

أحمد البرو: شعرية البوح ومرجعيات الكتابة، قراءة في كتاب “على حافة الكلمات”

أحمد الحاج
الذكريات… يا لها من وقع عميق تثير فينا الشجن كلما طرق عليها طارق، ذكريات لا يمحوها الزمن مهما طال أو قصر، وما أن تمتد ايدينا إلى القلم والورقة لنخط أول حرف لخاطرة حتى تقفز ذكرى من تلك الذكريات أمام الكلمات والحروف في حادثة عصية على النسيان، لتحول بيننا وبين حاضرنا، وتفرض سطوتها القوية بأمر الماضي البعيد، تلك السلطة التي ما زالت تحفر في الذاكرة تعيدنا إلى أيام الطفولة وريعان الشباب.
ولو عدنا إلى تراثنا الماضي سوف نجد أن تلك الذكريات هي التي أبكت قيس ابن الملوح، وكثير، وجميل بن معمر، ودليلنا على ذلك قول الأخير:
أَلا لَيتَ رَيعانَ الشَبابِ جَديدُ وَدَهراً تَوَلّى يا بُثَينَ يَعودُ
فَنَبقى كَما كُنّا نَكونُ وَأَنتُمُ قَريبٌ وَإِذ ما تَبذُلينَ زَهيدُ
أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً بِوادي القُرى إِنّي إِذَن لَسَعيدُ
فحلم الشاعر هو العودة إلى أيام الصبا واللعب في الوديان وأماكن الفتوة، فهو ينشد العودة للمكان أولاً، وهذا المكان هو الذي يتيح له القرب من الحبيب، عبر عنها في أداة “ليتَ” والتي تعبر عن أمنية افتراضية يستحيل تحقيقها، وما عليه سوى التوشح بالحزن والتغني بتلك الايام والامكنة بشجن يعتمل في الصدر ويثير البكاء.
واذا كان جميل بن معمر قد عبر عن حزنه على تلك الأيام الخوالي بقصائد ما زالت خالدة إلى يومنا هذا، فما بالنا ونحن نحمل أضعاف ما حمله بن معمر ورفاقه من ذكريات تعيدنا إلى أيام القرية وذكريات الجيران، وذكريات المدرسة ورائحة الدفاتر والأقلام، وزملاء الدراسة، وساحات اللعب، وحديث الحبيبة وتبادل الحديث والنظرات البريئة، ومواسم البذار والحصاد، وأغاني الأعراس، ودلة القهوة وتجمع العائلة حول مدفأة علاء الدين، وأحاديث الجدة عن عنترة ابن زبيبة وأبو زيد الهلالي والسعلوة وحسين النمنم.
عندما نقرأ كتابات الاستاذ احمد البرو المعنون “على حافة الكلمات” نجد أن الكتاب يضم بين دفتيه نصوصاً قد سبكت بلغة رصينة وشعرية طاغية وعبارات بليغة وايقاع عذب واسلوب سلس، وهذا كله يشي بقلم مبدع متمرس وكاتب متمكن من أدواته اللغوية، بالاضافة إلى ذاكرة متقدة وخزين معرفي مفعم بالمفردات منحت الكاتب المناورة النصية، والصياغة الابداعية، والاشتقاقات اللغوية، فجاءت نصوصه مزيجاً ابداعياً بليغاً بذاته، عميقاً في دلالته، سهلاً في متناوله.
