قراءة لرواية القلب البديل

343

قراءة لرواية القلب البديل

هذه الرواية الأروع والأعمق والأفضل من بين روايات الكاتب محمود جاسم النجار ، إنها تسرد مأساة وأيُّ مأساة ! إن بطلها يعيش على شفا حفرة من القبر ، كتبها الروائي تجسيداً حياً لأحداث شاهدها بنفسه وعصفته به ، وكادت أن تودي بحياته ، القلب هو مركز الأعضاء وسيدها إن أضطرب إضطربت له سائر الأعضاء ، وما بالك بمشكلة كبرى يصاب بها هذا السيد !

خير صديق

حاول أن يسرد محنته منذ بدأها أي منذ لحظة تعرفه على مرضه ، وثم مراجعته للمستشفى التي أجرت له الفحوصات ، ومن ثم يبدأ بذكر معرفته بالسيد جارته جوليانا ، وكانت خير صديقه له في غربته ومحنته مع المرض ، تتفاجأة جوليانا بأن له أخاً يعيش في لندن ، وكان إختصاصه القلب في كبرى مستشفيات لندن ، فردت عليه جوليانا

– ما دمت تقول إن لك أخاً بهذه المواصفات ، فلم لا تنتقل إلى هناك ويتم علاجك بطريقة أفضل ، وتكون قريباً من أخيك ، وسيقدموا لك العناية على أفضل ما يكون ، فيرد عليها مستغرباً من كلامها

– معك حق جوليانا ، لكن حياتي ومتعلقاتي مرتبطة هنا في هولندا ، أطفالي وبيتي وأصدقائي وعادات يومياتي بعد تلك السنين التي أمضيت وعشت ، ثم إني قطعت شوطاً طويلاً في مشوار الفحوصات الطبية هنا ، وباتت النتائج واضحة . هذا التساؤل بين صديقته يخفي ألماً بعيشه الكاتب ، وهو أن الحياة الاوربية خاليه نوعاً ما ، من المشاعر الودودة والألفة الحميمية ، وهذا ما يفسره تساؤله واستغراب صديقته ، فيمضي بعدها بالحديث حتى تبرع أحد الأشخاص بقلبه له ، وتجري له العملية ويزرع له القلب ، لكن هذه المعناناة جسدها بأسلوبه السلسل الجميل ، حتى إننا عايشنا الحدث معه ، واستطاع ان يمسك بمشاعرنا ويأخذنا إلى التعاطف مع محنته العظمى ، إن الرواية بمجملها هي تحدي كبير يواجهه الإنسان ، وكيف له أن يكون قوياً ليتمكن من الصمود أمام المرض ويتغلب عليه بقوة إيمانه ، رحلة صراعه مع المرض كانت قاسية جداً ، لأن مرضه كان بين الحياة أو الموت ، وهنا يسود القلق وتبدأ عملية التحدي الكبرى في مسار الرواية ، فنرى إن المحنة لم تنتهي حتى بعد نجاح العملية ، فمازالت صحته مضطربة قلقة ! ولعل من أروع من حاولت الرواية أن تجسده هو قوة الإيمان بالقوة الإلهية ، وإن الرب سينجيه من هذا المرض العضال ، وتكمن عملية الصراع بين المرض وذات المريض بمحاولته أن يعيش ويتلذذ بحياته ، إنه لم ينفر من الدنيا ولم يستسلم للموت ، بل بقي رابط الجأش ، قوي العزيمة ، ثابت الجنان ، لكن الجانب السوداوي والألم هو الجانب الأبرز والأكثر كثافة في أحداث الرواية ، إنها تصلح لأن تكون درساً في الحياة والصمود والتحدي ، وكما ألمحنا إنها من أجمل وأروع رواياته فهي جديرة بالدراسة والتمعن بها ، لإستكشاف الروح الفنية والجمال السردي الذي تحلى به الروائي العليم ، وهو يسرد قصة الألم والمرض القسري .

إبراهيم الأعاجيبي – النجف

مشاركة