قراءة في نص عامي للناقد المصري الدكتور لويس عوض

قراءة في نص عامي للناقد المصري الدكتور لويس عوض

 اللغة الفصيحة وضرورتها وروعتها

 شكيب كاظم

لقد دعا عديد الكتاب والشعراء العرب، ولاسيما المصريون واللبنانيون إلى ترك الكتابة بالفصيحة، واستبدال العامية بها مثل سلامة موسى الذي ما اكتفى بذلك بل دعا إلى الفرعونية، في مواجهة النزعة القومية العروبية فضلا عن آراء طه حسين في الدعوة لثقافة البحر الأبيض المتوسط، ومحاولة انتزاع مصر من محيطها العربي، بوصفها من دول البحر المتوسط ومطلة عليه.

كما دعا إلى هذا النهج الشاعر اللبناني الشهير سعيد عقل (4/تموز/1912-2014)، فدعا إلى الكتابة بالمحكية اللبنانية، وترك الفصحى، وما اكتفى بذلك بل دعا إلى ترك الحرف العربي والكتابة بالفينيقية، لغة حوض البحر الأبيض المتوسط في حقب سحيقة في القدم، ونفذ رأيه هذا فاصدر سنة 1961 ديوانه (يارا)، وإذ لم تفلح آراؤه ودعواته هذه، فقد تراجع عن ذلك وكتب بعد كارثة 5/حزيران/1967 عدة دواوين بالفصحى منها (أجراس الياسمين) 1971 و(كتاب الورد) 1971، وكتب قصائد روائع شدت بها فيروز بعد حزيران/1967 ومنها (القدس العتيقة) و(زهرة المدائن) وكأن الكارثة الحزيرانية أعادته إلى صوابه، أو أعادت صوابه إليه!

ومن هؤلاء الدعاة إلى العامية المصرية، الدكتور لويس عوض (1915-1990) الناقد المصري المعروف، والمثقف الإشكالي، الذي تعرض إلى كثير من الأذى والتضييق من جانب مثقفي اليسار المصري، فضلا عن أجهزة الثقافة في مصر أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (1918-1970) الأديب الذي قرأت العديد من مؤلفاته مثل: (دراسات أوربية) الصادر عن دار الهلال سنة 1971 و(دراسات أدبية) الصادر عن دار المستقبل العربي بمصر 1989، وسيرته الذاتية التي أطلق عليها عنوان (أوراق العمر) الذي نشرته مكتبة مدبولي الشهيرة /1989، فضلا عن ذكرياته ومذكراته أثناء السنوات (1937-1940) التي كتبها بالعامية المصرية، وتحدث فيها عن أيام دراسته في جامعة كمبردج منذ ان اقلته السيارة من منزله وحتى عودته إليه ظافرا بالإجازة العملية.

