قراءة في مجموعة تتهيأ لإستقباله الجهات للعبادي

538

قراءة في مجموعة تتهيأ لإستقباله الجهات للعبادي

حتمية الرمز اللوني وإستيعاب وحدة الزمن

محمد يونس

مثلت العنونة اليوم بعد التطورات نسقا نصيا يقابل المتن، وذلك بعد ما رجح هذه الفكرة جان جانيت، وسبقه بقرن كثار الجاحظ في تأكيده على ذات الفكرة بقوله البليغ – إن لابتداء الكلام فتنة وعجبا – ، واعتقد ان امبتو ايكو لعب دورا مهما في اعطاء العنوان اهمية توصيفية، فصار العنوان حسب راي ايكو أنه ايقونة النص اي ان العنونة هي من يؤدي بمسارك القرائي الى النص، في الاطر المستحدثة للعنونة، صار لزاما تتبع البعد الاحدث له، وبعد التطور الاصطلاحي الذي حصل على يد جان جانيت، صار للعتبة موقعا مهما، وتكاملت الثيمة الاصطلاحية، وصارت العتبة نصا موازيا للمتن النصي، وفي سياق مقصدنا وهدفه، نرى أن النص الشعري بعمقه الحسي، قد اسهم بفاعلية في تطور وتحديث النص الموازي، وقدمت تجربة عيسى اسماعيل العبادي في مجموعته – تتهيا لاستقباله الجهات – هي مثال موضوعي لحداثة العنونة، وتأكيد تجاوزها السياقات التقليدية السالفة، فقدمت خلاصة لعنونة تتمثل كنص موازي عبر محسوسه الشعري يمثل وجه تقابل مع المضمون النصي للقصائد، وقد اتاح لها بعدها الأدبي التوافق الى اقصى حد مع المتن النصي الشعري، فالعنونة الأدبية – ادبية، أي هي تلامس روح الفن الشعري، ويكون ذلك التلامس بهدف جمالي يفتن التلقي، لكي لا يواجه المضمون الشعري مباشرة، فتكون صفة التلقي قاصرة حسيا، فيما هذه العنونة بتلك الفتنة وجعل حس التلقي يتصاعد، هي تمثل صفة تاهيل موضوعي وبلاغي ، ومن هنا نعتبر العنونة قد انحزت المهمة الثانية، بعد انجازها المهمة الاولى بالسعي لتحقيق مقدرتها كنص موازي .

التقابل اللوني

من المؤكد إن الشاعر عبر الشعر يسعى إلى مالا نهاية في تغيير ملامح الوجود داخل إطار المعنى اللوني، ولكن داخل أفق الواقع المتخيل شعريا، وهذا نجده في سياق بعض القصائد في – مجموعة تتهيأ لاستقباله الجهات – بوجه خاص ، حيث يمكن في الشعر دمج الماضي بالمستقبل وتكوين صورة شعرية حاضرة من خلالهما ، وذلك أشبه بحتمية شعرية تفرض نفسها على الزمن لتتيح للشعر إن يكون منطلقا أدبيا ، حيث في السياق النثري إن قدرة القصيدة يمكنها إن تزيح  التاريخ كمتن جامد وخال من الحس، والذي القصيدة لا تتبعه عبر نظامها الما بعد حداثي ، وهنا لابد إن نقر بأن القصيدة تحتاج السياق الشعري بروحه الخالصة كفن هنا، فالصفة التي يبديها اللون في الشعر هي خارج التوصيف العام لها، والخاطر الشعري يكون اعمق وابلغ واكثر رمزية من الخاطر العام، فاللون وحدة تراكبية من رمزي احالي، ومن حسي قد يدخل حيز الواقع، او يبقى على ضفته محايدا، وفي قصيدة الشاعر الاوبى والتي هي اطول قصائد المجموعة وردت عدة الوان برمزيات ومعان متعددة الدلالة، ولكن  اللون الأزرق قد ورد في حدود اربع مرات، وطبعا للازرق رمزيته، والتي تكون واسعة ولا تحمل قناعات محددة، ففي المقطع 7 نجد التوصيف الشعري يستعير رمزية اخرى للون الازرق .

ومضينا في السهول

وما من جبل

في الطرقات

في الحدائق محزمة بالفراشات والأزرق

تنمو الطفولة

يمكن إن تعيش الشخصية الخارجية للشاعر لحظة شعرية، وذلك بالتفكير في رمزية لون ما، وهنا كل فكرة قادمة تزيح التي خلفها وتحل مكانها، وبذلك يتطور التفكير شعريا، والسياق النثري تزيده  اللغة الشعرية ثبوتا ورسوخا، بعد تجلي رمزية معينة للون وأن كانت تراكبية ، لكن ليس عبر أرسطية الزمن التي تكون لها دور في  أن تزيد الصفة المشهدية ، ولكن ميزة اللون في الشعر إن يغير الملامح ويوحي عما غيره ، وفي القصائد نجد أن اللون كلما زادت رمزية المعنى زاد عمقه، ففي قصيدة – كلمات رمادها يتكلم في الظل – يجد الشاعر كما بيكاسو أن الأزرق هو الحتمية وكما هو الخلود عند البابليين .