وعندما يكتب البرو فإنه يكتب بقلم شاعر مرهف الحس، وعندما يتكلم فإنه يتفوه بلسان مبدع، تتداخل لديه المفردات ذات الايقاع الشعري بعفوية العبارات المنسابة عبر تداعيات تيار الوعي، وتنسرب عبر ذاكرته لتجد طريقها إلى ذهن المتلقي بعذوبة وشاعرية. ولعل قراءات الكاتب قد أتاحت له مرجعيات ثقافية متعددة شكلت قسماً منها مهيمنات نصية، وأول هذه المرجعيات هي المرجعيات اللغوية لما خطه الاقدمون والمحدثون في البيان والتبيين ونظرية النظم وابن عاشور والتاج الجامع للأصول والعقد الفريد والمنفلوطي وأحمد أمين وغادة السمان وغيرهم كثير، ثم تأتي المرجعية التراثية والتي عاشها الكاتب في مرحلتين: مرحلة القرية وعاداتها وتقاليدها ومواسمها ودواوينها والتي مازالت حاضرة وبقوة، والمرحلة الثانية مرحلة المدينة وحداثتها، ثم المرجعية العاطفية والتي انسربت عبر تقنية استدعاء الذاكرة البعيدة من أيام الصبا والشباب حتى جاءت كأعترافات متأخرة بالحب.
واذا قلنا ما قاله الآخرون عن الخاطرة في كونها جنس يقع في منتصف الطريق وتتداخل مع الشعر والمقالة والقصة القصيرة، إذا هي جنساً غير مكتملاً بحد ذاته، وكذلك نصوص البرو يصعب تجنيسها وذلك للأسباب التي ذكرناها سابقاً من لغتها الخصبة واشتقاقاتها المتنوعة ومناورتها البديعة. ولو بحثنا في معنى كلمة خاطرة لغة واصطلاحاً، نجد أن الخاطرة لغة هي: خطر الأمر بباله وعلى باله، أي مرّ أو ذكر بعد النسيان، واصطلاحاً: إسم لما يتحرك في القلب من رأي أو معنى، وتكتب لحظة حدوث شيء أو بعده، لذلك تعرف نصياً على أنها إحدى الفنون النثريّة المنتشرةِ في العصر الحديث، تُصنف في الأدب بين الشّعر الحُر والِقصةِ القصيرة، فهي لا تلتزمُ بوزنٍ ولا قافية، يجري نصها بعفويةٍ وتبتعدُ عن الإسهاب والتفصيلات، وتُعبر عن فِكرة وإحساسٍ معين يَجول في خاطرِ كاتبها، فالخاطرة حالةٌ من الشعور واحساس عميق يعتمل في الذات المتخاطرة ويظهر بشفافية وجزالة في النص تعبر عن انثيالات نفسية يشعر بها المتلقي ويتفاعل معها بعفوية، وتمتاز بكثرة المُحسّناتِ البديعية من صورٍ واستعاراتٍ وتشبيه، وقد تحتوي على صور شعرية وايقاع داخلي، ويتفاوتُ حجمُها بين طولٍ وقِصَر؛ فهناك الخاطرة القصيرة والخاطرة المتوسطة والخاطرة الطويلة.
كتب البرو مجموعة كبيرة من الخواطر ونشر قسماً منها في وسائل التواصل الاجتماعي وقد لاقت استحساناً من المتلقين، لذا شاء أن يجمعها في كتاب لتكون في متناول القارئ، وتتراوح نصوصها بين الخاطرة القصيرة والمتوسطة، وقد وظف الكاتب مجموعة من انظمة الجمل في بناء النص: الجملة الخبرية، والاستفهامية بدلالة افتراضية، إلى الجمل التفسيرية، والتعجبية، كما وظف تقنيات الحذف والاختصار والايجاز في نصوصه في عملية تركيز على دلالة النص ومعاني المفردات على حساب الحشو والاطالة، وهي تقنيات بمجملها لصالح الكاتب.
وقد صدر الكتاب بعنوان “على حافة الكلمات” في نهاية عام 2024 عن دار نون ومطبعة نركال في محافظة نينوى وهو الكتاب الخامس من اصدارات مجلة صدى الريف، وقد احتضنت المجلة حفل توقيع الكتاب في مقرها الكائن في المجموعة الثقافية بحضور نخبة من الكتاب والادباء والصحفيين والمهتمين بالشأن الثقافي.
