قراءة بين السطور – مقالات- معتصم السنوي
– قديماً كتب حكيم صيني يقول: القراءة تعصم من العزلة وتحفظ من الهذيان.
– فيما كان الأمر الإلهي واضحاً في القرآن الكريم (أقرأ) ليضع الإنسان أمام مهمّته الأولى وهي أن يصبح كائناً مشغولاً بالقراءة، حيث في القراءة معرفة للعقل وانفتاح على الذات..
– ومنذ فجر الحضارات كانت الكُتب تؤسس وتفتح لقرائها آفاقاً جديدة. تغيّر وتعلّم وتحول الشعوب من النقيض إلى النقيض، ولم يخطئ همنغواي حين وصف القراءة بالمغامرة، والقارئ الذي يغامر، يكون الفوز حليفة..!
– الكتاب يثري العقل والنفس، ويجعل المرء في حوار داخلي خلاّق مع ذاته، يكتب ريتشارد وتلوك في القرن السابع عشر “الكتب خيرُ ما في الحياة، إنها مستشارون بلا أجر، سهلة المأخذ، سريعة في تلطف. أحص كتبك في باب جرد الجواهر، إنها مستقبل الزمن، وسفينة المسافر العائد أو جواده، وخير تسلية للرجل المشغول، ومسكن التعب الكسول، وخير كاهنٍ للذهن، حديقة الطبيعة، إنها قربانُ الروح الأخير، وهي إزاء الموت شرابٌ منبَّه. فالكتاب هو الصاحب في كل زمان، يصحبنا إينما كنا، معنا، لا يفارقنا، ينام في حضننا، في المطبخ، فوق المخدة، على السرير، في السيارة، هو المنقذ من الوحدة والملل والسأم.
– يكتب الجاحظ في مديح الكتاب قائلاً: “الكتاب نعَّم الذخر والعدة، ونعَّم الجليس والقعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة. ونعم المعرفة ببلاد الغربة، الكتاب وعاءٌ ملء علماً، وظرف حُشي ظرفاً، فما رأيت بستاناً يحمل في ردن وروضة تنقل في حجر ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء غيرهِ، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، لا ينطق إلا بما تهوىٍ، وإذا كانت أشياءٌ كثيرة مما نقتنيها تبلى، وتفقدُ، فإن الكتاب وحَدهُ الذي يبقى شاهداً، معرفُتهُ حيةً، وأثره باق.
– ونحن نعيش في عصر (ثورة المعلومات) التي حولت الإنسان المبدع والمطموح للمعرفة واكتشاف العوالم الغامضة، إلى آلة صماء (متحركة) كالإنسان الآلي المُسخر، يعزف بأنامله على مفاتيح أجهزة ألكترونية لاستخراج معلومات (جاهزة) من صنع عقول غير مرئية، لتعوضنا عما فقدناه من روح المثابرة والتحدي عبر رحلة طويلة وشاقة مع بحور الكتب والوثائق للوصول إلى ما نرغب إليه من معرفة جادة بعيــــدة عن (التقليد) وبجهود استثنائية لديمومة حركة الإنسان بخطوات حذرة من غد مجهول بعد أن أصبح عبداً لآلة صُنعت لتكون في خدمـــــته وليس تحت سيطرتها مبتعداً عن لمسة الكتاب الذي يقودك للمعرفة الجادة متى يتوقف اللعـــب على مفاتيح مخدرة والعودة للقلم الحر والورق الذي يخفي في ثناياه ما لم يستطع قوله الكاتب!!


















