قراءة في كتاب (التنمية التربوية في نهج البلاغة)

424

أدب الدعاء والوصايا والحكم

قراءة في كتاب (التنمية التربوية في نهج البلاغة)

 هديل إياد جواد سكر الغزالي

تسعى هذه القراءة إلى الوقوف عند كتاب (التنمية التربوية في نهج البلاغة) لمؤلفه الدكتور عباس الفحام ، الصادر بطبعته الأولى 2018 م عن مؤسسة دار الصادق الثقافية في بابل.

بناء الكتاب:

بني هذا الكتاب على عنوان ومقدمة ثم تمهيد ومبحثين ومسرد للمصادر، القراءة تبدأ من العنوان الذي عادة ما يكون علامة لغوية تنفتح على دال ومدلول يحاكي المضامين التربوية في الفكر الديني، جاءت مقدمة الكتاب عتبة مائزة توضح أهمية الكتابة في أهل بيت النبوة ولاسيما في تراث أمير المؤمنين (عليه السلام)، وخص نهج البلاغة لأثره النافع وجمال اختياراته. التمهيد حمل عنوان (أثر الطفولة في تكوين الشخصية) ، أما المبحث الأول فكان بعنوان (مبادئ التربية عند الإمام علي) وقد ضم: (تحديد حقوق الآباء والأبناء، ومراعاة فروق الزمان، وأفضل طرق التربية، والوسطية، وتحذيرات وتحبيبات). أما المبحث الثاني فجاء بعنوان (تطبيقات الإمام علي لمبادئه التربوية) وكان على النحو الآتي: (البيوتات الصالحة، وسيرة الإمام في أولاده، والرعاية الخاصة، وتربية الإمام لنفسه).     اتسمت لغة الكتاب بالوضوح والسهولة في عرض المادة، إذ إن لغته كانت مفهومة من لدن عامة الناس والمثقفين وسائر شرائح المجتمع الأُخر، وقد كتبه مؤلفه بلغة علمية دقيقة تحاكي المضامين لتربوية التي وردت في فكر الإمام علي (عليه السلام) وتبسطها وتشرحها شرحاً وافياً، فيركز المؤلف على استظهار الأسس التربوية التي وردت في خطب الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة، تلك الأسس التي لو تحلى بها الفرد والمجتمع لأصبح يشكل مثالاً يفوق في مثاليته جمهورية افلاطون وفلسفته لأنه استقى افكاره من القرآن الكريم والسنة النبوية.

التمهيد:

التمهيد حمل عنوان (أثر الطفولة في تكوين الشخصية)، فالأسرة وحدة اجتماعية مستقلة وهي المغذي الأول للطفل وكلما كانت حاضنة متكاملة الخبرات والاستعدادات كلما ازدادت توقعات نمو شخصية نوعية للفرد في المستقبل، ومن هنا وقف المؤلف على تبيان نبوغ الأنبياء والأولياء وحتى العظماء، فشخصياتهم مكتسبة أو يتحقق فيها العامل الوراثي الإبداعي، فالحاضنة الاجتماعية كانت تنطبق عليها الصفات المؤهلة للنبوغ، وتجلت هذه العلاقة بـ تبني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي في مراحل طفولته المختلفة، فكان ((مما أنعم الله على علي بن أبي طالب انه كان في حجر رسول الله قبل الإسلام))، وقد صور الإمام نفسه علاقته بابن عمه الرسول الكريم (ص) بقوله: ((وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره ويكنفني إلى فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره. ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به…)). واختتم المؤلف تمهيده بالتأكيد على أثر الحب في تكوين العلاقة بين الطفل ووالديه فإن الطاعة لهما تكون متحققة الوقوع، وعلى الوالدين أن يصدرا الاوامر برفق ولين بصورة نصح وإرشاد، وأما استخدام التأنيب والتعنيف فإنه سيؤدي  إلى نتائج عكسية؛ لأن كثرة العقاب تهون على الطفل سماع الملامة وتخفف وقع الكلام في نفسه، إذ إن للأسرة أثر في تكوين شخصية الفرد ايجاباً أو سلباً.

المبحث الأول

انفتح المبحث الأول على عنونة دقيقة (مبادئ التربية عند الإمام علي) وجاءت تفصيلاته على النحو الآتي:

1ـ تحديد حقوق الآباء والأبناء: من ذلك قوله: ((إن للوالد على الولد حقا، وإن للولد على الوالد حقا، فحق الوالد على الولد أن يطيعه في كل شيء ألا في معصية الله سبحانه، وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويحسن أدبه، ويعلمه القرآن)) ، فوضح المؤلف جمال الألقاب والاسماء الإنسانية والحضارية والأخلاقية مما ميز أئمة الهدى عليهم السلام مثل الحسن والحسين وما يوحيان به من جمال ورقة، وزين العابدين لقباً للعبادة والباقر إشارة إلى العلم والتعمق به، وهكذا الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي.

أما حق تربية الأبناء فللإمام في ذلك وقفات كثيرة منها أهمية التعليم في الصغر لما في ذلك من رسوخ للمعلومة في ذهن الطفل.

2ـ مراعاة فروق الأزمان: شدد الإمام عليه السلام على مسألة التفاوت الزمني بين الآباء في توجيههم للأبناء، ومتغيرات الأزمان وإليها أشار الإمام  فكثير مما يعيشه أبناء الجيل المعاصر يختلف نمطه عن الآباء والأجداد ولا يمكن إجبار الأبناء على تخير طرق غير مواكبة للزمن الذي يعيشونه. ومن ذلك قوله عليه السلام: ((لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم)).

