قراءة المكان بذاكرة الأمس والحاضر (4)

486

قراءة المكان بذاكرة الأمس والحاضر (4)

طاوزند حلم متجدّد في نظرات الملكة عند توديع السفن المتّجهة إلى بومباي

نعيم عبد مهلهل

ــ كان ذلك قديماً، يا أمير. أنا أرى بشراً شاردين الذهن، ومقاومين، عندما أمسكنا بعضهم قبل أيام، لم يكونوا؛ ليبرّروا اندفاعهم العجيب كالذي يستطيع أن يبرّره الثائر الفيتنامي، عندما كان الأمريكان يمسكونه عند احتلالهم فيتنام. أنت رأيتهم بنفسك يقولون: إننا نحارب من أجل المذهب. والمذهب هو الوطن. هم يدافعون عن قائدهم ؛ لأنه أَمَرَهُم بذلك. ترى مَن أمر مقتدى؛ ليقاتلنا، ونحن مَن حرّرنا بلاده؟.

ــ تريد أن تعرف؟

ـــ بالطبع، وهو ما يشغلني.

ــ الذي أمره هو كُره والده لأمريكا. وأنتم جئتم مع أمريكا. كانت يعتبرها عدوّة الشعوب. لهذا؛ قبل كل صلاة جمعة، كان يهتف: كلا، كلا،  أمريكا. كلا، كلا، إسرائيل. كلا، كلا، للطغيان.

ــ ولده يحمل دم أبيه، وسيبقى كرهه لأمريكا قائماً، حتى وإن حُرّرت بلاده.

ــ إنها عقديته، وهو يفسّرها بثورية المذهب.

ــ وتلك معضلة.

ــ وعليكم تحمّلها، يا دانيال.

ــ نعم، أتحملها، ولهذا؛ أنا لا أرفع كل قامتي عند السير في شوارع البصرة خوفاً من رصاصة تثقب رأسي.

ــ تلك مصيبة، بالنسبة لك، يا أمير. أنا حين يُكتب لي العيش، وتنتهي مدة مهمّتي في البصرة قد أعود إلى بلدي، وأعيش بسلام. أنت إلى أين تذهب، يا أمير؟

ــ إلى المجهول والمنفى والاغتراب.

يتذكّر أميرُ المنافي التي تسكن الروح والجسد العراقي، منذ أن أحرقت أور وشردت آلهتها في منافي عيلام، وحتى اليوم. وكما في هاملت ثمة روح قلقة من كينونتها.

ـــ تلك هي أرواحنا، لم تستقرّ بسبب خطيئة الحلم الذي فينا. دائماً هذا المكان يؤجّج في مشاعرنا حماس التاج. وفي النهاية، نصل لنكون حطباً لنار يوقدها الملك أوغاز يأتيك من بلاد بعيدة. كما أتيتم أنتم.

ـــ أتينا. ولكنْ؛ صدّق، يا أمير، أنا لا أدرك – بالضبط – لماذا أتينا؟

ــ أتيتم، يا دانيال؛ لأن قدرنا التاريخي مرتبط بملوكنا، وملوكنا أمزجتها قاسية ونرجسية. وهكذا الحال من أول تواريخنا وحتى اليوم، نحن ننتظر الغزاة، كما في قصيدة لكافافيس اسمها البرابرة. الفرق أنكم أتيم؛ لتخلّصونا من رتابة ما كنّا نأكله ونسمعه ونراه. والبرابرة لم يأتوا ليخلّصوا روما من رتابتها.

ـــ هذه قدرتك. أمّا أنا؛ فقدرتي تكاد تكون شذوذاً عن قدرية معظم الجنود الإنكليز. ربما لأني أرتبط بهذا المكان بهاجس يشابه محنة هاملت في البحث عن التكوين. أمي تقول نحن مُشتّتون في قبور على خارطة الأرض، أجدادي، قبر في أورشليم، وقبر في حيدر أباد، وقبر في الكوت. ولا أعرف أين يكون قبري، ولكنه – حتماً – لن يكون بمقبرة إنكليزية، يهطل عليها ضباب الصباح اللندني، ويغازل باقات الورد قرب الشواهد الرخامية باستذكار أحلام موتاها، ويستعيد معهم ما كانوا يُحيون من أغان.

