قراءة في  (داخل المكان) للكاتب جمال العتّابي

354

قراءة في  (داخل المكان) للكاتب جمال العتّابي

سرد ممتع يستحضر وطناً

جمعة عبد الله

براعة متمكنة في التفتيش والبحث في اوراق شجرة  الماضي . والتجول في محطاتها عبر قطار العمر  ليجد نفسه في داخل المكان . زمناً ومكاناً . هذه الرحلة العمرية سافرت في دواخل الزمكان قرابة اكثر من نصف قرن من الزمن  تبدأ رحلتها منذ بدايات الخمسينيات القرن الماضي  في اسلوبية السرد المشوق بالمتعة في سياحة الزمن الماضي وعلى عتبات الحاضر . بتوثق  المكان والزمان  . تاريخياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً  بعالمها وشخوصها  الحاضرة  في مساحات  الزمكاني . نجد زمناً عراقياً شفافاً  بمراحله وتنقلاته وتقلباته داخل المكان (العراق) . والزمكان إحدى الموضوعات الحيوية التي نالت قدراً من الإهتمام في مجال الأعمال الإبداعية وقد تجلّت بشكل واضح في كتابات العتابي بصدق ووظفها كحقيقة تسجيلية وثائقية.

تبدأ رحلة العمر منذ  انهى دراسته الابتدائية  ليبدأ ركوب قطار العمر في محطاته المختلفة. بأختصار شديد نجد روح وجسد المكان حاضراً بالوصف والتحليل والحكاية  . في البحث في تضاريس الذاكرة العراقية . منذ انتقلت  عائلته من قرية (الغازية / نسبة الى الملك غازي  تحولت بعد تموز 1958 الى أسم النصر) والانتقال الى بغداد الى مدينة  (الهادي / تحولت بعد  عام 1958 الى مدينة الحرية) . يضم الكتاب 18 مقالة بارعة الجودة في سردها لحكايات الزمن . وخصص لمدينته (مدينة الحرية) ثماني منها . هذه المدينة (العمارة الانسانية الشامخة) جمعت كل الوان الطيف العراقي  المؤتلفة في التعايش والاخاء.

مدينة انيقة

(مدينة الحرية كانت أنيقة بسكانيها  وفي بيوتها نسل طيب ينتمي بكل الاعراق والقوميات  من عرب وكرد وطوائف فسيفساء مختلفة  عن بقية أحياء بغداد الاخرى التي وفد الى بعضها أبناء الريف  الذين وقعت بهم الاقدار للهجرة نحو العاصمة) ص52 . تمدد داخل المكان بحلاوته ومراراته  . تبدأ رحلة قطار العمر من قريته (الغازية) التي تملك بساطة العيش القروية والفلاحية . الى المقهى الطيني الذي يتجمع فيه ابناء القرية في عبق الدخان والغبار  الى الشطرة ومكتبتها الوحيدة  التي ساهمت بشكل فعال في التوعية الثقافية والسياسية . الى شخصية المعلم المناضل (حسن العتابي) الشخصية الشعبية المؤثرة  بنشاطاته السياسية والحزبية (ينتمي الى الحزب الشيوعي) والثقافية والفنية   بجهوده المثابرة في توعية الناس البسطاء . وقد برز بعد ثورة 1958 . كوجه شعبي على مستوى  واسع النطاق . لكنه تعرض الملاحقات  والمطاردات والسجون والاعتقالات . لكنه  ظل مصراً على افكاره السياسية والحزبية حتى وافاه الاجل عام 2007 . . كما عرج على الوجوه الثقافية والفكرية التي برزت في تلك المرحلة . وكذلك الوجوه الثقافية والادبية التي برزت في مدينة الحرية  منهم على سبيل المثال : المبدع الكبير القاص والروائي أحمد خلف . حميد الخاقاني . الشاعر حاتم الصكر . عبدالمنعم الاعسم الكاتب والصحفي . وكذلك عرج على الشاعر الذي برز نجمه الساطع في تلك الفترة  المدرس الشاعر مظفر النواب  الذي اشتهر  كشاعر الشعبي  وبقصائده المشهورة على نطاق واسع آنذاك . مثل قصيدة . الحرز . صويحب  الريل وحمد . كما برز ناشط سياسي وثقافي بارز في الوسط الشعبي والثقافي  . وعرج على المبدعين في الغناء واللحن .  الذين اشتهروا في تلك المرحلة  منهم . فاضل عواد في اغنيته المشهورة (لا خبر) سعدون جابر في اول اغنيته (أفيش بروج الحنيه) فقد كان عامل بناء مع (الاسطه جلوب) . سامي كمال في أول أغنية له (رايح وين) فترك مهنة الحلاقة ليتفرغ الى مشواره الفني وكذلك المطرب والملحن جعفر حسن . المطرب حميد منصور . عازف الكمان فالح حسن . كاظم الساهر  وغيرهم الكثير . هذا عطاء شباب مدينة الحرية . كما عرج الكتاب على معالم بغداد التراثية في المقاهي والمحلات والشوارع . شارع الرشيد . شارع المتنبي تجد فيه  (معنى وعبق  التاريخ) في رحلة البحث عن الكنوز الثقافية والادبية . في رحلة البحث عن الكتب وخاصة أيام الجمع (جمعة المتنبي) ملتقى زوار الثقافة والكتاب .