3ـ أفضل طرق التربية وحددها بما يأتي:

– التقسيم الزمني للطفل: وقف المؤلف عند هذه التقسيمات التي هي أشبه بالمراحل العمرية للطفولة وهي مرحلة الطفولة المبكرة وتبدأ من سن الثانية وحتى السادسة، ومرحلة الطفولة المتوسطة وتبدأ من سن السابعة حتى الثانية عشر، ومرحلة الطفولة المتأخرة وتبدأ من سن الثالثة عشر حتى الثامنة عشر أو العشرين، ويتجلى هذا التقسيم في قول الإمام عليه السلام: ((ولدك ريحانتك سبعاً، وخادمك سبعاً، ثم هو عدوك أو صديقك)). كما أكد الإمام على قضية مهمة وهي مسألة اللجوء إلى العقوبات فعدها حلاً أخيرا بعد استنفاد السبل كلها من غير إيذاء مفرط كقوله عليه السلام: ((ولا تكونن ممن لا تنفعه العظة إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ بالآداب، والبهائم لا تتعظ ألا بالضرب)).

– الإقناع والإفهام: وهي من شروط التربية التي بينها الإمام كقوله: ((فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا، فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم، لا بتورط الشبهات، وعلق الخصومات)).

– التعلم بالاكتساب والاقتداء: الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة يكون مقلدا لوالديه في كل شيء بما فيها الإيمان بالله تعالى، وقد أشار الإمام لعلاقته التربوية مع النبي بقوله: ((ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به))، فوضح المؤلف وجوب التعلم بالاقتداء بسيرة الأنبياء والأئمة عليهم السلام والصالحين من الصحابة والتابعين والماضين من علماء الدين، فهم قمم في الفضائل والمكارم لتأثيرهم على مختلف طبقات الناس.

4ـ الوسطية: من المبادئ التربوية التي أوصى بها الأمام هي توخي الوسطية دائماً في التعامل مع الأبناء والأهل، ونبذ الإفراط والتفريط.

5ـ تحذيرات وتحبيبات تربوية: فجعلها أسس يعمل بمقتضاها في التربية كقوله: ((مودة الآباء قرابة بين الأبناء، والقرابة إلى المودة أحوج من المودة إلى القرابة))، وذلك لأن الأحقاد تتوارث بين الأجيال.

المبحث الثاني

والذي جاء بعنوان (تطبيقات الإمام علي لمبادئه التربوية) أكد فيه المؤلف ان أسرار وقع كلام أمير المؤمنين في النفس وتأثيره في المتلقي هو انطباق القول على الفعل انطباقاً تاماً في سيرته كلها، حمل هذا المبحث العنوانات الآتية:

1ـ إعلاء البيوتات الصالحة: البيت الصالح من الشروط التي يستأنس بها الإمام في تخير ولاته، لأنه يرى في ذلك مدعاة لتجنيب الوالي من الوقوع في طمع السلطة وأهواء نهب المال العام، فسيرة الآباء وطيب المنبت ضوابط تضاف للأبناء وروادع قد تنأى بأنفسهم عن الدنايا، يذكرون بها كلما اقترفوا شيئاً للنفس، فمن كتاب له عليه السلام إلى عامله المنذر بن الجارود العبدي وكان قد خان في بعض ما ولّاه من أعماله: ((أما بعد فإن صلاح أبيك غرّني منك، وظننت أنك تتبع هديه وتسلك سبيله، فإذا أنت فيما رقي ألي عنك لا تدع لهواك انقيادا، ولا تبقي لآخرتك عتادا، وتعمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك، ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك، ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يُسد به ثغر، أو يُنفذ به أمر، أو يُعلى له قدر أو يُشرك في أمانة، أو يُؤمن على خيانة)).

2ـ سيرته في أولاده: الإمام مثال الأب الشفيق الحاني لأولاده وأسرته، وسيرته تتعلم منها الأجيال التطبيقات التربوية ومنها أنه ((نظر إلى رجل يغتاب آخر عند ابنه الحسن، فقال: يا بني نزّه سمعك عنه، فإنه نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك))، فخطر الغيبة عظيم على المجتمع، كما حرص الإمام على نشر العدل بين أبنائه في التعامل.

3ـ الرعاية الخاصة: مما حفلت به تطبيقات الإمام في التربية تلك الرعاية للأيتام، فكأنه ملجأ يكفل لهم الحياة الكريمة، وقال موصياً عامله ((وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة مصيباً به مواضع الفاقة والخلات، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا))، ليكون بذلك أول حاكم في الإنسانية يشرع قوانين الضمان الاجتماعي.

4ـ تربية الإمام لنفسه: ويتجلى ذلك في أدب الدعاء، وأدب الوصايا والحكم التي تعد من أنجع التطبيقات التربوية من ذلك قوله: ((إلهي ما قدر الذنوب أقابل بها كرمك، وما قدر عبادة أقابل بها نعمك، وإني لأرجو أن تستغرق ذنوبي في كرمك، كما استغرقت أعمالي في نعمك))، وقوله عليه السلام: ((لا تجعلن ذرب لسانك على من أنطقك، وبلاغة قولك على من سددك)).

قد كشفت هذه الدراسة عن جانب من جوانب العناية بالمبادئ التربوية في فكر الإمام علي عليه السلام، وهي التفاتة ذكية من لدن الدكتور عباس الفحام في اظهار نفحة مباركة من نفحات نهج البلاغة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة