


د. زهير ياسين شليبه
القسم الأول:
أليغوريا الموت في رواية “نزوة الموتى”
في روايته الأولى “نافذه العنكبوت” 2000، تفنن شاكر نوري عن قصد في “التحايل” على القارئ وخلط الخُطاطات، فهناك سردية الراوي ونقرأ بَعدَها “سردية-وصية” اخيه “العنّين” الجندي الهارب من الحرب عبد الرحمن، عن عروسه التى خذلها في ليلة الدخلة، وهناك تقاطعات (سرديّتي) الأم والعروس.
نزوة الموتى رواية (صدرت عام 2004) كرّسها شاكر نوري لوالده، وأرى أن الأب الغائب في “نافذة العنكبوت”، حاضر فيها أيضًا رغم رصاصات عدوّة اخترقت صدره، يطل علينا من بعيد من خلال سردية البطل الثاني عبد الرحمن الهارب من الجيش بعد أن قضت الحرب على ذكوريته وأحلامه في استمرار حياته.
الموت:
الموت بصورة عامة أيضا موضوعة تمارس حضورها في النص من بدايتها حتى نهايتها، تبدأ الرواية ببرقية مشؤومة تُعلنُ عنه وتنتهي بذرِّ رفات الأب والمقبرة وحفار القبور. نقرأ في الرواية، وكأنها كامرة تصوّر اللقطات لتكوّن مشاهدَ سينمائيةً تميّزت بها أعماله: “وقعتْ البرقية على بلاط شقتي… لا أدري كيف خطر في ذهني هذا الموت ودهمني”. ص11
لاحظ تناسب المفردات مع الحدث الذي يسير ببطء، ويستمر الحديث عنه في أكثر من مكان. ص 11
“وتأكدت بأن الموت ما هو إلّا مرآة لحياة العراقيين …علاقتنا بالموت أصبحت حميمة..” ص 54، ويذكر وادي الجحيم. ص 55
ويقول: “أينما تضع قدميك في وطنك تلاقي الموت” ص 200، هل لديك ابن يحمل عظامك بعد موتك؟ ص 201
كذلك تتجسد هذه الموضوعة والحنين في سرد جميل. ص 203- 204
ويفلسف الكاتب الموتَ، يقول الراوي: “الموت فم هائل لا يعرف الشبع” ص 20، “لا يخافون الحرب ولهذا يذهبون لها”، ويذكر الكاتب “عاشوراء” ص 20 ومعنى ذلك أنه يربط واقع موتِ الناس الحالي بتاريخهم الدموي وحروبهم. “هل أن لا مبالاة العراقي مستمدة من لا مبالاته بالحياة يا ترى؟”. ص 20
ويتحدث في ص 32 عن زيارة مرقد الكاظمية، ويختلط الحديث عن الموت بوصف الموروث الشعبي لدى العراقيين محاولاً هنا الإيحاء بتوظيفها ميثولوجياً. أنظر ص 21 حيث يتحدث عنها بتفصيل أكثر في لعب الأطفال.
قال له أمين المكتبة عن والده الغائب الحاضر:” كان يحلم بأن يرى ابنه … مات ولم يرك”. ص 149 ويتساءل عن أبيه رغم كونه السارد العليم: “هل أصابه المرض قبل ولادتي”. ص 130
موت الأب:
أشار الكاتب إلى الأب عموما من خلال استشهاده بقول رولان بارت في ص 1 ولاحظت في هذه الرواية حضورَ أليغوريا مَوت الأب، يقول الراوي: “موت الأب يفقد الأدب… متعته…… فإذا لم يعد هناك أب فماذا ينفع أن تسرد القصص؟”. وهنا مجرد بداية أو تقديم لهذه الموضوعة، لكنها ستتضح أكثر في نهاية الرواية حيث يستحضر الابن روحَ والده ويتحاور معها. سنرى كيف يحصل ذلك.
طبعا يطلع القارئ على ذلك من خلال برقية يستلمها البطل من والدته بأن يعود إلى الديار ليعيد دفن رفات والده في المقبرة الجديدة.
