قراءة في ماما تور بابا تور لميسلون هادي

591

قراءة في ماما تور بابا تور لميسلون هادي

كتاب بين الخيال العلمي والواقع

بان حسن

اذا كانت القراءة هي حالة تَشارُكية ما بين الكاتب والقاريء، اذن فان العلاقة بينهما هي علاقة  وثيقة لا يمكن لاحدهما الإستغناء فيها عن الاخر،فاذا كان الاديب يقدم العالم التخييلي عبر رؤية ما يعكسه هذا الواقع، فان هذا الواقع هو الذي يمثل الأرضية المهمة التي تقوم عليها نظرة القارىء الجاد، الذي يسعى دراسة خصائص ما يسعى قراءته و يسوغ لنفسه اقتحامه ، وان تحيّزه لعمل ادبي بعينه و اختياره  ما وتفاعله معه ما هو الا تعبيراً عن تأكيد اهتمامه به ، ومن قناعة فحواها ان هذا العمل يستحق القراءة فتكون مهمته حينئذ نقديه تفسر وتطرح ما فيه من قيم وتكشف عن المعاني الكامنة وراء المستوى الظاهرللنص، وايضا ان الناقد حين يشكل مادته النقدية فإنه في اعتقادي كالقاص يتراوح عمله النقدي بين نسقين الأول منتزع من المادة التي يحاول قراءتها، والثاني منتزع من ذاتيته، إذن يمكننا القول إن تحليل أو قراءة نقدية لعمل ابداعي ما لا بدّ ان تكون في حاجة إلى أدوات داعمة لتقترب من الغاية الذي يقوم عليه النص ولاستخراج ما فيه من معاني،  وان ماشهده النقد من تطورات هو نتيجة حتمية للتطور في العمل الابداعي ذاته.

قراءة كتاب

ان هذه مقدمة للدخول الى قراءة كتاب بين الخيال العلمي والواقع قراءة في ماما تور بابا تورلميسلون هادي للناقدة ايمان عد الحسين، واني لا بد ان اعترف ان هذا الكتاب قد استقطب اهتمامي بصورة خاصة وذلك من جانب ان ادب القاصة والروائية ميسلون هادي الشديد الغنى والتنوّع كان مثاراهتمامي باعتباره ادب لا تحده ملامح فتاريخ القاصة يمتد لسنوات، وان ما استهواني في قراءة هذا الكتاب من جانب اخر هو تناول الكتاب لجانب الخيال العلمي الذي اثار فضولي واستدعاني الى قراءة المجموعة القصصية بعد قراءتي للكتاب النقدي ولعل هذا يرجع لاعتبارات كثيرة اشارك بها الناقدة في قراءتها في ان ادب ميسلون هادي هو ادب من الواقع القريب الى الذات القارئة فاردت ان اقترب من جانب اخر لدى القاصة هو تناول ادب الخيال القريب من الواقع اي التطرق الى باب يختلف عن الأبواب المطروقة من قبل وهو الاتكاء على الخيال العلمي المفعم بالواقع الماساوي، فالقاصة تتيح للخيال إمكانية الظهور بينما تكون محتفظة بقضايا الواقع لا سيما قضايا الإنسان المعاصر وهذا ما تؤكد عليه الناقدة ايمان عد الحسين في مقدمة الكتاب التي حاولت فيها إضاءة هذه القصص واستقرائها واستكشاف عوالمها ، ما تحولت المقدمة الى دراسة نقدية توضح دلالات هذه المجموعة وهذا ما دعانا قراءتها وان ما اكد عليه المقدمة في البدء من ان القاصة من أجل تكوين رؤية وحكم نقدي على الواقع الآني( استعارت الخيال العلمي كأداة لنقد الوضع الاجتماعي ، منطلقة من المبدأ المسلم بدور الادب للتصدي لكل ما يصيب الحياة والمجتمع من تحولات غير طبيعية ، أنها صرخة تنطلق من تراكم الخيبات والنكسات و الفواجع والكوارث، وتجسيد الهموم الحياتية للإنسان المعاصر، والتي يعانيها بسبب الاعتماد المغالي على التكنولوجيا، والوثوق المفرط بالمبتكرات العلمية، والانخراط الأوتوماتيكي التام فيها، وفي مختلف هذه المقاربات تجعل القاصة قصصها تنفتح على مشهدية يفسح الكلام فيه مسارا لعمل الخيال واجتهاد العقل في الوقت ذاته، وتقود القارىء إلى فسحة للتأمل والتفكير في مواجهة اسئلة موصولة بفضاءات راهن الواقع الآني منطلقة من ان ثقل وطأةِ الحياة تتناسب عكساً مع التقدّم العلمي بما يفرضه من سلبيات على واقع العصر الراهن، فبقدر ما يعلو دور الحضارة الآلية ، يتراجع دور الإنسانية وذلك لحاجة الحضارة القائمة على الاعلاء من الشان المادي بالتوجه إلى قيم تدعّم سيرورتها ، الأمر الذي يجعل القاصة تضع قارئها أمام قصص موسومة بالانغماس في قضايا الواقع والتباساته، جراء التحول الاجتماعي، الذي طال المجتمع بسبب هذا التغير فهي محاولة إدانة الإطاحة بالبنى القيمية وإحلال قيم جديدة محلها للاستجابة لمتطلبات الواقع الجديد، إذ أن التقنية العلمية التي لا تستند إلى مبادئ أو معايير تعترف باهمية العمل من أجل النهوض بالحاضر مع الحفاظ على ترسيخ قيمه؛ هي تقنية  سلبية، وان القاصة تنصب بكليتها على المستقبل منطلقة من غيرتها على المجتمع الذي بات يواجه تحديات داخلية وخارجية في عالم اليوم المتغيّر) .