ـــ أنت تتحدّث بقدرية جندي واحد، تتوزّع أصوله في قبور بجغرافيات شتى. يا صديقي، أنا أتحدث عن قدرية شعب كامل قبوره المنافي، من آلاسكا، حتى دلهي. تعرف – يادانيال – أن في حادثة واحدة كان المحيط قبراً لأكثر من ثلاثمائة عراقي، عندما غرقت السفينة التي كانت تُهرّبهم من جزيرة جاوا إلى استراليا، وغيرهم آلاف ممّن يموتون في أمكنة الأرض بسبب الملوك ومزاجهم التي تدفعهم للهروب من بلدهم. أنت واحد، ولك ثلاثة أجداد. لكن هذه البلاد واحدة، ولها ملايين القبور في كل مكان. يا دانيال، في ثمانينيات القرن الماضي، قامت حرب بين العراق وإيران. العراق حارب إيران في أرضها ونتاج معارك طاحنة سقط مئات آلاف من الجنود ضحايا ذلك المزاج المتكبّر للساسة والعسكر، والنتيجة أن آلاف من قتلى هذه الحرب دُفنوا لمجهولية هوياتهم. نسمّيه في المصطلح العام (مفقود)، عراقيون دُفنوا في الأرض الإيرانية، وإيرانيون دُفنوا في الأرض العراقية. فإذا جَدّك بيتر مات في البلاد الغريبة، وهو واحد، وله شاهدة تُعرف به، وتقدر أن تزوره الآن في كل وقت. هناك الألوف من ضحايا هذه الحرب من البلدين، لا يُعرف ذووهم أين قبورهم.

إذنْ؛ لا تُقارنْ قدرية الواحد بالملايين. وابقَ في حدود حلمكَ أن تلبّي رغبة أمك، بوضع باقات ورد قرب رأس جَدّك بيتر، وإنْ لم تقدر، فأنا أستطيع – بسهولة – أن أنيب عنك، حتى وإن كلّفني هذا مغامرة الاستغراب الذي سيملأ وجوه الناس، وهم يروني وأنا أضع الورد قرب القبر. لكن الناس – هناك – بسطاء، ويتفهّمون الأمر بغاية ما. ولولا بساطة الناس وطيبتهم لما بقيت المقبرة قائمة إلى اليوم.

ــ شكراً لكَ، يا أمير. ولكنها مهمّتي. ولابد أن أصل قبر جَدّي، وأحجّ إليه.

وبين الحج وشاهدة القبر وتلك الأماسي الأليفة التي كان فيها أمير يفكّ أمام عيون دانيال مشفّرات المكان، تعود لحظة الغرام ثانية بين دانيال ومارتا. وينتشي معها بدهشة لحظة لم يتخيّلها آتية إليه بمثل هذا الحنان. تسقيه من شفتيها مطراً لذيذاً، غيمته لسانها الملتهب باشتياق لذيذ، ينشط معها قدرته؛ ليكون ذكرياً بقوة حصان، فتبادله القدرة، لتكون معه أنثنى بمذاق تفاحة. وسوية يمزجان لعاب فمهما بشهيق دافئ، يستعر فيه حنين يبعث الحياة في ليل لندن البارد، وتسقي من خلال لهفته رغبتها بأن يكون جسدها العاري أرضاً لرخام رغبته الطافحة، ولينزلق على سلالم جسدها، كما تنزلق نظرات قيصر على جسد كليوباترا. يرشّ بين تفّاحتي صدرها الزيت الأسود:

