قراءة في تشابيه داود سلمان الشويلي

418

قراءة في تشابيه داود سلمان الشويلي

تعالق العنوان الظاهر مع دلالات النص المضمر

حسن البصام

ان عتبة النص الاولى والاهم هو العنوان ويسهم في توجيه القارئ ومساعدته نحو الدخول الى اعماقه وتلمس مساراته ،والعنوان هو اشارة الى مضمون النص وسياقاته العامة. هو سلطة النص او النص الموازي او المهيمن على مخيلة القارئ لانه يظل ماثلا امام بصيرته وهو يبحث عن دلالة العنوان واشاراته واضاءاته لمعرفة بواطن النص ورموزه وعلاقاته بالاحداث . عنوان ” التشابيه” مالوف جدا سيقفز ذهنك الى واقعة كربلاء وانت تقرا تبحث عن الواقعة لكنك لن تجدها ستتفاجأ بانها لن تحدث انما في جزء منها استحضارات لتجسيدها في اليوم العاشر وتحول الظروف دون تمثيلها او تجسيدها او استلهامها وفي ذلك مغزى ودلالة عميقة احسب انها اشارة الى السلوك المنحرف وليس الى التجسيد الاخلاقي والعقائدي للواقعة … تلك هي جوهرة الرواية وعمقها المضئ،اصبح العنوان نصا موازيا لمضمون الرواية يسيران جنبا الى جنب ستتشكل المفارقات في مخيلة القارئ وتكبر الدلالات وتتسع الرؤية الى مديات متعددة . هنا يلتقي عنوان الرواية مع تعبير (إمبرتو ايكو)” العنوان قاعدة عليها أن ترن دائماً وتخلخل الأفكار، لدى المتلقي”.

ان حضور العنوان المرسوم في مخيلتنا والذي ننتظر تجسيده حضورا سيميائيا مضيئا في عتبات النص الاخرى ، وفي زمان السرد ومكانه وشخوصه ، يتضاءل فجاة . ينفصل التعالق بين احداث السرد والعنوان ، ليبدأ عنوان اخر مرتبط بدلالات احداث الرواية وماتضمره من اهداف وغايات اخرى .

وان اغراء العنوان لمواصلة الخوض في تجربة النص يجعلنا كثيري الربط بينه وبين الاحداث ،لاننا سنلمس خلخلة او ارباكا في الصورة العالقة في الذهن لحظة قراءته واستدراجه لنا لمتابعة مايحدث . اذ ان العنوان يلتصق في مخيلة القارئ لانه اول كلمة او عبارة تقف أمامه مرحبة ,ستظل الملامح الاولى التي رسمها في ذهنه ماثلة وهو يجوب في عالم النص .الا ان تواصل القراءة في رواية التشابيه تقود الى دلالات اخرى للعنوان الذي ظل على استقامته في المسارموازية لاحداث الرواية.حيث تبدأ وظيفته الايحائية راكزة بقوة عند النهاية مشكلا علامة فارقة بين احداث الرواية ورمزية العنوان. فاذا كان العنوان هو الرحم الشرعي لدلالات النص فاننا نجد ان العنوان قد ولد توائم من دلالات متشابكة ،عقائدية واجتماعية .

كلمة التشابيه

والذي يثير التامل: ان كلمة التشابيه وردت في الرواية (33)مرة في حين التشابيه في االيوم العاشر من محرم لم يتم تمثيلها بسبب هطول امطار غزيرة ورياح شديدة وبرد قارس، برق ووميض اثار الرعب والخوف فلم يحضر احد..يقول الروائي: ” اما ارض الساحة التي اعدت لتكون ساحة معركة بين جماعة الامام الحسين ،وجماعة يزيد ،قد غرقت بمياه الامطار،واصبحت قطعة من الوحل اللزج ،وبعد ان توقف المطر ،ويبست الارض،اصبحت سبخة ، فلم يمر بها احد منذ ذلك اليوم وحتى كتابة هذه السطور”

هنا يتساءل القارئ اذا لم يتم تجسيد التشابيه التي تحمل الرواية اسمها ، فماهي مرتكزاته السردية ونقاطه التي يريد ان تضئ في عتباته النصية .اذ ان عتبة العنوان هي الاشارة الاولى او السهم الذي يشير الى اتجاه مسيرالكاتب . من المؤكد فان اسئلة شتى سوف يطرحها المتلقي عند نهاية الروايــة .

