قراءة في رواية معدان أثينا لنعيم عبد مهلهل –  عبد الحسن علي الغرابي

قراءة في رواية معدان أثينا لنعيم عبد مهلهل –  عبد الحسن علي الغرابي

عند قراءة رواية الكاتب ( نعيم عبد مهلهل ) نقف نتأمل عتبة العنوان الملفت للنظر بما يثير فضول القارىء بهذه الدلالة المكانية تحفز لتساؤلات هل أن في عاصمة بلاد فلاسفة الاغريق معدان ؟ والمعروف عن المعدان ومفردها (معيدي ) هم عرب الأهوار في جنوب العراق ، وبما أن الدلالة مكانية لابد أن يكن أمراً مقصوداً ليضع عنوان بلغز شائك محير ، الرواية تناولت رحلة بحث طويلة في خارطة عمل روائي يرسم اوضاع الناس وهمومهم وتوثيق الأحداث عن طريق النماذج الإنسانية بوعيها الاجتماعي والثقافي ويصوغها بلغة ثرية ، خيالاً وعاطفة ونغماً ، يجمع بين القديم والجديد ، ويهذب الذوق بلغة سلسة عذبة كالماء يعكس صور السماء والقصب وزوارق مربي الجاموس ، في هذه الأماكن الساحرة في جغرافية الروائي الذهنية ، يصور بفطنة كل ما ينتاب العقل والأحاسيس ، وبفرح غنائي يحاكي حفيف القصب والبردي على تلك المسطحات المائية التي يتناثر فيها الحب والحنين ونوح وانين داخل حسن ، هذه الأجواء تحرك العاطفة ببهجة وفرح ربما تجعل ميله نحو التعريفات والتصنيفات ؛مثل سؤاله  : هل انا من أصفهان ، من دلهي ، من سمر قند .. ؟  ــ لا يهم أصفهان ودلهي وقرامطة البحرين وميزوبوتاميا ، لهذا التساءل يجيب ـ أنا المنتمي إلى مدن الجاموس ومنها عرف الناس اللبن الرائب والقيمر والعصي الغليظة التي تقاد بها الحيوانات الضخمة . يمكن القول ان حالات البحث تتكرر عبر التاريخ للبحث عن الجذور فالكاتب الزنجي ( أليكس هييلى ) من عائلة امريكية يروي قصة الزنوج في امريكا حيث يشير المترجم جلس عشرات الملايين من الأمريكان قدروهم بمائة وثلاثين مليونا أمام اجهزة التليفزيون وامضوا اثنتي عشرة ساعة على مدى ثمانية ايام متواصلة ليشاهدوا كتاباً اسمه ” جذور ” ــ فلا غرابة أن تتكرر حالة البحث من بلاد النهرين ” ميزوبوتاميا ” ليبادر الراوي بفطنته  ليحزم حقائبه ويحمل في دواخله رؤى وأحلام وذكريات لتبدأ الرحلة للبحث عن جذوره على خطى جلجامش في رحلته للبحث عن عشبة الخلود ، رغم انه يختلف تماما في هدف البحث يسكنه الخيال ويفترش الاوهام للوصول الى حقيقة جده العاشر ، في ص 25 ـ أنا لا أقصد جدي أبو أبي ولا حتى جدي الذي جاء بغربته من طعم الشفاه الأصفهانية قرية في عمق الهور البعيد ، الذي ينسبوه لنا كأصل … جدي نأى بصمته وعروسته الآرية في قرية بسفوح جبل كلاو حسن ومن المستحيل البحث عن سلالته ، فالأثر المختفي منذ أربعة آلاف عام العثور على ذرة تراب من بقاياه معجزة . لكنه ترك جدتي ليتناسل أبناؤها في المكان الأصلي وحتماً سأحتاج الى فحص حمضهم النووي لأعرف منهم ــ قد تكن هذه هي النتيجة التي تتجلى بوضوح ما يرمي اليه الروائي أن ألامتزاج العرقي بين الشعوب ابتدأ منذ أن وطأت اقدام الانسان على سطح هذا الكوكب وهذه حقيقة لازالت دائمة وقائمه قبل ايام قليلة وبعد ان أكملت قراءة الرواية شاهدة تغريده للشاعر سامي مهدي على صفحته في الفي سبوك يقول : اذا حللت حمضك النووي وواصلت قد تكتشف ان اصول اجدادك تمتد الى شتى قارات العالم ، فقد يظهر جدك العاشر منغولياً ، او روسياً ، وان جدتك السابعة أسبانية الاصول ، او بلغاريا ، او حبشية .