ــ هذا عطر يُسمّونه في العراق (sodan mother) يجلب الصداع، ولكنه يجلب الإحساس بتدفّق غريزة ما إليك، ويجعلكَ تشتهي أن تكون مع مَن تحب في أقصى نشوة الغرام. وحين شمّته، انتابتها مشاعر لنشوة غريبة. شعرتْ – لأول مرة – أنه يمكن أن يكون الصداع لذيذاً، ويمنحنا القدرة لنكون أكثر استعداداً للطيران متلاصقين حتى سقف الغرفة، وأن ندوخ حتى نتقيّأ القبلات بسبب قوية ونفاذية ومشاعر هذا العطر الغامض الذي يأتي بخيالات الأجواء السحرية لأمكنة طوطمية بعيدة هناك في غابات تبنّي شهواتنا وافتراضاتنا لها من خلال الأمكنة الجغرافية التي تلاقينا في قراءاتنا الأسطورية وحكايات الجَدّات وكتب الرحلات والمغامرين، يثيرنا فيها سحرية طقوسها وعادتها. ولا تعرف لماذا حين شمّت هذا العطر أول مرة استعادت بمخيلة مدهشة تفاصيل رواية لكاتب عربي أثارت جدلاً عندما تُرجمت – لأول مرة – إلى الإنكليزية، وأخذتها هي درساً مقرّرا لها في فصل من فصول رسالتها الجامعية، يوم كانت تدرس الأدب في كامبريج. وكان اسم الروائي هو موسم الهجرة إلى الشمال لروائي سوداني اسمه (الطيب صالح).

العطر ذكّرها بفصول الرواية كلها، وأسقط على رأسها صداع تلك اللذة المنتشية التي كانت تمارَس بين بطل الرواية (مصطفى سعيد) وعشيقته الإنكليزية. وحين ذكّرته بتلك الرواية قال: إنه قراها مرة، ولكن عطر (أم السودان) ذكّره – فقط – بوجوه الرجال ذوي السحنة السوداء الغامقة، والذين يراهم على المراكب في شطّ العرب، وعرف أن هؤلاء الرجال يمتازون بشدة المراس وقوة التحمّل والنظرة الغامضة والطيبة الفطرية ببدائيتها البسيطة والغضب الذي لا يهدأ حين يأتي مبرّره في عقل الزنجي وعاطفته، وربما هذه المشاعر المتراكمة من الهدوء كما أخبره المترجم (أمير) وهو يصف له طبيعة وعادات زنوج البصرة هي من قادتهم أن يُقيّموا بثورة الزنج، وهي واحدة من أعظم ثورات القرون الوسيطة التي عاشتها هذه المناطق، وربما مبرّراتها تشبه – تماماً – مبرّرات الثائر الروماني سبارتيكوس الذي قادها ضد روما قبل الميلاد.

والبحّارة زنوج البصرة كان يصلون بزوارقهم الخشبية في أيام غابرة إلى بومباي في الهند، وإلى مسقط وزنجبار ومدغشقر. ولهم طقوس احتفالية بالبحر تُسمّى (الهولو هولو لو)، وحين سمع موسيقاهم لأول مرة، ذُهل بإيقاعها، فكل الآلات وأغلبها من الطبول، كانت تنبعث منها رائحة هذا العطر، وكأنه يمنحهم الطاقة العجيبة؛ ليرقصوا ويغيبوا عن الوعي، كما الثمل الذي تسكن جوفه براميل من خمرة اسكتلندية معتّقة منذ أيام شكسبير.

هي – الآن – تتّجه إليه، أتت إليه، وقد دهنتْ جسدها بكل ما في القنينة من سائل، امتلأت الغرفة برائحة قوية صاخبة. شعر فيها بدوار يلفّ رأسه، غير أن اختلاط لمعان جسدها بلمعان العطر وضوئه ذكّره بلون عسل التمر (الدبس) الذي اعتادوا تناوله في شتاء البصرة، بعد أن تأكّدوا من فائدته وقدرته العجيبة على منح الدفء لأجسادهم وتوثّب طاقة الخيال الجسدية في تذكّر حبيباتهم وزوجاتهم ومَن يتمنّونه.