قسم الرواية الى ثلاثة اقسام :

1- التنازع على قميص عثمان : بدا بالتنويه قائلا: “رأيت ان من يقرأ هذه الصفحات سيقف اكثر من سؤال في طريقه ، لما فيه من ثغرات وفجوات ، ليس في نوعية الكتابة ، او في فنيتها ، وانما في غياب بعض الاحداث ، فدفعني ذلك للبحث وطرح مئات الاسئلة وتقصي الحقيقة في عقر دارها ، فكان القسم الثاني وهو (رواية ماحدث بعد ذلك –” تقولات الناس”) التي جاءت بمثل الهوامش التي يدونها قاريء كتاب ما يعرف عن موضوعه اكثر مما يعرف مؤلفه “

وهنا لابد من استحضار القصة الحقيقية لمعرفة مايضمره الروائي من دلالات واستنتاجات وتاويلات .

حيث انقسمت الأمة الاسلامية عند مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان الي فريقين فريق اصر على الاخذ بالثار وفريق اخر اخذ برأي علي ابن طالب الذي طلب منه اخذ الثار ، فاعتذر إليهم ،أنه لا يمكنه ذلك الأن وقال : حتى أنظر في هذا الأمر. فحدثت الفتن وانقلب امر الامة ،ومن يومها عرف “قميص عثمان ” .دليلا على الفتنة والانقسام .

2- رواية الأحداث ” وقائع ما حدث في المدينة” .

اشارت التشابيه الى خفايا اللعب السياسية اواستغلال المشاعر الدينية ، هذه اللعبة القذرة التي اتقنها اعداء السياسة واعداء الدين وكما اشار الروائي الى راي فرج فودة ( المسالة كلها باختصار انه عندما تفلس الاحزاب ويفلس السياسيون يلعبون على المشاعر الدينية لانها المدخل السريع لمشاعر الناس وليس عقولهم وهذا الخلط بين الدين والسياسة هو الخطر )

وكما يقول الروائي ” لقد ثبت ان التاريخ الماضي لي على اقل تقدير مازال يعيش معي، و”مداف” مع دمي ،وكل خلايا جسمي، حيث ان كل خلية تموت يوميا تسلّم امانتها من هذا التاريخ الى التي تولد حديثا . هكذا ولدت هذه الرواية فبين سطورها وبين خلايا ودم جسمي علاقة وشيجة لاتنفصل”

دارت احداث الرواية حول حدثا وقع قبل اكثر من 1430 سنة تجسدت في واقعة البطولة والاباء واقعة مقتل الحسين واصحابه عليهم السلام في العاشر من محرم .. وتناولت احداثا في الستينات وقد سعى الروائي بذكائه المعهود واتقانه حرفية السرد لحبك ثيمة متماسكة منذ بدء الرواية وحتى انتهائـــها ..

تتجسد احداث الرواية من مجموعة شخوص مختلفي الاتجاهات والمستويات الاجتماعية اختارها الروائي بدقة في مدينة الناصرية وفي اماكن لازالت شاخصة وبارزة في ملامح المدينة وهم :

الرجل الميسور المتنفذ الذي يسعى الى فرض كلمته ورأيه واختياره (الحاج فريح) حيث بنى مسجدا في القرية ، وان لبناء المسجد دلالة واضحة الى تجسيد هيمنة الحاج فريح حينذاك على الاخرين بل وهو الذي يحدد من يقوم بتمثيل الواقعة في التشابيه ..

وكذلك الخادم جاسم الاعور الذي ينحو نحو الشر والذي استقدم (الملحة )الى الحاج فريح رغم حبه لها .

