قراءة في تجربة المخرج بشار عبد الغني

213

قراءة في تجربة المخرج بشار عبد الغني
تهشيم العلامات الأرسطية علي الخشبة
مروان ياسين الدليمي
قبل الدخول في القراءة النقدية لتجربة المخرج المسرحي بشار عبد الغني لابد من مرور سريع علي محطات مهمة من سيرته الفنية : فهو من مواليد الموصل 1968 ويحمل شهادة ماجستير في الاخراج المسرحي/جامعة بغداد/ كلية الفنون الجميلة، ويستعد هذه الايام لمناقشة اطروحته العلمية لنيل شهادة الدكتوراه من كلية الفنون الجميلة/ جامعة الحلة، حالياً يشغل منصب مقرر قسم الفنون المسرحية في كلية الفنون الجميلة/جامعة الموصل، من اعماله المسرحية التي قدمها خلال مسيرته الفنية : الاخوة ياسين، هجرة الطيور الخشبية، هبوط تيمورلنك، الظلمة، الفيل يقيم مأدبة سمر،شَعر ُمستعار،لاآت امرأة، الحريق، رقعة شطرنج .

هيمنة التشكيل
يمثل بشار عبدالغني صورة واضحة لافاق المشهد الاخراجي في المسرح العراقي الحديث في مدينة الموصل، مسرح يطلق العنان لسلطة التاويل وهو يسعي لتأسيس فضاء جديد لخطاب ألعرض المسرحي. ان هذا المخرج الشاب يهدف في مشروعه الاخراجي : الوصول الي ما هو جوهري. من خلال اكتشاف العناصر الجمالية والتجوال داخل اهتزازات الروح. وعلي الرغم من قلة اعماله. لكنها تستقر بنا الي قناعة واضحة: بان هذا الفنان حينما يتصدي بكل طاقته الانسانية لخشبة المسرح فهو يسعي لتأثيثها بتراكيب وانشاءات حاضنة لانفعالاته الذاتية المختزنة، وهو يختلف عن غيره باستنهاضه للمقاربات الجمالية التي تسير الي مقاصده التجريبيـة. عندما يلعب لعبته علي المسرح، ومع كل ما يفعل فهو يرتـمي في عوالم كبيرة جداً لكنه يصر علي اختزالها،وهو بنفس الوقت ينفتح عليها بكل طاقته العاطفية، وعادة تتسم عروضه بطغيان التشكيل علي مساحة واسعة من سينوغرافيا العرض مستوعبة بذلك كل علامات واشارات الخطاب المسرحي.. ومن هنا يمكننا القول ان بشار قد اقترب خطوة خطوة من اكتشاف خبرته الجمالية، وكان للقراءة المستمرة والاطلاع علي تجارب الاخرين : الميدان الذي حرره من قيود المتوارث من الاساليب والمعالجات، وبدأ يمضي باتجاه آخر، ومسارات اخري، لم ترسمها فرشاة العملية الاخراجية في مدينة الموصل، كما اعاد صياغة الاسئلة الاخراجية في نتاجاته المعدودة ليصل الي ما هو ابعد مما هو مرئي، وبدأ واضحاً هذا الخطاب الجمالي الجديد في عمله المسرحي »رحلة الطيور الخشبية« التي سعي من خلالها الي بناء منظومة انساق مشفرة تهيمن عليها العلامات التي تضع المتفرج في موقف حرج وتقذف به الي شواطيء التأويل وهو يسعي من خلالها الي التجوال مع الشخصية التي رسمها في دروب الاسي – داخلاً وخارجاً – وانتج بعمله ذاك عجينة ثنائية للوطن والمنفي، الشرق والغرب، المادة والروح.
تهشيم التمركز
