قراءة ستراتيجية في تهديد تنظيم داعش للأمن الخليجي

737

 قراءة ستراتيجية في تهديد تنظيم داعش للأمن الخليجي

عماد علو

تمهيد

ظل خطر وصول الإرهاب من العراق إلى دول الخليج يؤثر في رسم ملامح سياسات الدول الخليجية  تجاه العراق، حيث كان التوجه السائد في هذه الدول  يعتبر أن العراق يمثل مصدر تهديد لأمنها. الا أن تطور الوضع الامني باتجاه التدهور السريع في العراق وسوريا وعدد من بلدان ما يعرف ببلدان الربيع العربي أدى الى تبلور قناعات جديدة لدة حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مغاير عما كان سابقا” خصوصا” بعد أن تم الكشف عن  تشكل شبكات لتجنيد الشباب من الخليج للقتال في صفوف “داعش” و”جبهة النصرة” في سوريا على وجه التحديد، ومع تزايد تأثير “دعاة تويتر”، مثل محمد العريفي وعدنان العرعور، الذين دأبوا على دعوة الشباب للقتال في صفوف “داعش”. كما أعلنت وزارة الداخلية السعودية، في 6 مايو 2014، عن ضبط خلية تنتمي لتنظيم داعش الارهابي ، تتألف من 62 عضوًا معظمهم يحمل الجنسية السعودية، كانوا يعملون على تجنيد الشباب من السعودية واليمن للجهاد في سوريا. في ذات الوقت بدأ الوضع الأمني المتفاقم في العراق يمثل القلق الأكبر في الوقت الحالي بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي. بعد أن سيطر تنظيم داعش الارهابي على مساحات شاسعة من العراق تضم ثاني اكبر مدينة عراقية هي الموصل وعدد من المحافظات والمدن الكبيرة الاخرى بالإضافة الى حقول نفطية وسدود ومحطات كهرومائية.

تداعيات أمنية

ان احتمالية امتداد وتأثير ما يجري في العراق بات مصدر قلق كبير لأمن دول مجلس التعاون الخليجي يمكن تأشيره من خلال ما يأتي :

1.         الخطر الطائفي الذي تكرسه هذه الأزمة، ليس فقط في العراق، وإنما في منطقة الخليج ككل، بالنظر إلى العديد من التحليلات التي تُرجع نشأة الأزمة الجارية في العراق إلى عوامل طائفية بالأساس ترتبط بسياسات التهميش والإقصاء الطائفي التي اتبعتها الحكومة في العراق، وهي بيئة مثالية تنشأ فيها التيارات المتطرفة، مثل تنظيم داعش. لذلك، ظهرت في الأيام القليلة الماضية تقارير أمنية تحذر من أن احتمالات دخول المنطقة في نوع من الحرب المذهبية تظل قائمة، بما يحمله ذلك من مخاطر فعلية على أمن دول الخليج العربية التي توجد بها أقليات شيعية تختلف نسبتها من دولة إلى أخرى. وقد اثبتت الاحداث والوقائع وجود العديد من جنسيات خليجية من مقاتلي داعش ، فتقديرات وزارة الداخلية السعودية، على سبيل المثال، تشير إلى أن نحو 1200 سعودي انضموا إلى متشددين إسلاميين في المعارك الدائرة في سوريا والعراق ، من ضمن نحو 11 ألف مقاتل أجنبي ينتمون لنحو 70 دولة  ، الامر الذي قد يشكل خطرا” كبيرا” على امن دول مجلس التعاون في حالة عودة هـــؤلاء الى بلدانهم .

2.         أن تنظيم داعش الارهابي لا يستهدف دولة دون أخرى، ولا يقتصر على الداخل العراقي فقط وإنما مخططه يشمل المنطقة برمتها ، وتحديداً دول مجلس التعاون الخليجي، على نحو ما تعكسه الخريطة الجديدة للعراق التي نُشِرت أخيرا من قبل التنظيم، والتي شملت حدودها دولة الكويت، مما دفع وكيل وزارة الخارجية الكويتي، خالد الجار الله، إلى التعليق قائلاً ”لقد أشرنا إلى خطورة الموقف في العراق سابقا، وداعش لا تستهدف الكويت فقط، وإنما المنطقة بأكملها، والخريطة التي نشرت تؤكد هذا الكلام”، مؤكدا أن ”الخطر موجود، وعلينا الحذر، وعلينا التحرك بشكل جيد على مستوى التنسيق الأمني بما يحصن جبهتنا الداخلية في دول التعاون”. كما اصدر تنظيم داعش تهديدا” في مايو الماضي 2014، بالتمدد إلى الدول الخليجية، ردا على الإجراءات الأخيرة التي أقرتها بعض الدول الخليجية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لمكافحة الإرهاب بشأن العائدين من سوريا. وتشير تقارير صحفية الى أن الهدف الاول ستكون دولة الكويت حيث دعا تنظيم داعش نحو عشرين ألف مقاتل خليجي وعربي للانتقال إلى الكويت.