وإمام الجامع ( الملة ابو ناجي) شخص يشتبه به انه المزروع من قبل ايادي الامن لتقصي حراك الشباب المناهض للحكم خاصة الشباب الذين يسعون للاشتراك بالتشابيه من اجل ايصال افكارهم للعامة من الناس مهدي وهادي ولدي الشيخ عبد الكريم .وجمال وسليم من اصدقائهم .

وشخص هامشي يغلب عليه الخبل ( خبالو) الذي يبدو فيما بعد ارتباطه بقوى خارجية وعمالته لاسرائيل .

و (جاسم الاعور) الذي ينحو نحو الشر ، وينفذ كل مايطلب منه . وهو مغرم قد سعى للزواج من الملحة .

وامراة اثارت لغطا كبيرا (الملحة)التي انتقلت بين احضان الرجال بسبب الفقر وتركها عائلتها على يد جاسم الاعور والتي تنتهي بوشاية الملة ابو ناجي حيث سعت الى تمثيل دور العقيلة زينب تكفيرا عن سفالتها .

والشيخ عبد الكريم رجل ورع ،صاحب المكتبة اعتاد على الاذان وقراءة القران،حذر من انخراط اولاده في الاحزاب بل وحتى الاشتراك في التشابيه. وعدد من الشخصيات الاخرى الهامشية او الثانوية مثل شرجي قامة، وحميد الطويل.

بعضهم اتى من خارج المدينة مثل الملحة والحاج فريح الذي يجئ به لزرعه جاسوسا وسط اهالي المنطقة .واخرين من داخل المدينة او من اطرافها ..المهمشون هم اكثر فاعلية في عمق المواقف مثل الملة وخبالو .

الروائي حاضر في احداث الرواية وهو العليم بكل شئ بل انه يمارس سطوته واستعلائه على الاحداث، رغم وصفه لنفسه انه “مرتب الاحداث”، من خلال كشف هويته للقاري بشكل مباشر .. شاهدُ على العصر بكل حواسه وهو يتحدث عن الايام الخوالي تلك التي انطوت زمنيا لكنها حاضرة في المعنى او تجدد الامكنة السالفة عبر استعادة المقارنة سواء كانت شبها او مغايرة , وهي تختلف عن سرد وقائع ماضية كما حدث في الف ليلة وليلة والروايات التاريخية القديمة والمعاصرة ، شاهد بكل التفاصيل وبقوة منذ الاستهلال حتى اخر عبارة قالها بعد ان غادر احداث الرواية :

قال في الاستهلال :

” اليك يا من سألتني – اعزك الله – ما كنت ترغب بقراءته من صفحات عن الايام الخوال ، وما حدث فيها في مدينتي 0

انا داود بن سلمان الشويلي ، وضعت اسمي على هذه الصفحات لا لشيء سوى لانني قمت بعملية تنظيم وتدوين احداث سجلتها ذاكرة المدينة 000 فكان القسم الاول الذي حاولت صبه في قالب ادبي فني ، وعند الانتهاء من تدوينه ، رأيت ان من يقرأ هذه الصفحات سيقف اكثر من سؤال في طريقه ، لما فيه من ثغرات وفجوات ، ليس في نوعية الكتابة ، او في فنيتها ، وانما في غياب بعض الاحداث ، فدفعني ذلك للبحث وطرح مئات الاسئلة وتقصي الحقيقة في عقر دارها ، فكان القسم الثاني وهو (التقولات ) التي جاءت بمثل الهوامش التي يدونها قاريء كتاب ما يعرف عن موضوعه اكثر مما يعرف مؤلفه0″

وقال حين اعطانا ظهره وقد انهى رويه بالتمام : “الدين كان فخا نصبته الحكومة للاهالي,الدين كان فخا نصبه الاهالي الى الحكومة،فتاه الجميع ،الدين والناس والحكومة . وتبقى الصورة واحدة الا ان لها تاويلاتها الكثيرة “

منظم الاحداث

وقد ختمها بعبارة منظم ومرتب الاحداث كما في الاستهلال .