عادة، تتهيأين لي مكانا ازرقا

يلم لي حزني

وهواء ذاكرتي

لقد استثمر الشعر اللون في صوره لا بوصفه لونا بل بوصفه كيانا برمزية فائقة الحركة، فكل جملة يكون فيها ذلك الكيان الأزرق معنى ، في الجملة الشعرية تجد له معنى قريب من عموم رمزيته، لكن بذاته تجده ابعد من ذلك فهو الحتمية والخلود وربما هنا صفات اخرى له، وهذا ما اهم الشاعر عيسى اسماعيل العبادي وانهم به .

زمن النص زمن الوعي زمن الذات

الشعر من أكثر الأجناس الأدبية حساسية بعامل الزمن ، وكما ان الإيقاع الشعري وعلى الأخص في الاطار الداخلي للإيقاع والذي يجعل من وحدة الزمن غير ثابتة في إطار معنى معين ، وقصيدة النثر من أهم الوحدات الشعرية الثلاث في تنشيط الزمن ومنحه سمة التأثير من الجانبين في البناء والتلقي، حيث يحيل الترابط العضوي  التراكبي في النص الشعري بين الحس الشعري والمخيال الاجتماعي ويشاركهما التاريخ الأدبي كمنظومة وعي، ، فصار لدينا هنا مثلث بنيوي يجمع تلك الصفات الثلاث، وقدمت تجربة عيسى اسماعيل العبادي مثال نشط لاستيعاب ذلك المثلث والتعبير عنها وعيا واسلوبية وتجربة، فأولى القصائد حفلت في المقطع14 منها بوحدة زمنية حسية الى اقصى حدودها، وذلك الزمن حساس ويحتاج وعي وفهم وادارة بناء، وعيسى اسماعيل العبادي تجربة نمت وتطورت للتتكامل، لذا نجد الزمن في المقطع قدم صورة بعاطفة جبارة، من تلك التي يراها ادموند ولسن بصلابة الماس ورقة النسمة، فصورتها سيميائيا مؤطرة باستاطيقا غير محددة، والشاعر قابله بسؤال البلاغة الشـعـــرية .

لم يكن الصمت بيتا

كان انفاقا طويلة من الليل

فكم من النهارات، تحتاج اقدامنا

لضحكتها الاولى ؟

 إن زمن الشاعر قد اختلف نسبيا عن زمن نصه الشعري وزمن خطاب النص أيضا، أي زمن وعيه داخل نصه، وهو قد قدم في قصائده هناك علائق توافقية عبر حرية الزمن بين الشاعر والنص والخطاب الشعري للنص في سياقه النثري طبعا، والزمن هنا لابد إن يكون توافقيا ما دامت سمات المعنى والدلالة توافقية معه ، وصراحة ميزات المعنى والدلالة في قصيدة النثر هي منطلقة من وعي تجيدي في الشعر ولابد إن تلقى استجابة من زمن توافقي سيان مع الطبيعة العضوية للتجديد أو المستوى الاستاطيقي في المعنى والدلالة النامي بسرعة إلى الحدود التي تربطه بأقصى عمق في المعنى وأوسع بث في الدلالة ، ففي قصيدة – الوقت – والتي عتبتها تشير الى وحدة زمن النص عبر ذات الوعي، ومنها الى الذات الشخصية الكامنة خلفها، وتلك القصيدة زمنية من المستهل .

ستأتي رياحي

ويأتي سريعا الي النهار

مقبلا، في زهرة النسرين

لغة الوقت، ممكنة

اذ اكون

بين دفئين

 انت والحنين

أن قصائد – تتهيا لاستقباله الجهات – هي تسعى إلى تحقيق وحدة الزمن بحرية إيقاعه ، بل إن الزمن يسيل مع نشاط المعنى في قصيدة النثر بصفته المتميزة فيها في رسم معنى ويمحوه معنى لاحق ، والزمن الشعري إذ يسيل بحرية طبعا هي منظمة وفق التكنيك الذي يتصف به المعنى والبث الدلالي أيضا ، وروح النص الشعري في سياق النثر رحبة تتوافق مع حرية الزمن والذي هو أيضا يتوافق مع زمن التخييل الذي هو نوعي في قصيدة النثر وليس تقليديا، ففي قصيدة – هدوء- يوغل بنا الشاعر حسيا في زمن نفسي قد استوعبته الصــــور الشــــعرية .

هدأت صيحة الأسئلة

هدأت،

في غبار الكلام

وانتشار الرماد

مثلت تجربة الشاعر عيسى اسماعيل العبادي في مجموعته – تتهيأ لاستقباله الجهات –  في البدء وحدة اسلوبية بتوصيف معرفي، وثانيا سياق تجربة شعرية هادفة لاغناء قيم الفن الشعري، وثالثا مثلت سعي استاطيقي لبلورة قيمة بشكل محسوس غير بعيد عن الأنثربولوجيا، بل سعت الى تقريب القارىء العام عبر نسق اللغة الشاعرية البينيةن والتي لا تبتعد عنه بعيدا الى الغموض والتاويل الشعري والرمزية الحادة .

مشاركة