قراءة في مجموعة أنت لم تقرأ معي

372

 

 

 

 

قراءة في مجموعة أنت لم تقرأ معي

جبار النجدي

يحلو للشاعر قاسم محمد علي أن يواجه الملمات وجها لوجه منفردا وهذا مايتجسد في مجموعته (انت لم تقرأ معي ) علاوة على دأبه المضني في الكتابة الشعرية عبر آليات طليقة لا تحكم نفسها بمسار واحد دون أن تتراجع وظائف النص الشعري التي لاتنطوي بأي حال على مجافاة شؤون الناس حتى لو كانوا في خير حال عبر الكلمات ذات الإمكانية الفائقة في نقل احاسيس وسمات وتحولات مدينة أبي الخصيب التي عاش فيها الشاعر زمنا طويلا تلك المدينة التي تملكها التواضع إلى حد جعلها تتعاظم  إن المجموعة مستلة من حياتها ومتجددة في شعره من مواضع خبرة وتبصر فهي تشكل للشاعر فسحة أكثر يسرا وأكثر حرية فمن المغري حقا أن يغترف الشاعر منها امورا تجيد التسلل إلى داخل نصوصه لذا ظل يدور حولها في عدة مجاميع شعرية وهو بذلك مثل أسير الحرية في الأقفاص تلك مآلاته المسلحة بالعواطف والحب على إختلافاته الماثل في أعماق المدينة  إن تفاصيل المدينة أمر يعنيه تماما وبقدرات شعرية يحسد عليها فهو يعلن منذ البدء عصيان الشعر في أمر كهذا ويبوح بالتحدي :

أودعت الجمرا

في كفي المهزوزة وسط الريح

سأكتب شعرا !!

الشعر هنا ينتحل صفة القوة  لصبي ضعيف هكذا تبدو الصورة لكن من دون أن تفقد مظاهر تحققاتها اللاحقة التي تغور في أسى لاحدود له  يرافقه لوم وعتب ولفت الأنتباه لأشياء مزرية بطريقة فاضحة لا تستر ماوراءها .

مدينة غامضة

لعل المدينة غامضة مثل غموض (الخطاطيف)الذي يماثل غموص الطين بوصفه جسد الأرض ولسانها المختلط بغموض التراب وبموجب ذلك يتكلم الشاعر بلغة أخرى لا نعرفها ربما هي لغة سرية بين الشاعر وبين مدينته المحاطة بالأهوال والواقعة على حافات الحروب الخاسرة التي ستترك في النفوس شعورا من الخيبة ورجع مثل أنين الناي الماكث في حنجرة القصب ورفيف الضوء البعيد وتناوبات المد والجزر وتلك ألأيام المزدهية التي كان فيها عدد المشاعر اهم من عدد السنين :

قناديل الحزن المسبوكة

من فعل الزمن العاتي

والأيام

وأنا أحتاج إلى صمت

يمنعني من أن أطرق باب الريح

او الغربة

———————-

لأوزع أسرار الصبح

على كل

 الطرقات

صمت مقترن

يختار الشاعر أن يلوذ بالصمت المقترن بخيفة لكنها خيفة تتجاوز حدود الجرأة إلى ما بعدها من عناد سافر بوسعه أن يبطل السر ويستدل بالعلن الملتبس بأحتجاج متخفي ومتجل بمرأى آخر إحتجاح قد يصل بنظر السلطات إلى حدود السمعة السيئة لكن الشاعر ما يزال يجد معنى في صرخة قنبلة فيحتج ويحتج على المظهر الذي اتخذته مدينة في زمن الحرب ولذلك يسعى الشاعر ليعيد للذاكرة بعض تقاليدها والصلات العميقة بين ساكنيها الذين ظلوا ينتظرون نهاية لا أحد يعلمها :

بعد كل الذي مر

جئت

منفردا بالصوت والموت

والأمنية

————————-

وكيف تكون الخطى

بعد كل الذي مر

والأمنية

هكذا توهن السنين من حولنا  كل شئ ويبقى صوت الشاعر ونظرته التي تمتلك حسن التمييز بين الخير والشر ، حيث تحوك كسائها الخيالي مرة بعد مرة غير أن الشاعر يجيد تقويل الأشياء من حوله إذ تتوالى معاني المكان الواحد في مدينة لاأنفصال بين امكنتها وكائناتها أن الحياة منوطة بهذا التلازم المتكافئ وتلك صفات منحدرة عبر الزمن تتطلب العيش مع شريك مجهول يقابل بين ذاكرتين للمدينة الواحدة ويجعل الخفي ظاهرا فيها يقول (أحدث نفسي عن هذا الذي مر ملتفتا صوب ماض يلوح بالعمر كالسنبلة).

مشاركة