 * المفارقات بين السخرية والتراجيدية . نقتطف منها هذه  .

– انهى الكاتب مدرسته الابتدائية  والانتقال الى المدرسة المتوسطة في عام 1958 / 1959 . وسافر وحده ليلاً لكي يكون حاضراً صباحاً في مدرسته الجديدة  كانت ليلة مطر وبرد . حشر نفسه مع الركاب في سيارة الخشب القديمة  لكنها لم تستطع المواصلة الطريق  فغطست في الطين ليلاً وتعطلت وسط الطريق المظلم والموحش . يلسعهم البرد والمطر . ولكن برق من بعيد ضوءاً يقترب اليهم  تنفسوا الصعداء بالفرج بأنقاذهم من ورطتهم  وانكشف الامر  كانت سيارة الشرطة   وراحوا افرادها يحيطون  ويفتشون في وجوه الركاب بتطلع غريب  وحين سألوا عن هذه غرابة النظرات   رد أفراد الشرطة (نبحث عن  المتآمر) رشيد عالي الكيلاني . الذي هرب الى مدننا ليحتمي بشيوخ العشائر الموالية له  والمعادين للثورة والزعيم) ص22 . وحين رؤى خبر الحكاية الى أمه  فقالت ببساطة وعفوية (وليدي  أبوك ايضاً كان في تلك الليلة يبحث عن رشيدعالي) ص22 .? عاصر الكاتب تلك الأحداث وعايشها وهو مايزال فتى صغير وعانت عائلته أشد ألوان العذاب بعدانقلاب شباط عام 1963  الذي احدث مجازر دموية ضد اليسار العراقي .

– يوم القبض على (الخنافس) بعد تولي العقلية الرجعية المتخلفة خيرالله طلفاح ليكون والياً على بغداد (المحافظ) قام بالهجوم الارعن على النساء السافرات بشق ثيابهن وتلطيخها بالصبغ بشكل وحشي ومتعجرف . وكذلك الهجوم على الشباب في شعورهم الطويلة . في تجميعهم في اقفاص مخصصة للسجناء ونقلهم الى السجون لجز شعورهم الطويلة بكل وحشية واستهتار  كأنهم سبايا الغزوات . لان رؤوس (الخنافس) يتطالون على أمن الدولة  ويمنعون من  تحرير فلسطين  ولا يتم تحريرها إلا  بقص شعر الرأس  مما حدى بأحد الضحايا ان يحتج على هذه الوحشية (تفو على يا زمن ….. تفو يا بلد) ص114 . وحقاً حل زمن الموت والهلاك العراقي .

-في مقهى نعيس القصية في طرف المدينة فجأة ينتقل أحد روادها (بائع الثلج) إلى أعلى مراتب السلطة بعد إنقلاب مشبوه مدبر عام 68 بالتعاون مع اجهزة مخابراتية اقليمية ودولية فيودع (الأحمر) الكشك نهائياً في زمن الأقدار السياسية الهزلية.

جمال العتابي في كتابه الجديد يختصر وطناً بسرد ممتع وجميل يكاد يرتقي الى مستوى الشعر في العديد من المحطات(الزمكانية) واستطاع الكاتب أن يوظف عناصر البناء السردي الموحي توظيفاً فنياً أهّله أن يقدم نموذجاً متميزاً في الكتابة تداخلت فيه السيرة والحدث السياسي والتاريخ خلال حقبة زمنية طويلة من تاريخ العراق الحديث في الوقت ذاته كشف هذا العمل عن قدرات الكاتب في لغته السردية وأدواته التعبيرية فشكّل الكتاب إضافة نوعية مهمة في هذا الجنس من الكتابة

مشاركة