قراءة الروايات..اطلاع معرفي وجمالي على عوالم أخرى  

دلال بشار

كثيرا ما نسمع بأناس يقللون من قيمة الرواية، وغالبا ما يسألون مستغربين: كيف يمكن للرواية أن تجعل من الانسان قارئا مثقفا وكيف تشبع عقله بالمعرفة وهي قصة ما بين الواقع والخيال،

فالرواية كما نعرف هي قصة عن شيء معين سواء أكانت قصة لحدث حقيقي او لشيء عاش في خيال الكاتب، فنقله على الورق رغبة منه لجعل الخيال ملموسا بطريقة ما.

في البداية لا يمكنني أن اقول بأن الرواية ولا حتى الكتاب بشكل عام أيا كان مضمونه يمكن أن يجعل من الانسان مثقفا ذلك أن الثقافة لا تعني كتابا بشكل مباشر، إنها خليط من عدة أشياء والكتاب ربما يكون جزء من هذا المزيج إلا انني لا يمكن ان اعتبر كل قارئ مثقفا لان هذا مفهوم خاطئ ولا يمكن تأييده.

اما في الحديث عن الرواية بشكل خاص فيمكن القول أنها قيمة وطبق معرفي غني بالتفاصيل ومشبع لعقل المتشوق للقراءة، لأننا لا نستطيع أن نقول ان الرواية تحكي قصة والقصة لا فائدة   منها بهذا الكلام  نرتكب جريمة بحق الرواية وكتّابها بل وحتى محبيها…

عن نفسي تبقى الرواية هي المفضلة لي من جميع اصناف الكتب والمعارف، وهذا يعود لأسباب عديدة اولها انني احب السرد واحب أن أقرأ شيئا من خيال الكاتب او شيئا حدث واراد الكاتب أن يوثقه في عدة اوراق للحفاظ عليه.

أما اذا بدأت الحديث عن فائدة الرواية للقارئ او الانسان بشكل عام، فأقول أن الرواية حقل معرفي ايضا ومنبر تاريخي وطبيب نفسي، هذا بحسب ما اعتبره أنا لأن الرواية تحكي قصة والقصة تتضمن شخصيات عدة، فالقارئ عند قراءته للرواية وعلى اقل تقدير فإنه سيتعرف على شخصيتين او ثلاث شخصيات، وهذه الشخصيات تكون مختلفة من ناحية العقل و التفكير و طريقة الرؤية تجاه الحياة وهذه النقطة بشكل كبير تساعد الإنسان لأنها ستجعل منه عارفا بتعدد واختلاف الشخصيات بل وتجعله حتى منفتحا ومتقبلا لهذا الاختلاف بين البشر لأنه وبطريقة ما سيدرك أن الاختلاف شيء طبيعي وهو اساس هذه الحياة التي نحياها، في الجهة الاخرى تحتوي بعض الروايات على قصص تاريخية فهي تروي احداثا او قصص شخصيات معينة كان لها مكانة كبيرة في التاريخ وهذا بذاته يتدفق بشكل سلس حيث أن بعض الكتب التاريخية او الدينية وغيرها تكون مملة احيانا لأنها تفقد صفة المتعة و تكون اشبه بالكتب الدراسية فهنا تأتي الرواية بهذه المعلومات وتقدمها لنا بشكل ممتع ومفهوم ما يجعل القارئ مهتما لمعرفة التفاصيل والرغبة في اكمال الكتاب. اما اذا كانت القصة من خيال الكاتب فهي تمنحنا القدرة على التفكير وتوسع خيالنا اذ تجعلنا نفكر كيف خطرت هذه الفكرة في خيال الكاتب وكيف طورها وجعل منها شيئا أشبه بالواقع وبذلك يتوسع الادراك ويزداد الخيال وتحظى الفكرة والقدرة على الكتابة لمن كان مهتما بمجال التأليف ويرغب أن يطور نفسه او ينمي خياله..

معظم الروايات جعلتنا نبحر في عالم لم يخطر يوما على فكرنا، فبعض الرويات جعلتنا نزور مدنا لم نفكر بها، بل وتذوقنا طعاما لم نكن قدمر علينا من قبل.

نحن امام نجيب محفوظ  مثلا أصبحنا نعرف حارات مصر وشوارعها بل وحتى طعم الكشري، ما بين ثلاثية نجيب محفوظ، الحرافيش وأولاد حارتنا تمحور الأدب بشكل عظيم. معظم الروايات تناولت الفلسفة بشكل قصة وبالتالي جعلتنا نفهما ونفكر بالتالي بطريقة فلسفية واذا أتينا برواية عالم صوفي مثلا فسيبقى فضلها عليّ حتى اخر لحظة لأنها جعلتني أعرف الفلسفة وأغوص في مدارسها وتاريخها ومكنتني من ان ارى سقراط وأفلاطون، وبفضلها حلمت بديكارت وتعرفت على فولتير، هذه الرواية بسطت الفلسفة بشكل رائع ما جعل القارئ منجذبا للمضمون. جورج أورويل وروايته مزرعة الحيوان كانت تحكي واقع شعب نعيشه كل يوم وسنبقى… إليف شافاك ورواية حليب أسود، أظهرت لنا معاناة النساء والأمهات بشكل خاص، كان لها أثر كبير في تغيير طريقة التفكير تجاه المرأة والشعور بها كما جعلت المرأة تفهم نفسها بشكل أعمق وأوضح، بالمختصر يمكن القول أن الرواية حياة ولا يمكن لإنسان أن يحكم على الحياة دون عيشها.

كثيرا ما نقرأ ونسمع من ينتقد الرواية وهذا موضوع يحتاج الى توعية وتوضيح لاسيما وان الرواية تظلم بسبب انتقادات الجاهلين.

لا انفي اهمية الكتب ولا اقلل من قيمة محتوياتها ولكن الرواية لا تقل اهمية عن الكتاب التاريخي او السياسي فالرواية بالتالي عوم ممتع وممهد للطريق للغوص في اعماق الكتب

 

مشاركة