3- رواية ماحدث بعد ذلك “تقولات الناس”

يقول عنها “هي شبابيك يدخل منها الهواء النقي لتغيير هواء الغرفة /الرواية”

ويقول في مكان اخر: ” جاءت لتعرية الروح الثورية التي تبحث عن نضال في مجال اتخذته الحكومة ايضا لضرب هذه الروح الثورية “

ولانه متمكن من نسيج السرد فقد قصد ان يدون اراء شخوص الرواية في تنامي الاحداث والغازها على شكل تقولات اربعة او باسم ( رواية ما حدث بعد ذلك “تقولات الناس”)

هل كان الروائي منظما ومرتبا لاحداث الرواية ام صانعا ماهرا لاستفسارات ظاهرة وباطنة عما جرى ويجري الان وكانه كان يسعى الى تاسيس قاعدة ان استغلال الدين هو من اخطر محاور المناورات لتحقيق الغايات غير المبدئية والاخلاقية وغير الانسانية وهي لعبة مارسها السياسيون وكذلك الاهالي لاكمال دورة الفساد.مستترين به مهيمنين على عواطف الناس ومشاعرهم.

اظن انه نجح في اعادة صياغة الرؤيا العقائدية متمكنا من عدم استفزاز القارئ المفاجئ وقد جعله متاملا وليس محتجا بالفطرة . لقد وطأ الخط الاحمر بقدمه دون احتجاج عليه. من خلال تاكيد ان استلهام العبر والغايات النبيلة ليست في شكلية الامور وانما من خلال جوهرها والاقتداء بها سلوكا اخلاقيا ناضجا .

الروائي زرع في واحات القراءة شتلات الاسئلة المتعددة في زوايا النظر ..اسئلة غائمة الافق او مشرقة بمباشرتها ..وظف احداث ستينية يمكن ان تحدث في اية فترة زمنية منذ حدوث الواقعة وحتى الان ..

هل نجح الروائي في تجسيد عبارته ” فدفعني ذلك للبحث وطرح مئات الاسئلة وتقصي الحقيقة في عقر دارها” ساعيا الى التقاط اجوبة شافية ؟

عندما انهى الروائي احداث الرواية ..كتب في صفحة لاحقة بعد ختمها “الدين كان فخا نصبته الحكومة للاهالي .الدين كان فخا نصبه الاهالي الى الحكومة .فتاه الجميع ،الدين والناس والحكومة .وتبقى الصورة واحدة الا ان لها تاويلاتها الكثيرة “

لقد اثارت الروائي من وجهة نظري مداخلات في غاية الحساسية :

1- ان استلهام واقعة الطف وتمثيلها لغايات سياسية واجتماعية ونفسية وليست عقائدية او اخلاقية.

2- توظيف الدين من اجل استغلال العقل المتعاطف وتوجيهه نحو مصلحة ذاتية حيث ضمَّن الروائي قول جيفارا ” “إن أبشع استغلال للإنسان هو استغلاله باسم الدين، لذلك يجب محاربة المشعوذين والدجالين حتى يعلم الجميع أن كرامة الإنسان هي الخط الأحمر الذي دونه الموت)

3- تفشي التخلف والفقر في اوساط المدينة وقصباتها واستغلال التخلف والجهل العقائدي والفطرة السليمة لعامة الناس من قبل منتفعين وفاسدين، لتحقيق غايات دنيئة ويحدث ذلك في كل زمان كما هو زمننا الحاضر.

4- فساد الانظمة وتبعيتها لقوى خارجية ،أي ان الالة المعادية تتربص بنا بادوات مختلفة حسب العصر الذي نعيش فيه .

5- انتهاك شخصية المراة واستباحتها.

6- لقد قال ” لايمكن اعادة الماضي ،ولكن يمكن تذكره” واحسب انه اعاد الماضي الى حاضرنا للتشابه الكبير في خطوطها . وان توظيف العقائد الدينية في ارساء قواعد سياسية للهيمنة والاستحواذ قائمة في كل العصور .

…………………..

رواية “التشابيه” للاديب الروائي والناقد داود سلمان الشويلي صدرت الطبعة الاولى / 2019عن مطبعة الحسام /الناصرية من 154 صفحة من القطع المتوسط .

مشاركة