قراءة جديدة في الأديان الإبراهيمية

495

قراءة جديدة في الأديان الإبراهيمية
النبي إبراهيم من الشك إلى اليقين
قراءة سالم بن عمار
توصلت بكتاب النبي إبراهيم من مشارف الشك إلى مشارق اليقين للباحث العراقي الدكتور هادي حسن حمودي، ضمن مشروعه التنوير القرآني الهادف إلى استنقاذ القرآن من توظيفه للتطرف والتعصب والإرهاب عبر استجلاء معانيه حسب ما كان المسلمون الأوائل يفهونها وهم يتلقون آياته من فم النبي، عليه الصلاة والسلام.
الكتاب يتحدث عن مرحلة إبراهيم الخليل، وعن المفاهيم التي أرساها النّبيّ إبراهيم، والتي تواصلت بعده، نظريّا ويفترض أن تتواصل عمليّا.
يبدأ الدكتور هادي بالإشارة العابرة إلى رفضه لمن ذهب إلى التشكيك في وجود النّبيّ إبراهيم، معتبرا أن الأدلّة التي قدّمها المشكّكون لا ترقى إلى المستوى العلمي المؤهّل لمناقشتها، فهي مجرّد ظنون بعيدة عن المنطق وواقعات التاريخ وشواهده الجمّة. وليس ذلك التشكيك بالأمر الجديد، ولا بالقضيّة المفردة في كتابات مَن لا يلتزمون بالمنهج العلمي في البحث والاستقصاء والمقارنة. فقد شكّك المشكّكون بشخصيّات أخرى أقلّ شأنا بما لا يقاس من شخصيّة إبراهيم الخليل. إذ شكّكوا بوجود أرسطو، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وجابر بن حيّان، وغيرهم. بل وصل الحال، بحسب تعبير السيد المؤلف، ببعض مَن لا يعوّل على أفكارهم أنّهم أنكروا وجودَ قحطان وعدنان
ويرى الدكتور هادي أنّ من أخطر ما قالوه عن النّبيّ إبراهيم الأسطورة التي ذكروا أنها حدثت في مصر حيث ألصقوا به في تلك الأسطورة صفات لا يرضاها إلاّ أقلّ النّاس خُلُقا وشأنا. وهي أسطورة مصدرها التّوراة، إذ جاء في سفر التكوين وحدث جوعٌ في الأرض. فانحدر أبرام إبراهيم إلى مصر ليتغرّب هناك، لأنّ الجوع في الأرض كان شديدا. وحدث لَمّا قَرُبَ أنْ يدخُل مصر أنّه قال لساراي سارة إنِّي قد علمتُ أنّكِ امرأة حَسَنةُ المنظر. فيكون إذا رآك المصريون أنّهم يقولون هذه امرأته فيقتلونَنِي ويستبقونكِ ، قولي إنّك أُختي ليكون لي خيرٌ بسببك وتحيا نفسي من أجلك. فحدث لَمّا دخل أبرام إلى مصر أنّ المصريين رأوا المرأة حسنة جدّا. ورآها رؤساءُ فرعون ومدحوها لدى فرعون. فأُخِذت المرأة إلى بيت فرعون. فصنع إلى أبرامَ خيرا بسببها. وصار له غَنَمٌ وبقرٌ وعبيدٌ وإماءٌ وأُتُنٌ وجِمال الإصحاح الثاني عشر، ص 19 غير أنّ فرعون رأى في المنام أنّها ليست أخت أبرام وإنما زوجته، فعاتبه لأنّه لم يخبره بذلك، ولم يُلحق به أدنَى أذى على عكس المبرّر الذي قدّمته الرواية لخوف إبراهيم من أن يُلحق القومُ به الأذى إن قال إنّها زوجته.
بل إنّ التوراة لتزعم أنّ النّبيّ إبراهيم ادّعى أنّها أخته أكثر من مرّة وفي أكثر من مكان، ثم تضيف إلى ذلك أنّها أخته من أبيه الإصحاح العشرون، ص 29 30 .