نطق الكلمة كما سمعها وحفظها من متعهّد عراقي كان يجلبه لهم بقناني زجاجية، وقال لها:

 الدبس يضيء كل جسدك… يا لشهية هذا المنظر. الدبس حلو كالعسل. لهذا؛ سألعق جسدك كله بلساني.. وفي المرة القادمة، لن أنسى، سأجلب قنينة دبس، وأريقه كله على جسدك؛ كي تتحوّلي إلى نخلة من بلاد الشرق، وأنا مَن يتسلّقها.

ــ سأكون لكَ كل شيء….

قالت ذلك، وتقدّمت صوبه مغمضة العينين. فيما هو بعينين مفتوحتين، يُدخل رأسه بين تفّاحتَيْن صغيرتَيْن، يتدلّى من رخام مساحة بيضاء، من فتنة متلهّفة، تُطلِق أنفاسها بإتقان لذيذ، لتشعره بما يتذكّره مع رفاق مفرزته، حين مروا ذات مساء بمكان يُدعى شجرة آدم، عندما كُلّفا بواجب استطلاع في مدينة القرنة التي تبعد عن البصرة 70 كم. لكنها لم تكن شجرة تفّاح، بل هي شجرة لنبات في العراق يُسمّى السدر، يعتقد المترجم أنه – أيضاً – جُلب للعراق من المناطق الإفريقية؛ لأنه لا يعيش سوى في المناطق الحارة، وكان قبلها يعتقد أن شجرة التفّاح هي شجرة آدم. لكن أحد الأهالي شرح لهم أن شجرة التفّاح في الجنة، وهنا على الأرض شجرة السدر هي التي استظلّ بها آدم وحواؤه، يوم نزلا إلى الأرض، في هذا المكان لأول مرة.

جسد لامع

وبلهفة حقيقية، يدنو صوب جسدها اللامع كما مرايا بلاط فيكتوري، يتعلّق بشجرة من الرخام اللامع، وليس فيها سوى تفّاحتين، يعتقد أنهما تعلّقا بصدرها، كما تتعلّق الأوسمة والأنواط على صدور الجنود الذين يُبلون في المعارك بلاء حسناً. ومعركته – الآن – معها، فلم تعد البصرة موجودة، وما يدور – الآن – في شوارعها من حذر وترقّب ودوريات، بسبب توتّر العلاقة بين الحكومة وجيش المهدي هو بعيد عنه الآن، بالرغم من أنه ظلّ يعتقد أن الذي يقاومهم يمتلك مبرّراته القوية؛ ليفعل ذلك؛ لأنها أرضه. ويُحزنه أن يرى الإنكليز يعودون إليها ثانية، وبعتاد أكثر حداثة من تلك المدافع التي تجرّها الثيران، والتي قصف بها مود الجيش العربي الذي جاء ليقاوم المحتل في منطقة الشعيبة. وها هو يُصاب من لذّة صداع كبير للعطر الإفريقي. يأخذها إليه، ويغيب فيها تماماً. ويسمع أنفاسها تناديه بإيقاع يشبه – تماماً – إيقاع الريح عندما يصدم بسعف النخيل في نهارات الغبار المتصاعد من أفق الصحراء التي ولجوا رمالها وبساتينها ومدنها بجحافل راجلة ومحمولة ومدرعة، عبرت من منطقة التحشّد في منطقة المطلاع الكويتية، وليجتازوا الحدود الدولية بعد الواحدة ليلاً، حيث كان علي حسن المجيد المكلّف بالدفاع عن مدينة البصرة يستمع إلى الغناء الغجري الفاحش الذي يعشقه، ولا ينتبه إلى قلق ضبّاط الركن وهم يسمعون أصوات سرفات الدبابات، وهي تغادر الأرض الرملية؛ لتصعد فوق الطريق الإسفلتي الواصل بين صفوان والبصرة متجهة إلى المدينة، لتحاصرها، وتنقضّ عليها، بعد ذلك.وهكذا؛ يكون الهيام مشدوداً بخيط من عطر إفريقي بين الشتاء الضبابي لمدينة تراقب بفضول ومتعة شهوة اللقاء الصاخب بجسد يلمع من نفاذية العطر القوي وبين مدينة هناك في الجنوب السومري، تسكنها أوحال العجلات الثقيلة وإهمال البلدية لمستلزمات حياة الناس لأناس تطفو على أجفانهم دموع تختلط بالزهو والحزن والأمل حين يشاهدون دبّابات الإنكليز تجوب شوارع المدينة.