ومن هذا المنطلق تركزت القراءة على محورين اساسيين محور الخيال ومحور الواقع الذي حاولت ربطه بالوضع الراهن ومن هنا كان هناك تاكيد  في الكتاب على ان القاصة ميسلون هادي تتحول  في هذه المجموعة من قاصة الى ناقدة متخذة اسلوبا مغايرا من الكتابة في سبيل طرح افكارها بحرية وتحررها من الاستناد إلى الطرائق المتداولة في طرح الواقع .

 كما يلاحظ القارىء ان الناقدة ايمان عبدالحسين اعتبرت ان كل قصة من القصص هي رسالة تعبر عن دلالة وقيمة تحاول القاصة توصيلها فاخذت تلاحق بذكاء ما تريد القاصة طرحه من قيم متاخذه لكل قصة بابا في القراءة من اجل الوصول إلى رسالة الكاتبة الأقرب إلى الحقيقة فجاءت خطابات عديدة متّسمة بالدهشة والمفارقَات التي لا يمكن الوصول اليها الاعبر الخيال واستثماره كمقوم من مقومات الكتابة المصاغة من عمق التجربة الواقعية من غير الوقوع في المباشرة ومن المحال أن نتصور من اية قصة من القصص ليس لها صلة مع السياقات الثقافية والا جتماعية  للمجتمع الذي تصدر عنه هذا ما اكدت عليه القراءة برمتها (ا ن ما تتصف به القصص والذي اضحى اتجاها تحاول القاصة التأكيد عليه، على الرغم من أنها تصنف بوصفها قصصاً من الخيال العلمي فهي تضعنا في إطار فضاء يمتاح ملامحه من الواقع الاني، متخذة من اشكاليته وافرازاته منطلقا للكتابة، وان السبب الأساسي الذي يقف وراء ذلك عائد إلى سيطرة واستحواذ صورة المجتمع الذي يرزح تحت أعباء ظروف اجتماعية وسياسية، بعبارة اخرى ان كل ما في القصة يتجسد بالربط الدلالي بين المتخيل والمرجعية الواقعية ، تاخذنا فيه القاصة إلى التهيؤ لتسلّم صورة خيالية مرتبطة بالواقع القريب الذي يمثل الإطار الذي تتم فيه مراجعة واستعادة أحداث حدثت من معطيات سابقة).

وبما ان التقديم هو بمثابة عنوان استهلالي لمضامين القصص وان الناقدة حاولت من خلال المقدمة الوصول إلى أسرار النصّ ومقاصده، والتي اتخذته باب للولوج الى قراءة المجموعة فجاءت المقدمة شهادة توثيقية متصلة بالمتن ، مضيئة مكونات القصص، وكانت بمثابة تمهيد لقراءاتها ، شرحت فيها تصوراتها ورؤيتها حول كل قصة، وعلى العموم قد حددت الاحاطة في المقدمة بمجمل المجموعة من خلال عدد من النقاط حاولت في كل نقطة من النقاط تسليط الضوء على جانب من الجوانب فتؤكد مرة على تراسل القصص مع الفنون الاخرى لا سيما التشكيل والسينما بصورة خاصة فتقول (تنهل اغلب القصص من آفاق جمالية متنوعة الفنون كالتشكيل والسينما وغير ذلك من الأجناس الفنية حيث يتضح الحس الشعري للقصص من خلالها، وان القاصة تحاول استثمار الفن التشكيلي إطارا مرجعيا تسهم من خلاله في فهم العالم الواقعي بألوان مختلفة، فضلا عن ذلك نجد توظيف الأبعاد التي ترتبط بالسينما، لما لها من مردودية شعرية، وخاصة توظيف القاصة الكاميرا كاداة تعد أبرز طريقة في الرؤية ومنهجاً في معاينة الواقع المعاصر، اذ سعت القاصة إلى تكرارها في بعض القصص ذلك كي يتم من خلالها اكتناه الغوص وراء العالم اللا مرئي).