نموذج من النصوص الواردة في الكتاب:
همهمات عروس
في هدأة الليل، تسير المركبات عائدة بهن إلى حيث ابتدأت الحكاية، إلى بيوت الأهل التي شهدت ميلاد أحلامهن وأوجاعهن الأولى. تسيارت معرسات يحملن بقلوبهن أملاً جديدًا ومزيجًا من الفرح والحذر، وكأنهن يقفن على عتبة عالمين. هناك، في بيوت الأهل، تنتظر الذكريات التي لا تزال تحفر في الروح، تستحضر الطفولة بكل براءتها وآلامها المضمرة.
في هذا السكون، يخالط النسيم همسات قديمة، تلتف حول أرواحهن كالحرير الشفاف، تحمل في طياتها عناق الماضي وحنين العودة. كم هو غريب أن تودع الفتاة طفولتها في نفس الغرفة التي سكنت فيها أحلامها الصغيرة، وتعود إليها امرأة محملة بخيبات وأفراح، وقد أعدت نفسها للعناق الأبدي مع الغد.
سيرن تالي الليل حسباتي كلهن
تسيارت معرسات لبيوت اهلهن
همهمات عروس بعد الاسبوع زياره لاهلها
همهمات الحنين للمكان
تتركين عطرك هنا، في زوايا المكان، كمن يترك نافذته مفتوحة دون قصد، فيلف الليل إلى قلبه بهدوء. لا صوت للرياح ولا صخب للمدينة، فقط همساتك تتسلل مع العتمة، تعانق الفراغ بين الأشياء وتترك في القلب أثراً لا يمحوه الزمن. يظل الليل شاهداً على حضورك، حاضراً رغم الغياب، كأنكِ تختبئين بين تفاصيله، تنسين عمداً أن تغلقي باب الذكرى، فتمتدّين في كل ما حولي، حاضرة وإن غبتِ.
عتب
على الآخرين أن يقبلونا كما نحن، بعيوبنا وتفاصيلنا، دون محاولات لتغيير أو تزييف. لسنا بضاعة تُعرض في السوق لكل عابر، بل نحن كيان يتأرجح بين القوة والضعف، بين الحلم والخيبة. نمنح أنفسنا لمن يقترب منا بروحه، لا بمن ينظر إلينا كسلعة. ذلك الذي يسكن أعماقنا، ويبادلنا ذاته، هو من يستحق أن نفتح له أبوابنا. فالعلاقة الحقيقية ليست في العروض المتبادلة، بل في الهبات الصامتة التي تتجلى حين تهب الروح ما هو أعمق من الكلمات.
ملاذ القلب
وافترقنا كما يفترق الليل عن النهار، بعد أن كنّا حكاية تتناقلها الأرواح بين القريب والبعيد. وافترقنا رغم الوعد الذي تعاهدنا عليه، أن أكون لكَ وأنت لي، في كل نبضة وفي كل لحظة. ولكن، هكذا هو القدر، يسدل الستار على قصتنا التي كانت يوماً ملاذاً للقلوب.
انتهت قصة هوانا، كما تنتهي الفصول، ونحن ندرك في أعماقنا أننا نحب بفخر، نكابر رغم الألم. وأنت، كنتَ لي جرحاً ناعماً، وأنا لآلامك طبيب، ولكن في الغربة بيننا، لم أستطع أن أشفي سوى ظلال الذكريات.
أيها البعيد القريب، أفترقنا لكن ما بيننا لم ينتهِ، فما زال الشوق ينحت في الصمت ما لم تقله الكلمات.
تلمس الجرح
ما يجمعنا لا يشبه الصداقة ولا المعرفة السطحية، ولا حتى الحب بمفاهيمه المعتادة. إنه شعور نادر، لا يمكننا نحن تفسيره بسهولة، ولا يقدر الآخرون على فك شيفراته. إنه معادلة بلا حل، بحر هادئ في عمق جنونه، ونار تخمد دون أن تنطفئ. بيننا شيء لا يعرفه سوى الأرواح التي تاهت ووجدت ملاذها في صمت الكلمات التي لا تُقال.


















