كلما اتسعت الرؤية ضاقت الطمأنينة

في عالم يزداد ضجيجًا وتعقيدًا، تتحول بعض الأعمال الفنية من كونها مجرد مناظر تُرى إلى عوالم تُختبر. لوحة الفنان الدكتور علاء بشير «الوعي ووجع الإدراك» تنتمي إلى هذه الطبقة؛ فهي ليست مشهدًا نعبر عنه بنظرة، بل حقل مغناطيسي يجذبنا إلى دوامة السؤال الوجودي الأكثر إيلامًا: ماذا يفعل الإنسان بثقل ما يرى ويعرف؟
ليس أصعب على الإنسان من أن يرى أكثر ممّا ينبغي، وأن يدرك أبعد ممّا يتحمّل. فالوعي، في لحظةٍ ما، يتحول من نعمة إلى امتحانٍ قاسٍ، ومن نافذة مشرعة على العالم إلى مرآة تُجبرك على مواجهة هشاشتك وخوفك وما تراكم في الداخل من صمتٍ وندوب.

لوحة الفنان علاء بشير ليست رسمًا لوجهٍ بشري بقدر ما تشريح بصري لشرط إنساني. إنّها وجه الحقيقة حين تتجرّد من تجميل اللغة، ووجه العقل حين يضطر إلى العيش في زمن يثقل عليه الإدراك. خطوطها المتشابكة تنقضّ فوق بعضها على بعض مثل أفكار لا تجد طريقًا للخلاص، وظلالها الزرقاء تشبه كدمات الذاكرة، وفقاعاتها الصاعدة كالأسئلة التي تنفجر قبل أن تبلغ السطح. بتعبير آخر، اللوحة لا تصور رجلًا، بل تصور الوعي نفسه وهو يتقرّح.
وهنا تستحضر اللوحة ذلك القلق الوجودي الذي حدّسه الفيلسوف سورين كيركغور، ليس خوفًا من تهديد خارجي محدّد، بل رعبًا من حرية الاختيار وثقل المسؤولية الذي يأتي مع الوعي. إنه القلق على الذات نفسها، وهو الشعور ذاته الذي يجسّده الوجه في اللوحة، وهو يحمل سمات وجعه الخاص من دون أن ينطق بها.
وتكمن المحنة في هذه المسافة التي تخلقها المعرفة بين الإنسان والعالم. كلما اتسعت الرؤية ضاقت الطمأنينة، وازداد وضوح الداخل صار الخارج أكثر غربة. ولهذا تبدو ملامح الوجه في اللوحة مشدودة بخيوط غير مرئية من الهواجس التي لا تمسك بها يد، لكنها لا تترك القلب يرتاح.
إذا كان الوعي محنة، فإن الإدراك هو الوجع الناتج عنها. هذا الوجع ليس صراخًا، بل هو ذلك الخلل الصامت بين ما نراه وما نقدر على احتماله. إنه الثقل الذي يجعل العيون نصف مفتوحة: لا تريد أن تنغلق لأن الظلام ليس خلاصًا، ولا تريد أن تنفتح لأن الحقيقة مرهقة كجرحٍ لا يلتئم.
وفي هذا، تكون لوحة بشير استمرارًا لتقليد فني وفلسفي عميق، فهي لا تبتعد كثيرًا في روحها عن «الصرخة» لإدفارد مونش، التي جسّدت الذات الإنسانية وهي تذوب في قلق العصر الحديث. لكن بينما صرخ مونش في العالم، فإن وجه بشير يصمت في داخله، محتجزًا بين ضجيج الخارج وهدير الداخل.
في عصرنا هذا، حيث ينهار المعنى وتتصدّع الثقة بكل ما هو ثابت، تتحول هذه المحنة إلى عبء مضاعف. نعرف أكثر مما نحتاج، نشعر أكثر مما نحتمل، وندرك أشياء لم يهيئنا لها أحد. ولذلك نبدو مثل وجه اللوحة محاطين بدوائر، متشظّيين، محاصرين بأسئلة لا نجرؤ على الإجابة عنها كاملة. الفنان هنا، ببراعة، لم يرسم إنسانًا بعينه، بل رسم الشرط الإنساني في أقصى درجات تكثيفه: ذلك الصراع الأبدي بين أن نفهم وأن ننجو.
بيد أن قيمة هذه اللوحة لا تكمن في إظهار الجرح فحسب، بل في إثارتها لسؤال المقاومة: كيف نعيش مع هذا الوجع من دون أن يحطمنا؟ إنها تذكرنا أن الوعي، على الرغم من ثقله، هو ما يميز إنسانيتنا. إنه مسؤوليتنا تجاه ذواتنا والعالم، حتى عندما يكون هذا العالم مؤلما.
لهذا، فإن هذه اللوحة ليست دعوة للحزن، بل هي شهادة صادقة على أن الوعي ليس رفاهية، بل هو امتحان وجرح ومسؤولية. وأعظم ما فيها أنها لا تقدم خلاصًا سهلًا، بل تتركنا في قلب العاصفة لنواجه السؤال المصيري: ماذا نفعل بكل هذا الإدراك الذي يزداد اتساعًا بينما عالمنا يزداد ضيقًا؟
في النهاية، تبقى محنة الوعي هي الثمن الذي ندفعه لأننا اخترنا أن نكون أكثر من مجرد جسد، وأكثر من ظل… وأكثر من صورة عابرة على جدار الزمن.



