أدركت فيه ما كانت تتمنّاه، وهي تحلّل برؤى الأدب هواجس مصطفى سعيد في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)، وما كان يمارسه مع عشيقته جين موريس، ليدفعها العطر الذي يلمع على المساحة الرخوة من بطنها وبين نهديها الصغيرين وعلى حافات العظام النحيفة البارزة من قفصها الصدري إلى أن تفكّر بتمارين شوق مبتكرة مع الجندي الذي لم تكن لأقدامه جهة سوى نافذة الانتظار التي كانت تنتظره عليها. تلك النافذة التي هيّأتها للحظة تكون هي فيها كما أقسمت؛ لتكون: النورس الذي يطير في سماء صدره، كما أجنحة تتلهّف لشدو أنفاسه القادمة من الشرق بحرية متعة أنوثة، وهما يطوّقان جسده بلهفة، تشعرها بإمساك تلك اللذّة الجرمانية التي سكنت بطلة رواية الزنجي الآتي من قرى أعالي النيل، عندما شرح لهم أستاذهم تصوّراته عن الخلجات الجسدية والجنسية التي يمتلكها هذا الكائن الزنجي الهائل.

مشترك ثقافي

تعرف أن هناك زنوجاً يعيشون في المدينة التي يخدم فيها حبيبها. ولكنها لا تعرف أن كان هناك مشتركاً ثقافياً وبيئياً بين قرية مصطفى سعيد وبين قرى البصرة. وحين سألت حبيبها – ذات مرة – في الدردشة الإلكترونية، قال لها: إن البصرة لن تشبه أي مكان في العالم عدا البصرة.

وحين ناقشت الأستاذ متخيّلة المكان الذي يقضي فيه دانيال جنديته. سألها: وأين يخدم صديقك؟

قالت: البصرة. مدينة في جنوب العراق.

ــ أعرفها. إنها واحدة من أشهر مدن ألف ليلة وليلة، وحكايات السندباد وعلاء الدين جاءت منها. ووكالة ناسا لم تتخيّل مركبة أبولو وتشالنجر لولا البساط السحري الذي أتى من حكايات هذه المدينة التي كانت شهرزاد تقصّها على أميرها شهريار؛ كي تمنعه وتعطّله عن ممارسة قتل النساء كل ليلة.

تعرفين بين شهريار ومصطفى سعيد الذي ندرسه كأنموذج للشرق المحتكّ بالظاهرة الحضارية الغربية في رواية الطيب صالح مشتركاً وخيطاً يتطابق ويُوصل الهاجس والفكرة والتأريخ المشترك لعقدة الوعي عندهما. إنها عقدة أوديب، تنشأ في فهم مختلف، ولكنْ؛ بهاجس الموهبة بين الحضارات كلها وعبر العصور كلها.

مصطفى سعيد هو شهريار، بشكل آخر، ولكن طريقة الانتقام عنده مختلفة،

أو ليس انتقاماً، بل لنقل طريقة التعاطي مع الضدّ الذي فيه، ومن خلال الجسد الأنثوي.

تذكّرت تفسير أستاذها للكامن والطاقة العجيبة في هذا الزنجي، وكيف تأخّرت أمام طلاب قسمها وهي تضيء خدّيْها بحنان شهي إلى حبيبها دانيال، وتقول:

ــ يا لحظّي الكبير. حبيبي يعيش – الآن – في مدينة عاشت فيها شهرزاد والسندباد البحري، وطار فوق بيوتها بساط الريح، وأضاء في ليلها علاءُ الدين مصباحَهُ السحري.أجابها في دردشة الـ (HOTMAIL): نعم، إنها هي، ولكن ذلك كان قديماً. الآن؛ هي بدون كل الذين ذَكَرْتِهِم.