لقد حاول بشار منذ بدايته الاولي ان يسبغ علي مشروعه الفني شكلاً مشتعلاً بالحداثة حاول من خلاله ان يستنهض كل جماليات الواقع الكافر ثم لينقلب عليها ويجد لها معادلاً صورياً احال المفردات الواقعية الي ارتباطات متشابكة ولو شئنا العودة الي نقاط الشروع الاولي والتأسيسية للفضاءات الجديدة في المسرح العراقي والتي كانت افتراقاً جمالياً ورؤيوياً للمهمة الاخراجية، فلا بد لنا ان نتوقف عند عراب الحداثة في المسرح العراقي المخرج صلاح القصب – الذي وضع اللبنة الاولي لنهج تفكيري جديد تصدي لكل المفاهيم التقليدية المستغيثة عادة » بالحوار،ووحدة المكا ن والزمان «. وليفتح الباب واسعاً بهذا النهج امام سلطة جديدة تسعي لتهشيم التمركز الكائن في مرئيات الواقع والاقتراب نحو الحدس كشكل وآلية للمعرفة الذهنية المجردة للوصول الي الحقيقة، هنا اصبحت الذات هي المنطلق للتعبير عن كل الاحباطات والهواجس والاحلام والعوالم المحيطة.
ان هذه الثورة الفنية التي اعتمدت علي التخاطب “الصوري” حلقت بالعرض المسرحي الي افاق عالية جداً بعيداً عن “الشيئية” لتصبح لغة المسرح لغة اخري لا تسقط في المناهج المعيارية المتوارثة بل أسست خلاصاً بصرياً ذي منظومة لغوية خاصة.
لقد كان لهذا المشروع الحداثوي في المسرح والذي بدأت تتضح معالمه في ثمانينات القرن الماضي علي خشبة المسرح العراقي، وبدأ يزج بكل ثقله في تسعينات القرن الماضي أن يطيح بكل مفردات ومفاهيم المنطق الفني للمسرح الارسطي والذي ظل يهيمن علي السياق العام للمسرحي العراقي منذ التاسيس وحتي مجيء المخرج صلاح القصب، وهكذا شهدنا اسماء كثيرة ولِدت من رحم هذا التيار الجارف وشكلت تقاطعاً حاداً مع ما سبقها من اجيال وتجارب والمخرج بشار عبد الغني من بين هؤلاء الذين حلقوا بعيداً عن القياسات الارسطية التي قيدت المسرح العربي عقوداً طويلة والقي بنفسه خارج المنطق الموضوعي للاشياء وهو يتلمس طريقه الفني علي خشبة العرض في محاولة منه لتاكيد اللامنطقي واللامعقول في حركة الاشياء المرئية/المنطقية..
تشفير الصورة المسرحية
اننا عندما نعاين البناءات الجمالية لهذا المخرج الشاب نجده يهشم كل العقد والعلامات الارسطية من احشاء النص المسرحي. ليبدأ هو في صياغة نص آخر لا يصلح للقراءة اكثر مما يصلح للمشاهدة هذا النص الجديد يحمل لغة مشفرة تعطي الذات السلطة الكاملة.
لتوليد الصور بلا حدود وليلعب الخيال لعبته الحرة في تكوين انساق العرض ولتصبح الصورة اكثر الانساق تاثيراً في العرض لانها تصدم ثوابت وافاق المتلقي لما تحمله من تكوينات حركية مشفرة تنقل الخطاب المسرحي الي مستويات عليا من الدلالات.
ان براعة بشار في قدرته علي التحويل الثوري للعلاقة الايقونية مع الاشياء الملموسة. ليجعل من التشفير هو القانون الذي يحكم العلاقة بين كل الاشياء إذ لم تعد مفردات العصي الخشبية والماسحات وجسد الممثل والسرير بنفس الوظـيفة الواقعية المتداولة. بل بدأت تأخذ ابعاداً ودلالات اخري اكثر فاعلية ولتصبح حاملة لمستويات متعددة من المدلولات والاشارات التعبيرية.
ان المخرج بشار يوغل كثيراً في تشفير انساق العرض المسرحي »السمعية والبصرية« لينشيء خطاباً مسرحياً معباً بالدلالات والتي ليس من السهولة فك رموزها، فالامر هنا يقتضي من المتفرج جهداً ابداعياً للامساك بها وهذا يعود الي ان العرض المسرحي لدي مخرجنا ممغنطاً بالكثير من القيم الرمزية ذات الامتدادات اللامتناهية والتي تجعل الخطاب المسرحي بانساقه المشفرة مفتوحاً علي مستويات تأويلية متعددة.
/4/2012 Issue 4164 – Date 3- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4164 – التاريخ 3/4/2012
AZP09