3.         ان نجاح استمرار دولة الخلافة التي اعلن داعش عن قيامها على اراضي مغتصبة في العراق وسوريا ، سيفرض تهديدات عديدة، ليس فقط بسبب تداعياته السلبية على بنية الدولة الوطنية التي تنشأ فيها، وإنما أيضًا بسبب الأثر الانتشاري الذي قد يحدث نتيجة نجاح تجربة تأسيس إمارة ما دون تمكن الدولة من مواجهتها ، و وضع حد سريع وعاجل لتنظيم داعش في العراق سيجعل التداعيات بالنسبة لدول الخليج المجاورة مفتوحة على احتمالات عديدة، قد يكون من بينها سعي هذا التنظيم إلى خلق ظهير قوي له في إحدى هذه الدول، عبر آلية التجنيد عن بعد.

4.         ان تدهور السلم الاهلي في اليمن وحالة الاقتتال والحرب الدائرة منذ سنين بين اطراف يمنية عدة مع وجود تنظيم قوي لداعش هناك قد يكون عاملا” مشجعا” لداعش على تكرار التجربة العراقية، والتي يُجملها البعض في “ضعف قدرة الدولة على بسط نفوذها على المناطق الطرفية والحدودية، والفراغ السياسي والأمني الناتج عن اتساع النطاق الجغرافي للمناطق التي تسيطر عليها بعض الميليشيات داخل الدولة التي تشهد صراعات داخلية، وزيادة معدلات التوظيف السياسي للشعارات الدينية، وانتشار المد القاعدي الأصولي، بالتوازي مع ضعف الخطاب الديني الوسطي . ولا شك في أن تكرار هذا النموذج في اليمن يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي ليس فقط للمملكة العربية السعودية تحديداً بحكم الجوار الجغرافي، وتماس الحدود بين الدولتين، بل لدول الخليج الاخرى ايضا” وللسلم الاقليمي والدولي ايضا” بحكم وقوع اليمن على باب المندب المضيق الاستراتيجي بين البحر الاحمر والمحيط الهندي والذي تمر عبره مئات ناقلات النفط الى اوربا .

مواقف حذرة

لايزال موقف دول مجلس التعاون الخليجي من تفاقم التهديد الارهابي المتمثل بتنظيم داعش في العراق ، يتسم بالحذر، وذلك رغم تصنيف السعودية لـ”داعش” على أنه تنظيم إرهابي، ورغم ما تشير إليه تقارير من طلب العراق المساعدة من دول الخليج، حيث توجد عدة قضايا أخرى “شائكة” بين العراق ودول الخليج، لا يمكن إغفالها تعتبرها دول الخليج تهدد أمنها بدرجات متفاوتة، مثل الاهتمام الخليجي بمستقبل الوضع السياسي للسنة في العراق، والذي ظل يمثل محور توتر بين العراق وكل من السعودية وقطر على وجه التحديد طوال الفترة الماضية، وبدرجة أقل البحرين، حيث عبرت السعودية وقطر، في أكثر من مناسبة، ومن خلال التصريحات الرسمية والسياسات الفعلية، عن تفضيلهما وجود تمثيل متوازن للقوى السنية في العراق . كما لاتزال دول الخليج تشعر بالقلق ازاء ما تعتقده تبعية العراق لإيران، والتي تعد متغيرًا مهمًا في العلاقات بين العراق ودول الخليج، خاصة السعودية، التي تفضل أن يكون هناك سياسة مستقلة نسبيًا للعراق عن إيران، خاصة فيما يتعلق بالقضايا التي تهم دول الخليج، مثل قضية البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل التغيير السياسي في دول الخليج، وأمن الخليج، حيث أن التوجهات المعلنة لبغداد، بخصوص هذه القضايا تفيد بتبعية السياسة العراقية بدرجة ما للسياسة الإيرانية. في ذات الوقت فان العراق هو الآخر يشعر بالقلق والتوجس من استمرار بعض الاطراف والقوى في السعودية وقطر  بدعم وتمويل تنظيم داعش الارهابي في العراق وسوريا.