الليلة الأسطورية كان وقيعتها الفراش الدافئ. وكان عليهما أن يبقيا مستيقظين في دهشة اشتياقهما، وفي كل فصل استراحة بعد طقس شجار الأفواه والحضن، تستعيد معه بقايا يوميات الحرب. وتسأله عن خصوصية مكان، كانت كلما تتذكّره في تفاصيل كلامه عن المدينة، تتخيّل ما كان يحدث بين من مناخات انفعال ضجة الجسد في أقبية موسم الهجرة للشمال. وعندما أخبرها أن الذين يشبهون سحنة وجسد مصطفى سعيد لا يُشكّلون 3  بالمئة من سكان المدينة، وأن أغلب سكانها عرب أقحاح، بسمرة شرقية مضيئة، كما الوجوه السومرية ذات المحيّا الواضح في تقاسيمها النحيفة وملامحها الشرقية المائلة إلى السمرة الفاتحة التي تقترب إلى الملامح المتوسطية، تلك التي شاهدها في ألواح الأساطير ومسلات الحجر، وقارنها بالوجوه التي تلتقيه في الشوارع، فوجد الشبه الكبير. أمّا الزنوج – فكما يعرف الجميع هنا -؛ هم من ذوي الأصول الإفريقية التي امتلأت به البصرة عبيداً أثناء مجدها التجاري في الدولة العباسية. والكثير منهم هم بقايا أولئك الذين أشعلوا ثورتهم الكبرى ضد الخليفة العباسي والمسمّاة بثورة الزنج.

لحظة نودة

إنهما هنا يؤسطران لحظتهما بمزيد من المودة والعيش في لذّة الليل، وفي حسابهما، أنها تستعيد المكبوت فيها، يوم أثارها الشجن الغامض في فحولة الزنجي مصطفى سعيد، أمّا هو؛ فليس لديه سوى الرغبة أن ينسى ما ترك هناك. وفي خاطره، معضلة الجواب الذي تسمعه والدته يوم يخبرها أنه لم يستطع زيارة قبر جَدّه بيتر في المقبرة الإنكليزية في الكوت، وقد أشارت إليه في تمكّنه بزيارة القبر أنه كَمَنْ يحجّ إلى أمكنة يسوع، في بيت المقدس؛ لأن ثقافتها الاستعمارية الموروثة من ريف ويلز، وتطوّع الجَدّ الأكبر في الحملة الصليبية، وموته ودفنه هناك أبقى لديهم الرؤية الإنجيلية أن كل مَن يصل إلى قبر جندي إنكليزي دُفن في الشرق يعني أنه أتم الحجّ الذي كان رهابنة وقساوسة أوروبا يقصدونه في ترحال طويل، ويتممونه في الوصول إلى بيت المقدس.

للبوصلة حين تقف في منتصف بوابة المقبرة، وكما تقول الورقة إن قبر جَدّك في الجهة الشمالية بثلاثين متراً، وهو ورابع القبر في الصف الأول لهذه الجهة، وحتماً ستجد اسمه منقوشاً«بيتر دالتون» ولد في لندن، ومات – هنا – قرب ضفاف دجلة في معركة من أجل التاج البريطاني 1890 ــ 1916.

ـــ أمي، كنا – في الأمس – نفترضها من أجل التاج؛ لأن مستعمرتنا في كل مكان. الآن؛ ليس لدينا سوى إنكلترا ودبلن. وصورة ملكتنا على طوابع القارة الأسترالية وجزر الفوكلاند، وغير ذلك لا نملك أي شيء.