المطبات التي واجهت نشر الكتاب

وهو كتاب ممتع ومفيد، نستطيع ان ندرجه ضمن الأدب الذي كتبه العرب والشرقيون والمسلمون وصوروا فيه نوازعهم وآراءهم إزاء أوربا والغرب وكان رفاعة رافع الطهطاوي، باذر البذرة الأولى في هذا اللون الكتابي، في كتابه الشهير (تخليص الابريز في تلخيص باريز) 1934 يوم كان المصريون يطلقون على عاصمة فرنسا (باريز)!ولهذا الكتاب الذي كتبه لويس عوض بالعامية المصرية سنة 1942، وعنونه بـ(مذكرات طالب بعثة) وضاعت منه أصوله، قصة طريفة غريبة جديرة بالذكر والتسجيل، اذ بعد عودته من الدراسة، قرر لويس عوض استعادة أيام دراسته في بريطانيا، والحديث عن تجاربه، ولما كان مسكونا إذ ذاك بظاهرة العامية، فقد كتب ذكرياته تلك بها، وقدمها لرقابة النشر سنة 1944، وبعد مضي عدة أشهر راجع البروفسور (ر.ا.فيرنس رئيس قسم اللغة الانكليزية بكلية آداب جامعة فؤاد الأول nالقاهرة فيما بعد)، وكان قد انتدب طوال مدة الحرب من الجامعة إلى وزارة الداخلية! ليتولى وظيفة الرقيب العام، سائلا عن مصير المخطوطة، فأجابه فيرنس بأنه قد أحاله إلى الشيخ فلان ليراقبه، وان الرقيب لم يوافق على نشره لأنه مكتوب بالعامية، ثم أحيل الكتاب إلى رقيب آخر، فعبثت يده شطبا، معللا ذلك: بأننا في حالة حرب، واننا حلفاء لانكلترا وأنت يا سيد عوض تنتقدها في عديد المواضيع من كتابك، وإذا التزمت بالذي شطبته وغيرته، فضلا على حذف فصل كامل، فسيكون بإمكانك نشره؟!لقد كان لويس عوض يتميز غيظا من فعلة هذا الرقيب، توفيق صليب، قائلا له: انه يفضل إحراقه على ان ينشره بهذا الشكل، ومرت سنوات، وكأن لويس عوض نسي كتابه ومضى نحو ربع قرن، اذ يفاجأ وهو بمكتبه بجريدة (الأهرام) القاهرية بمظروف مرسل من الإسكندرية، وفيه فصل من كتابه (مذكرات طالب بعثة) أرسله إليه الناشر حسنين محمود حسنين، على أمل مواصلة نشر أجزاء الكتاب الأخرى تباعا، الذي كان أهداه له صديقه الذي يعمل في رقابة المطبوعات، وطفق حسنين يقرأ المخطوطة وشغف بها حبا، وقرر نشرها، لكن المال وقف حائلا دون ذلك، حتى تهيأت له الظروف المناسبة، فنشر الكتاب، يقول الناشر حسنين طبعت منه الفي نسخة كلها عادت إلي من شركة التوزيع، وضاقت بها دواليب البيت… ولكن انتبه إلى أهميتها قليل من النقاد!مع وصول جزء من الكتاب إلى الدكتور لويس عوض، الذي يقرر استعادة الكتاب، كتابه فيسافر إلى الإسكندرية بعد مكالمات هاتفية عدة معه وبمساعدة الفريد فرج وأخيه نبيل فرج، يسترد كتابه المخطوط هذا، وتنشره دار الهلال في ضمن سلسلة (كتاب الهلال) أيلول/2002. لقد قرأت الكتاب الذي يقع في أربع مئة وخمس وأربعين صفحة، وفيه سرد دقيق لحياة طالب البعثة لويس (حنا خليل) عوض ودراسته ولقاءاته بالطالب محمد مندور، الذي سيصبح احد أعمدة النقد والكتابة في مصر والعالم العربي، وحياة بعض الطلاب المنفلتة، وعدم اهتمامهم بالدرس، الأمر الذي يعيد إلى ذهني ما سطره إبراهيم السامرائي في مذكراته التي سماها (حديث السنين) وكسل الطلاب ولهوهم.ما أردت الوقوف عنده، الوصف الرائع للبحر، الذي على الرغم من كتابته له بالعامية القاصرة عن إيصال خلجات الأديب الكاتب، ظلت تحتفظ بجمال الوصف والق التعبير، ترى أي قطعة أدبية رائعة كانت ستصلنا لو ان لويس عوض كتبها بالفصيحة؟ مما يؤكد ضرورة الفصيحة في الكتابة لاكتنازها بالتعابير والمفردات والمحسنات البلاغية وثراء مرادفاتها ومفرداتها وظاهرة الأضداد اللغوية فيها،

لو كتبه بالفصيحة!