نقطة تحول

 وبما ان في كل نقطة تحاول تفسيرما تحتويه المجموعة من مقاصد وتحيل على القضايا المطروحة فيها وتقف على العلاقات التي تربط بين القصص جميعا ، بطريقة تسهّل الوصول إلى مقاصد القاصة و التاكيد على جوانب مختلفة تنماز بها القصص فتاكد هنا على الاهتمام بالوصف وتعد من ان  المبررات في التمهيد التي تقدم فيه القاصة الوصف في اغلب القصص هو (مؤشرات على السمات التي تتصف فيها الشخصيات، اي العالم الخارجي الظاهري لها، هو من اجل ان تشكل منه اضاءة تكشف لقارئها عن باطن الشخصيات، وان هذه توظفها القاصة لغايات فنية ونفسية ذلك من اجل توصيل هدف ما يقومون به من افعال) .

كما نجد في المقدمة رؤية اخرى تبرزدور النقد باعتباره مفتاحاً للتفسير والتحليل وذلك من خلال التاكيد على أكبر عدد من مزايا القصص للوصول إلى تفسير رسالتها الحقيقية والتاكيد على الوعي النقدي للقاصة ، في استغلال كل مفردة بما تحمله من دلالات تغني القصص وتبرز مقولتها الأساسية وهنا يظهر التاكيد على المقدرة الفنية للقاصة التي سعت الى ابراز اهمية دور الكائنات الصغيرة واسباغ ما عايها من احالالات (أن التفحص لأغلب قصص المجموعة يكشف عن أهمية لا يمكن تجاهلها للدورالفاعل والمؤثر الذي يوكل للكائنات الصغيرة باعتبارها علامات ورموزا تحيل إلى ما تريد القاصة توصيله من خلالها من الحقائق والمقاصد) .

تفسير النص

وكما أن المقدمة تساعد المتلقي على فهم النص وتفسيره فالناقدة تحاول باستمرار التاكيد في اكثر من موقع في المقدمة وفي المتن وحتى في عنوان الكتاب ذاته من ان المجموعة برمتها لديها هدف اساسي تسعى لتحقيقه والذي بات كالهاجس الذي نلمسه في القصص هو ان فكرة الغرائبية والفنتازيا والخيال تسكنها جميعا (القاصة تتناول الأشياء المألوفة بطريقة من شأنها أن تجعلها تبدو للمتلقي وقد اكتسبت الغرائبية،اي انها تسعى إلى ان تجعل الأشياء الواقعية تتمظهر بصورة غير نمطية استنادا إلى تناول الخيال العلمي الذي يظل هو الخيط الناظم لاغلب القصص).

كما اكدت المقدمة ايضا على ميزة تنماز بها قصص المجموعة  اعتبرت ذات اهمية وهي إسقاطها التسمية باعتبارة ميزة اخرى تمزج ما بين الخيال والواقع(ان الخلو من التسمية لبعض الشخصيات ضرورة تفرضها المتغيرات، ويبدو أن القاصة أرادت بعدم التسمية في بعض القصص المزج بين العنصرين الواقعي والخيالي لتنسجم والموضوع الذي اختارته، والذي يحيل إلى الغموض دون الوضوح ، والغياب دون الحضور).

و في النهاية اعترفت الناقدة على امانة القاصة للجانب الابداعي والمضمون معا من خلال قولها (نلاحظ بفضل وعي القاصة النقدي أنها تسعى في اغلب القصص ان تكون أمينة للجانب الابداعي الفني وامينة  للمضمون الذي تريد طرحه، من خلال البحث عن طريقة تحقق فيها هذه المعادلة).

واخيرا لا بد من القول والتاكيد انني اتفق مع الناقدة في ان ما تتضمّنته المجموعة من إشارات في مجالات عديدة تحاول القاصة استثمارها هي دالةً على حمولة معرفية وعلى سعة المخزون الثقافي والعلمي لديها،كما اوكد ما طرحته في البداية بانه لا شيء أدل على اهتمام الناقد قي كتاب ما هو من خلال اختياره ميدانا للقراءة والتحليل  .

مشاركة