فضاء واسع

  حين نتمعن بنظرة فاحصة لهذه الرواية نجد ان الروائي يضعنا أمام فضاء واسع في عالم نص نستشف منه احساسا انسانيا بمن ورثوا من سومر واكد ، اصولهم السامية ليؤكد حتمية الوجود والبقاء عند نهايات الانهر واذرعها المتشعبة ، واغلب الظن ان الأهوار هي الأذرع المتشعبة التي عاش عليها عرب الجنوب المعدان الذين تعايش معهم نعيم عبد مهلهل فترة تنسب كمعلم في مدرسة نائية في هور الجبايش لتكن له نظرة ثاقبة تتسع افاق المسطحات المائية ليجوب بين القصب والبردي بواسطة الشخاتير والمشاحيف ويكتشف عملية طبخ زهورالبردي (الخريط ) فاكهة الهور وكعقار استخدمه السومريون قديماً لعلاج القولون ، هذا ما جعله يتألف مع المكان الذي يوحي بالحب والفرح والعاطفة التي تقودهم حفاة لمارثون الوصول الى قباب الذهب .

لمسنا فيه الباحث الجاد ، المخلص ، ذو المعرفة الرصينة ،الأمين على ما كان ينوي الوصول اليه ، كان يحلق في عالم اتسع في مجال بحثه الغير مجدي عن جده ، مغتربا عن أهله ، أخيرا ينتهي و يقلب ورقة جذوره ويفتح صفحة أخرى تبعده عن هذا النهج الذي لم يتح له أن يبلغ مداه ويحقق ما يرمي الوصول اليه .

ص 138 ” هؤلاء هم سكنة أركاديا ، هم من ودعتهم قبل أيام وعدت الى المكان الذي يشعرك بحياتك التي تعودت عليها منذ عشرات السنين ، وليبقى جدك الأبعد يتوسد المكان المجهول في رابية ما في اعالي الجبال ، اما جدك الثاني فمقبرة دار السلام تؤويه … “

استنباط الواقع

 لقد وفق الكاتب في عملية استنباط الواقع من الخيال وقدم على مائدة السرد السلس الممتع بطريقة تشد القارىء ويمسك به لمتابعة ما تعايش معهم من شخصيات ابتدعها خياله مثل شخصية (ماريا ) ليكن اول معيدي في تأريخ الأهوار يمارس الحب ويتصاهر مع واحده من بنات يسوع من سكنة اركاديا ، حيث يوحي أن هناك استمرار على سطع الكوكب تمتزج فيه الاعراق بين شعوب المعمورة دون الحاجة الى فحص الحمض النووي والبحث عن الجذور . ان من يعرف الكاتب يعرف انه ابن بيئته يعرفها بنسيجها الاجتماعي بما فيها من فقر وضنك العيش وما ينطوي عليه أهلها،   برغم ما هم فيه ، من طيبة ومحبة ، علم وثقافة وعمق حضاري ، تميزت فيه مدينة الناصرية ، لتكن ركناً اساسياُ في بناء شخصية المؤلف الذي يدرك الجيد الأصيل ، ويحسن الإحاطة بأسباب الجودة والأصلة ، ويسعى إلى تعميق فهمنا للمقاصد والمعاني والقيم ، ورواية ( معدان أثينا ) الصادرة من دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع بطبعة انيقة وبحجم متوسط تضمنت سبعة فصول ، احتوت 156 صفحة وربما لم تكن آخر منجز للكاتب الغزير نعيم عبد مهلهل الذي أغنى المكتبة العربية بالعديد من مؤلفاته .

مشاركة