وبإعراض المؤلف عن تلك الأقوال التي لا تقوم على ساق وعن كل الأساطير التي سارت مسارها، اتّضح له سبيلُ البحث الهادف إلى استكشاف المفاهيم التي أراد النّبيّ إبراهيم أن يجذّرها في ضمائر النّاس، في عصره ومن بعد عصره، عن طريق العمل، كبناء البيت وتطهيره للطّائفين والعاكفين والركّع السّجود عبر الزمن، ومحاججة الأقوام فيما يعبدون ويقدّسون، وعن طريق التوعية ببثّ القيم النّبيّلة السامية.
ومن دراسة متأنّية لقصّة إبراهيم الخليل في التنزيل العزيز، تبيَّنَ السيد المؤلف الخلاصة الوافية للمفاهيم التي أراد لها إبراهيم الخليل أن تسود وتنتشر.
وقد تقسّم الكتاب على فصول يهدف كلّ فصل لتثبيت مفهوم جديد، يساعد على الكشف عن شيء من مفاهيم الأديان الإبراهيمية.
وعن متابعة المفسرين القدماء يقول المؤلف لقد ألزمتنا طبيعة البحث بالمقارنة بين الآيات القرآنية التي جاء فيها التّركيب اللغوي الذي عُنْوِنَ به الفصل، وذلك كي نستكشف المفهوم من القرآن نفسه، من غير تأثّر بأقوال هذا، ورأي ذاك من السابقين. لأننا نعتقد أنّ السابقين بشرٌ، لهم التّجلّة والاحترام، ولكنّ أقوالهم تبقى فرديّة، وآراءهم تمثّلهم هم فتُعزَى إليهم، وتُنْسب لهم، ننظر إليها باحترام، ولكنّنا لا يحقّ لنا أن ننظر إليها بتقديس. فمن غير العلميّ أن نصطلح على اجتهادٍ بشريّ، حَسَنٍ أو سَيّءٍ بأنّه إسلامي مقدّس. ولنضرب مثلا بما تعارَف عليه النّاس من وصف فلسفات المسلمين، كابن سينا والفارابي وابن رشد، وأمثالهم، بأنّها فلسفة إسلاميّة، حيث نعتقد أنّ هذا التّوصيف ليس دقيقا، لأنّها فلسفات متناقضة فيما بينها، فيجب أن تُنسب للقائلين بها، فهذه فلسفة ابن سينا، وتلك فلسفة ابن رُشد.. وهكذا في سائر الميادين. فما يفعله المرء يُنسب إليه لا إلى دينه وإلاّ جاز توصيف العدوان، مثلا، أو الإرهاب، بأنه عدوان إسلاميّ، أو إرهابٌ إسلاميّ. والإسلام بريء من العدوان والإرهاب.
ولذلك نظرنا فيما قاله الأقدمون، ناقشناهم حينا، وأفدنا منهم حينا آخر، نناقش ما رأينا أنّ التركيب اللّغوي للقرآن، في اللفظ والدلالة، لا يسعف على الأخذ بتلك الأقوال، وأفدنا ما وضُح لنا، من تحليل النّصّ نفسه، تلاؤمه مع لغة القرآن لفظا ودلالة. كما لم نُشغل أنفسنا بالتفريع والتقعيد والتعقيد، بل عُنينا باللغة الصريحة الواضحة، وبالتعبير المباشر عن الفكرة المستوحاة من النّصّ الذي كشف عن ذاته بذاته. آملين أن يكون في هذا الذي قمنا به نفع لهذا الجيل الذي تضطرب من حوله التيارات والأفكار، وتتعدّد الرؤى ما بين محقّ ومبطل وبَين بَين .
توصل الكتاب إلى غايته السامية في إطارين
الأول توضيح مبادئ الدين الذي جاء به النبي إبراهيم، وصار أساسا للأديان التي ظهرت فيما بعد.
الثاني كون الكتاب حلقة في سلسلة كتب المؤلف في ميدان التنوير القرآني الهادف إلى الكشف عن حقائق الأديان بعيدا عن توظيفها للمصالح الفئوية شخصية أو طائفية أو ما إلى ذلك، على ما ذكرناه في أول المقال.
/5/2012 Issue 4188 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4188 التاريخ 1»5»2012
AZP09

مشاركة