قراءة في ظاهرة التكرار بشعر الملائكة (2)

1758

قراءة في ظاهرة التكرار بشعر الملائكة (2)
ومن المعاني الحديثة التي ادخلها شعراؤنا علي التكرار: “التردد” و “التهيب” كما في البيت التالي لنزار قباني في قصيدةٍ يخاطب فيها قطة!..
(يا… يامزاحمة الذئاب… أري في ناظريك طلائع الغزو)
ان تكرار حرف النداء (يا).. يا مزاحمة الذئاب. يكاد يصبح نكتة لطيفة قصدها الشاعر فكأنه يريد أن يكون خطابه للقطة مهذباً، ولذلك يترفق قبل ان يصفها بمزاحمة الذئاب، فيلفظ حرف النداء ثم يقف لحظة متهيباً ليستجمع شجاعته. ان الكلمة التي يتردد فيها الشاعر لابد أن تحتوي علي حكم صارم من وجهة نظرٍ ما، ومن دون هذه الصدمة التي تأتي بها الكلمة يصبح التكرار عقيماً مفتعلاً. وقد وقع فيه نزار قباني نفسه في قصيدة اخري له. عنوانها “شؤون صغيرة”:
(لعلك يا… يا صديقي القديم تركت باحدي الزوايا… الخ)
فان تكرار (يا) هنا خالٍ من الغرض لانه ليس فيه داعٍ قط يجعل هذه الفتاة تتحرج من ان تنادي المخاطب بأنه صديقها القديم، فهي لا تهينه بالنداء ولا تبوح بأكثر مما باحت به في القصيدة. فما الداعي الي التلكؤ؟!
والواقع ان من السهل أن يقع الشاعر في تكرارٍلا داعي له سداً لثغرةٍ في الوزن وهو امر نجد له مئات الامثلة في شعرنا اليوم خاصة في الشعر الحر الذي اردنا بالدعوي ان نحرر الشاعر من الرقع والعكاكيز فاذا الحرية الجديدة تفقده الاتزان وتجعله يضيع القيم كلها.
واما تكرار التقسيم فنعني تكرار كلمة او عبارة في ختام كل مقطوعة من القصيدة. ومن نماذجه المشهورة قصيدة (الطلاسم) لايليا ابو ماضي. (والمواكب) لجبران. و(الجندول) لعلي محمود طه و(النهر الخالد) لمحمود حسن اسماعيل. الغرض الاساسي من هذا الصنف أن يقوم بعمل النقطة في ختام المقطوعة وان يوحد القصيدة في اتجاه معين. وانما تنصب عناية الشاعر في هذه القصائد علي ما قبل الكلمات المكررة او بعدها. لان التكرار لم يعد هو المهم في القصيدة بطبيعة كونه يتكرر كثيراً، فالأهم منه ما يخفي خلفه. واكثر ما تنجح القصائد التي تستعمل هذا التكرار حين تقدم معاني فرعية قصيرة تنبثق من معني عام اكبر منها فيجيء التكرار خاتماً لفكرةٍ مؤذناً ببدء فكرةٍ جديدةٍ. واما القصائد الموحدة المتسلسلة التي تبلغ قمةً ثم تنحل وتتلاشي فهي تخسر كثيراً باستعمال تكرار التقسيم لان طبيعته تتعارض مع الوحدة العامة للقصيدة، ويكاد كل تكرار يكون وقفة صارمة لا يستطيع الشاعر تجاوزها.
ومما تتجدر بالشاعر ملاحظته ان التكرار يجنح بطبيعته الي أن يفقد الالفاظ اصالتها وجدتها. ويبهت لونها ويضفي عليها رتابةً مملة، ومن ثم فان العبارة المكررة ينبغي أن تكون من قوة التعبير وجماله ومن الرسوخ والارتباط بما حولها بحيث تصمد امام هذه الرتابة. والحق ان التكرار عدو البيت الرديء فهو يفضح ضعفه ويشير اليه حائماً.
ومن الوسائل التي تؤدي الي نجاح تكرار التقسيم ان يدخل الشاعر تغييراً طفيفاً علي العبارة المكررة في كل مرة يستعملها فيها وبذلك يعطي القارئ هزةً ومفاجأةً كل مرة. ونموذج هذا.. قصيدة “خمر الضلال” لمحمود حسن اسماعيل وهي تبدأ هكذا:
لا تتركيني في ضــــــــلالٍ
بين الحقيقة والخيال
اني شربت علي يديك مع
الهوي خمر الزوال
وحين تنتهي المقطوعة يكرر البيت علي هذا النحو:
لا تتكريني زلةً في الارض تائهة المتاب
اني شربت علي يديك مع الهوي خمر العذاب
اما التكرار اللاشعوري فلن يتيح لنا الوقت ان نخوض فيه ومهما يكن من دلالات التكرار الاخري التي قد نكون اغفلناها في هذا البحث فقد آن الاوان لان ينتبه بعض شعرائنا الي ان التكرار في ذاته ليس جمالاً يضاف الي القصيدة بحيث يحسن الشاعر صنعاً بمجرد استعماله وانما هو كسائر الاساليب في كونه يحتاج الي ان يرد في مكانه من القصيدة وان تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات لا بل ان في وسعنا ان نذهب ابعد فنشير الي الطبيعة الخادعة التي يملكها هذا الاسلوب. فهو بسهولته وقدرته علي ملء البيت واحداث موسيقي ظاهرية فيه يستطيع ان يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيري. ولعل كثيراً من متتبعي الحركات التجديدية في الشعر العربي المعاصر يلاحظون ان اسلوب التكرار قد بات يستعمل في السنوات الاخيرة تارةً لملء ثغرات الوزن وتارةً لبدء فقرةٍ جديدة. وتارةً لاختتام قصيدة متحدرة تأبي الوقوف، وسوي ذلك من الاغراض التي لم يوجد لها في الاصل. ولعل هذا لا يوحي بالقلق فلابد لموجة الشعر الحديث ان تستقر وتنتهي الي الاتنزان بعد انتهاء فترة التجربة.
نازك الملائكة 1958
هذا ما كانت قد بحثت فيه الشاعرة نازك الملائكة سنة 1958. وهذا ما انتهت اليه في بحثها يوم كانت قد نشطت فيه حركة الشعر الحر، ويوم رأت فيه موجة لجوء بعض الشعراء الي اسلوب تكرار الكلمة او العبارة الواحدة في القصيدة الواحدة، وحيث كانت تلك الموجة في بداياتها، لذا سمتها (تجربة) ارادت لها في ختام بحثها ان تستقر وتنتهي تلك التجربة الي الاتزان.
واليوم اذا أعيد نشر ذلك البحث فاني بهذا اتساءل: لو كتب لاستاذتنا الكبيرة ان تري ما آلت اليه تلك التجربة اليوم، ماذا كانت ستكتب عنها.. هل نجحت واستقرت الي الاتزان ام انها اخفقت؟
والسؤال عينه مطروح للبحث اليوم امام شعرائنا ونقاد الشعر.
حنا يلدا – بغداد
/2/2012 Issue 4123 – Date 15- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4123 – التاريخ 15/2/2012
AZPPPL

مشاركة