مات أبي قبل أن أولد أو في الساعات الأولى… أو في عمر التاسعة، لا أدري بالضبط لأنني لا اتخيله سوى شبح يمر في المنزل ليلا بعد أن يقضي النهار بكامله يعمل في المعسكر. ص 15
ويقول الراوي: “كانت أمي ترسلني مع أبي” ص 89 ونقرأ أيضًا “ها أنذا أطأ بقدميّ أرض المقبرة التي ُدفن فيها أبي ذات يوم، آنذاك كنت لا أزال هائمًا في بطن أمي”. ص 113
“متعلق بك لأني لم أرك وربما…”. ص 202 وهكذا فإننا نرى أن البطل لا يعرف بالضبط تاريخ وفاة الأب، وقد سألتُ الكاتبَ نفسَه عن الأمر فأجابني: ” بالنسبة للقاء بطل نزوة الموتى بوالده، إنه لا يتذكر هذه الأمور بالضبط، إنه شارد، كأنها أطياف في رأسه، أصلاً الفكرة كلّها قائمة على البحث عن الأب، كما قلتَ بنفسك إنه رمز، لهذا أنا جعلت هذه الواقعة غامضةً، كل الشخصيات السبع في الرواية تعطي فكرة غامضةً عن أبيه”.
ورغم إن الرواية مكرسة للأب أو لموضوعة التعلّق بالأب، لكن السرد يوحي بأمور تجعل القارئ يطرح أسئلة من قبيل: هل هناك علاقة متأزمة بين الابن والوالد؟ كما طرحها تورجينيف في “الآباء والبنون”؟ هل هو الشعور بالضغط المجتمعي بتحميله مهمة نقل رفاته وهو ميت، “ضيّعني صغيرًا وحمّلني دمَه كبيرًا”: كما يقول امرؤ القيس؟ هل هناك مشكلة في العلاقة والهوية؟ هل هو صراع نفسي داخلي يُحسم في نهاية الرواية لصالح الانتماء إلى الوطن حيث قرر البطل البقاء في بلاده وعدم العودة إلى أوروبا؟ يقول الراوي: “هل كان موت أبي يفتقر إلى مغزى شخصي، لا تمت حياة أبي بصلة الى حياته فقد نذرها للآخرين كان الموت مسؤولية أيضا ويعني الانتماء إلى زمان ومكان لهما مواصفاتِهما”. ص 19
الأب أليغوريا البقاء:
ويتضح الانتماء في إهدائه الرواية الى ابنه كنان ليقرأ ما كتبه عن “جده الراحل”. ص 9
وهكذا، يصبح الأب رمزًا من خلال أحاديث أمين المكتبة لاحقًا وعندما يجتمعون في المقبرة ويرفعون الانخاب. ص 151
يقول السارد العليم:
” … يزيد في هذا الغموض الذي اسمه أبي” 159 “ادفن رفات أبيك وعُد من حيث أتيت في الحال”. ص 160 الوالد هنا أليغوري يخص الجميع “كان والدك دليلنا …” ص 162، ويقول الراوي نفسه عن والده: “لا أعتقد ان ثمة امرأة تعرف أسرار أبي مثل سلطانة”. ص167 ولنلاحظ أن زواج الأب من ثلاث نساء أيضاً نابع من شخصيته ومسؤوليته الأليغورية التي ترمز إلى رجولته وقوته وفحولته. وتم تناول مثل هذه الشخصية بطريقة أكثر فولكلورية وتراثية بالذات رواية “الزيني بركات” للراحل جمال الغيطاني.
إن الأب هنا، إذن أليغوريا تتضح في الأمثلة التالية، نقرأ في الرواية:
الحيامن تجسد أليغوريا الاستمرارية والبقاء. صورة فيها خيال ورمزية: “الحيامن تتساقط كالأمطار”. ص 202
ويتساءل الراوي: هل ان ثمة رجلاً آخر قذف نطفته في أمي؟ ص 130 ويقول: “إن أبا مثله لا يتكرر في التاريخ …”. ص،213
والبطل أيضًا على هذا المنوال، زير نساء رمز للقوة الذكورية، تقول له أمه:” كيف تضاجع زوجة أبيك؟” ص 168 وليس صدفةً أنه ينهي روايته بكلماتٍ تتسم بالفخر والشعور باليأس الداخلي أيضًا متذكرًا اسم ابنه مفتخرًا به: “فيما ينتصب ابني- كنان- خارج بوابة الجحيم ولا يتوقف عن الاحتفاء بي مثلما فعلتُ أنا، وهو يتصفح في كتاب بالي الورق تفاصيل حياتي الممتدة بين مدينتين، بين وهمين، بين امرأتين”. ص 214
“إنني ابن أول رجل … في إدارة حوانيت الجيش” ص 57 و”هل تعرفين أبي” ص 62 لكنها تقول له: “أنت تشبه أباك هرب من مدينته كما هربتَ أنت من مدينتك”، ص 62 “لم يكن والدك يحب الغلمان، اتهموه كي يبعدوا الناس عنه”. ص65



















