والتوثيقية في داخل العراق وخارجه، فضلا عن متطلبات اخرى بينها المقابلات الحية مع الشخوص الفاعلة او الشاهدة على عصرها، وهي ادوات تدخل في صلب العمل البحثي العلمي، ولاسيما في ظل وجود اجتهادات او شكوك تحتاج الى من يرجح هذا القول او سواه، او يأخذ بهذه الرواية او غيرها. ولم اجد في الكتاب اي تهاون من المؤلف في اعتماد المقابلة كأداة للبحث العلمي حتى ان تطلبت السفر الى الخارج او البحث عن المصدر النادر او الوثيقة المفقودة كليا او جزئيا، والدليل ان الحسن اعتمد كتبا مخطوطة ورسائل جامعية غير منشورة فضلا عن 208 من المؤلفات العراقية والعربية بعضها نادر، وهي عملية مضنية او مرهقة، لكنها تعبر عن الاجتهاد والنزوع الى التحري الدقيق، نادر الحدوث، حتى بالنسبة للرسائل والاطاريح العلمية التاريخية والدراسات الاكاديمية. فالمحزن او الذي يدعو الى الاسى ان جل هذه الانجازات الجامعية او العناوين البحثية تكتب على عجالة، وتفتقر، احيانا، الى النتائج العلمية الدقيقة لانها اما ان تعتمد المصادر سهلة التداول غير الرصينة، او انها لم تكتمل بالمصادر المناسبة او يعوزها الدأب والاجتهاد وصدق النية المفضي الى نتائج اكثر اهمية وخدمة للمشاكل المجتمعية موضع الدراسة.

وبرغم ان الحسن حدد معالم الطريق في كتابه فان جهده ذهب بعيدا ولم يستقر عند حد.

فقد اجاد وتواصل وبلغ مستوى من المهارة في التناول، بحيث ان اي مراقب منصف، لا يمتلك الا الاشادة بجهوده وذكر محاسن اسلوبه ومنهجه في المراجعة والتحليل.

زيف مخبوء

فالكتاب (يكشف الزيف المخبوء في تاريخ البعث منذ بدايته المريبة ويميط اللثام عن كل مفاسده وسوءاته ويزيح الستار عن مخازيه واثامه، وهو بعد كل هذا شر مطلق وسوء محض)، لكنه بالمقابل يقدم معلومات جديدة عن واقع سياسي عاصره او التقط ملامحه واسراره ميدانيا، وبما يجعله مؤرخا او مفلسفا للتاريخ يرسم بالرؤية الجديدة صورة الشخصية، بكل ما تحفل به من صفات او تتلون به مواقفها. وهو لا يتردد في ذكر الوقائع التي لصالح الشخصية استنادا الى الوثيقة التي بين يديه او المرجع الذي يقتبس منه.

واني تحدثت مع الحسن في جلسة جمعتنا خلال احتفالية توقيع كتاب السيد حسين محمد هادي الصدر فاشرت اليه، في بعض ما وجدته متفردا به، ورأيت في قراءتي الاولى لكتابه ميزة او مأخذاً لم أتردد في طرحه. وهو، كباحث موضوعي، قدم مسوغات رؤيته ودوافع العودة الى سلوك شخصياته، من المضان القريبة اليها او المضادة او المتقاطعة معها، وهي عملية تنطوي على معلومات تفسر بانها ايجابية او امور تبدو في او المحصلة النهائية سلبية. ورأيت نفسي متفقا مع ناشر كتاب الحسن الذي يرى المؤلف (كاتبا وباحثا اتحف المكتبة العربية ببحوثه الرصينة وكتبه القيمة المدعومة بالوثيقة الدامغة والقرينة الصادقة، وهو يقول عن كتابه هذا بانه صرف عليه وقتا طويلا من اجل اظهار الحقيقة التي طمسها اعلام غوبلز العفلقي). ومن جميل فوائد الكتاب العديدة، الملحق الذي اشتمل على صور فوتوغرافية نادرة للشخصية موضع البحث والقريبين اليها والضحايا والرموز الفاعلة التي ورد ذكرها في صفحات الكتاب او على اطرافه.

هوامش الكتاب

وقد وجدت هوامش الكتاب غنية وربما تتفوق في غناها ومعلوماتها على متنه، فضلا عن لغة المحتوى التي اصفها بانها لغة السهل الممتنع التي لا نجدها للاسف في جل مؤلفات المؤرخين والباحثين السياسيين، واعزو ذلك الى احد امرين، الاول عدم وضوح مشكلة البحث في ذهن المؤلف، او افتقاره الى الاداة المعرفية التي يعالج بها موضــــــوعه، واعني هنا اللغة العربية بكل مقوماتها سواء اخـــــــتيار المفردة أو صياغة الجملة او ترتيب الافكار او الالتزام بقواعد النحو والاملاء.

مشاركة