الادراك الخليجي

رغم تعدد القضايا التي قد تعرقل تقديم دول الخليج دعم غير مشروط للعراق في حربه مع تنظيم داعش الارهابي ، سواء على المستوى السياسي أو الأمني، إلا أن أمن هذه الدول، يظل معرضًا للتأثر بما سيتمخض عنه  القتال في العراق ضد تنظيم داعش فان تأثيراته ستمتد إلى الدول المجاورة، بشكل أو بآخر. وقد حاولت دول الخليج منفردة ومجتمعة اتخاذ بعض الاجراءات الاحترازية للمحافظة على امنها الداخلي ، ضد احتمالات تمدد تنظيم داعش داخل دول الخليج،  حيث دعت الكويت إلى تنسيق أمني بين دول مجلس التعاون الخليجي لتحصين الجبهة الخليجية الداخلية ، فيما  عبرت المملكة العربية السعودية عن أسفها البالغ للأحداث الجارية في العراق، ودعت إلى تنسيق دولي لمواجهة ظاهرة الإرهاب، ورأت أن الإرهاب يعد من أخطر التحديات التي تواجه المجتمع الدولي، وطالبت في السياق ذاته المجتمع الدولي بسرعة اتخاذ الإجراءات المناسبة لإنهاء الأزمة السورية، بحسبانها السبب الرئيسي في خلق العديد من البؤر الإجرامية. أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فدعت إلى التصدي له ،والتعاون الإقليمي والدولي الفاعل في التحرك. هذه المواقف الأولية تعكس بشكل أو بآخر أن هناك إدراكا خليجيا لمخاطر تنظيم داعش الارهابي أمنها الوطني ، فالحدود بين العراق ودول الخليج قد تسمح بتسلل عناصر من ذلك التنظيم إلى تلك الدول، خاصة دولة الكويت، والمملكة العربية السعودية. غير أن هذا الإدراك لم تتم ترجمته بعد مواقف فعالة وآليات تعاون عملية بشأن التعامل مع التداعيات المحتملة لهذا الخطر الارهابي المحدق بالمنطقة خصوصا” والعالم بشكل عام .

استنتاجات نهائية

لقد ثبت اليوم بالوقائع  أن خطر التطرف ليس محصورا في منطقة دون أخرى، وأن أمن واستقرار العراق هو مصلحة إقليمية بالدرجة الأولى . لذلك فان على دول الخليج عدم الاكتفاء بالإجراءات الأمنية الاحترازية في التعامل مع انخراط مواطنين خليجيين في أعمال قتالية في الخارج لأن الاكتفاء  بمثل هذه الإجراءات يبدو أمرا غير كاف في التعامل مع أزمة أمنية بحجم تلك التي يشهدها العراق، فالأمر يتطلب تعاون فعال على مستوى الأمن والدفاع في دول مجلس التعاون الخليجي مع العراق للتنسيق والتعاون لمواجهة الاخطار و التداعيات المحتملة لتطور الأوضاع في العراق، وضرورة أن يتم تقييم كافة البدائل بشكل منتظم، وفقاً لما تشهده الساحة العراقية من مستجدات. فالأزمة العراقية مرشحة لأن تأخذ منحنى إقليميا أكثر عمقاً، نظراً لمخططات داعش الإقليمية، وسعيه لاستثمار البعد الطائفي المرشـــــــــح للتفاقم في المنطقة ، وما قد يحمله ذلك من تهــديدات مباشرة لأمن دول مجلس التعاون الخليجي.

اتضح بما لا يقبل الشك ، أن تجاهل ما يجري في العراق، لا يعني أن تأثيراته لن تصل الى دول الخليج ، لذلك فأن التعاون والتنسيق الخليجي مع الحكومة العراقية الجديدة برئاسة الدكتور حيدر العبادي قد يكون فرصة مناسبة  لتبني دول الخليج استراتيجية جديدة  تجاه العراق تجمع بين احتواء المخاطر والتهديدات التي يطرحها العراق، والانخراط معه، من خلال خلق مصالح اقتصادية مشتركة، ففي ضوء التطورات التي يشهدها العراق، لم يعد من مصلحة دول الخليج تجاهل ما يحدث فيه، أو الاستمرار دون وجود علاقات “جيدة” مع العراق. وفى ظل خصوصية العراق بالنسبة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ينبغي على دول المجلس أن تبادر إلى التفكير في مستقبل العراق ووضعيته الإقليمية وهناك أفكار كثيرة ومتنوعة يمكن طرحها للنقاش في هذا الشأن، من بينها مسألة انضمام العراق إلى عضوية المجلس، ولو على مراحل يتم خلالها ربط التصاعد بمدى الاستقرار والتقدم في الوضع العراقي الداخلي، وكذلك بمدى تماسك الدولة ووحدتها وعمق ارتباطها بالمحيط العربي.