وإذ أدون هذه الفقرة فاني لواثق ان القارئ الذكي المدقق، سيجد مرادفها الفصيح، وسيستمتع أيتما إمتاع، وسيستفيد اينما فائدة من هذا النص الجميل الذي يصف فيه عودتهم إلى مصر عن طريق البحر، واضعين في الحسبان انها كانت من سنوات الحرب (1940) وضرورة ان يناور قبطان المركب ويداور كي يتخلص من السفن الحربية الألمانية وينجو بالركاب والمركب قال لويس عوض: (في الظروف العادية المركب كانت تقدر توصل جنوب افريقية في ثلاثة أسابيع لكن احنا وصلنا في خمسة وأربعين يوم.. الكابتن لف بالمركب فوق اسكتلنده وغيرنا الساعات.. مشى أيام مغرب وغيرنا الساعات، ومشى مقبل أيام وغيرنا الساعات وبعدين مشى مغرب أيام وغيرنا الساعات، بالشكل دا طبعا عشان يتحاشى مناطق الخطر.. وحياتنا أصبحت خارطة جغرافية مافهاش غير ميه وخطوط طول وعرض.حتى الخطوط دي ما حدش قال لنا عليها انما استنتجناها من تأخير الساعة وتقديمها، واحنا فوق اسكتلنده قبل ما نخش المحيط الأطلسي شفنا الليالي البيضا اللي بيحكوا عنها وفتنا على جزاير الهبريديز..في اليومين دول انا بطلت اقعد في الصالون وسكنت على الدك الوسطاني عشان أتمتع بكل دقيقة.. في نص الليل شفت الشمس معلقة في الأفق الغربي مالهاش لون والسما منورة والبحر عليه ضوء في قوة الفجر العريض.. الشمس فضلت معلقة كدا ساعات ما تتحركش وكان باين ان الفجر المستمر اللي احنا فيه نوره مش جاي منها لكن من لمبة سحرية مكانها ورا الطبيعة.. فجر دايم سكون دايم حتى صوت الموج وهو بيخور تحت المادورا كان جاي في ودني مش زي الصوت لكن زي الوش اللي بيملأ طبلة الودن لما بتضرب جنبها مدفع ميدان لما احصر انتباهي في البحر والسما والشمس والافق، الوش يروح واحس اني لسه قبل الخليقة في الزمان والمكان ايام ما كان الزمان والمكان فكرة واحدة، المية نفسها كانت زرقا وصافية ومالهاش نهاية.

احنا ماشفناش جزيرة الهبريديز، لكن عرفنا انها موجودة لما شفنا الطيور البيضا بترفرف في كل حتة وحتى لما سبنا منطقة الهبريديز وسبنا الطيور ماسبناش منطقة السكون، انا ما اعرفش اذا كان هدوء الهبريديز كان كامل صحيح وملحوظ والا انا وحدي اللي حسبته.. يمكن كان فيه اصوات في الهوا او في المية أو جاية من عالم الاحياء وانا اللي كتمتها بخيالي لاني قريت في شعر (وردزورث) عن السلام المطلق هناك.. انا ما سمعتش حاجة ودا كفاية.. يمكن خوار الحبب الأبيض وهو بيتكسر على صدر المادورا كان الصوت الوحيد اللي بيمنع فكرة الازل.. لولاده كنا بقينا زي ناس في الأساطير ركبوا مركب وابحروا في السما لحد ما طلعوا من منطقة الكرة الأرضية، ودخلوا في عالم الصفات المنفية والصفاء اللي مش مسموح للنفس الإنسانية انها تفهمه.. ص317، ص319، وعلقت على حاشية الكتاب: خيال شاعر مرهف، وانت وحدك تحس بذلك الاغبياء غيرك لا يعرفون لها معنى ولا يحسونها او يتذوقونها، أنهم في بلادتهم سادرون وحاجاتهم الحيوانية الآنية.. اكرر لو كتب لويس عوض هذا النص بالفصيحة فأي نص رائع كان سيقدمه لنا؟

مشاركة