إذنْ؛ أنا ذاهب إلى هناك، ليس دفاعاً عن التاج. أنا ذاهب – كما بقية الجنود – تلبية لخطاب رئيس الوزراء الذي برّر للبرلمان ومجلس اللوردات سبب ذهاب البريطانيين إلى العراق. – علينا أن نكون رسل سلام، ولكنْ؛ ليس بواسطة أجنحة الحمام، بل بالحراب وفوهات البنادق. إنه الموّال القديم الذي كان أجدادنا يموتون بسبب نغمته. وأنت – الآن – تعتبرينه حجاً إلى قبر جَدّي بيتر هانس القريب من ضفاف دجلة.

ـــ ولأجل هذا؛ أريدكَ أن تذهب هناك، جندياً أو حاجّاً. المهمّ أن تُشعر جَدّك أننا لم ننسه، ولن ننساه. أَشْعِرْهُ أننا نعود في كل مرة. هو حلمنا المتجدّد في نظرات الملكة فيكتوريا، وهي تودّع بارجات السفن الذاهبة إلى بومباي بعبارة: اذهبوا، ولا تعودوا إلا والمجد والتوابل والفيلة معكم.

 ربما تغيّر الأمر الآن بصيغته الجديدة على لسان رئيس الوزراء: اذهبوا إلى البصرة، ولا تعودا إلا وردّ الاعتبار لطاوزند معكم.

ــ ولكن طاوزند هزمه الأتراك، وليس صدّام حسين.

ــ ولدي؛ صدّام حسين عقليته كما عقلية الترك. قاس، وعنيد، ويحرم شعبه؛ ليعيش هو.

ــ ومن أين لك هذا التصوّر عنه؟

ــ من تقارير الـ بي بي سي التلفازية، وما تكتبه الصحف، من حروبه ونزواته.

ــ وماشأننا نحن، شعبه يُسقطه؟

ــ لا، يا ولدي، جَدّكَ الأكبر حين توجّه إلى البيت المقدّس ليعيدها، كان يلبّي نداء مسيحيي الشرق؛ ليكونوا في أمان قرب أبينا يسوع لهم.

ــ وأنا سأذهب للعراق من أجل الأمان؟

ــ إنها رسالة أجدادك.

ــ وفي كل مرة، يموتون من أجلها. نحن عائلة تفنى في الجغرافيات المتباعدة. أنا متشائم من هذا القدر التاريخ لأسرتنا. الموت في الحروب البعيدة النائية هناك في الشرق؛ حيث قُدّر لبريطانيا أن تفقد جنودها فيه أكثر ممّا فقدتْه في الحروب الأوروبية.

ـــ قدرٌ عليكَ أن تفتخر فيه، يا ولدي.هذا الفخر هو مَن قاد خطواته المتعثّرة، وفيها بعض من شهوة المغامرة والاكتشاف؛ ليدخل البصرة فاتحاً وغازياً ومحرّراً في بدايات شهر أبريل، وتلاحقه نبوءة هذا الشهر التي كتبها إليوت في قصيدته الشهيرة (الأرض الخراب):

((أبريل أكثر الشهور وحشية

فهو يستولد زهر الليلك من الأرض الميتة.

و يخلط الذكرى بالرغبة..

ويهيج الجذور البليدة بأمطار الربيع))

الليل لم يزل يمشي بطيئاً بقطار القبلات الحارة على سكّة حمرة شفتيهما….. هناك غرام، وهناك مدينة يبعثرها حلم وجودها في تقبّل الجنود الغرباء، أو عدم تقبّلهم. هناك العطر الحاد الذي يُشعره بصداع رهيب، ولكنه يمنحهُ الطاقة المضافة؛ ليلتصق بجسد حبيبته، ويهبط معها إلى بئر اللذّة المنتشية..

وهناك – أيضاً – شمس صباح قادم، سيقود فيه قدميه إلى منزله، وسيجد أمه تنتظره على النافذة، والسؤال الأزلي ينطق بين شفتيها: هل زرتَ قبر جَدّكَ، يا دانيال؟ صفْ لي طريقكَ حاجّاً إليه من البصرة إلى الكوت.

يتبع

مشاركة