العراق والحرب على الإرهاب
قراءات إستباقية لسياسة الرئيس الأمريكي المنتخب – عماد علو
المقدمة
إن ما يشهده العالم اليوم من موجات ارهابية، ممكن ان تتحمله سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، رغم تورط اطراف اقليمية بإثارة حالات عدم الاستقرار وتأجيج المواجهات الطائفية. إن استعراض الارقام واحصائيات ضحايا الارهاب ما بعد 11 سبتمبر وما بعد احتلال العراق وافغانستان، يعكس حجم الاثار السلبية لسياسات واشنطن في مواجهة الإرهاب. القاعدة وتنظيم داعش الارهابي كانت دوما تستغل وتوظف انتشار القوات الأمريكية على الارض لصالحها، ضمن باب “المقاومة”. خلالها نجحت القاعدة وداعش باستثمار بعض الممارسات الخاطئة للقوات المنتشرة وانتهاكات جنودها التي يمثل المرتزقة نسبة كبيرة في داخلها. التحقيقات اثبتت بأن الصور المروعة من داخل مناطق النزاع خاصة الاطفال والنساء، كانت تمثل مادة جيدة لـ لجهاز داعش الاعلامي .ان سياسة اوباما الناعمة كانت تستهدف عدم شن حرب شاملة في اي من دول النزاع، وكان الانسحاب الامريكي المبكر من العراق اواخر 2011 والتخلي عن الاتفاقية الامنية مع العراق و تقليص نشر القوات وميزانية الدفاع أتاح فرصة تاريخية كبيرة للتنظيمات الارهابية مثل القاعدة وداعش لتوسيع نشاطها ليس في منطقة الشرق الاوسط بل في اوربا والولايات المتحدة الامريكية نفسها.
وعود وتعهدات
اليوم وبعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الاخيرة التي جرت في نوفمبر 2016 تستعد منطقة الشرق الاوسط للتعامل مع رئيس أميركي جديد هو دونالد ترامب ، والذي يبدو أنه عاقد العزم على إعادة ترتيب ميزان القوى هناك بشكل كبير، ممهداً بذلك لحالة جديدة من عدم اليقين، وربما لموجة اضطرابات جديدة في جزء من العالم تستعر فيه حروب متعددة من الأساس.ان ما يهمنا اليوم هي وعود ترامب بفعل المزيد من أجل قتال “ تنظيم داعش الارهابي” في وقت يتعهد فيه بالمزيد من فك ارتباط الولايات المتحدة بالمغامرات في الخارج ، وهذه مقاربة متناقضة ! ؟ . فهل سيكون ترامب انعزالياً، متابعاً غرائز أوباما الكارهة للمخاطرة؟ أم هل سيكون تدخلياً، وأقرب إلى قالب جورج دبليو بوش الذي أخذت حربه العالمية على الإرهاب الولايات المتحدة إلى أتون حربين في أفغانستان والعراق؟
ومن الواضح والمعلوم أن العديد من التصريحات التي أدلى بها الرئيس المنتخب دونالد ترامب في سياق حملته الانتخابية كانت تتسم بالغموض والتناقض الشديدين، إلى درجة أن حكومات ومحللين يحاولون معرفة أي منها كان يقصدها فعلاً، وكيف سيكون قادراً على تنفيذها كلها.في الحقيقة دونالد ترامب سيرث من سلفه باراك أوباما العديد من النزاعات في العالم العربي، التي تشارك فيها الولايات المتَّحدة الأمريكية بصورة مباشرة في اطار ما يعرف بالحرب على الارهاب . حاليًا يقصف الجيش الأمريكي مواقع في سبعة بلدان داخل العالم. وأربعة منها عربية. ففي العراق وسوريا تستهدف غارات الطائرات الأمريكية المقاتلة مواقع لتنظيم “داعش الارهابي “، وكذلك الأمر في ليبيا واليمن ، فضلا” عن بلدان أخرى تنشط بها تنظيمات ارهابية بالإضافة الى القاعدة وداعش مثل ، أفغانستان وباكستان والصومال. كما تنتشر قوات برية أمريكية في كل من العراق وسوريا لمحاربة الارهاب . فريق ادارة ترامب
وطبقاً لمحادثات أجراها مستشاروه مع محللين ومسؤولين، سوف يسعى ترامب إلى إعادة تعديل كبيرة لنظام توازن القوى القائم حالياً في الشرق الأوسط ( والذي يبدو أنه يميل لصالح روسيا، و إيران ) .و يتنبأ تيودور كاراسيك، المتخصص بالشؤون الدفاعية والمستشار الرفيع في مؤسسة تحليلات دول الخليج التي تتخذ من واشنطن مركزاً لها، والذي كان قد بحث مستقبل المنطقة مع مستشاري ترامب في الشهور الأخيرة، أن ترامب سيكون مختلفاً بشكل كبير عن أوباما، و إن أولوية ترامب الرئيسية تكمن في قتال “داعش”. وقال كاراسيك أيضاً: “ثمة إمكانية لعامل فوضى… لكن الفكرة الآن تتركز على خلخلة وهز ترتيب الدول-الأمم في المنطقة بغية المضي قدماً والسماح لها بحراسة نفسها بنفسها”. يقول الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي والذي يعمل مع المعارضة السورية في واشنطن، وكان قد اجتمع مع مستشاري ترامب،: “تعد الحرب على الإرهاب مهمة جداً بالنسبة لترامب، ولا أشعر أن سياسته الخارجية ستكون مختلفة جداً عن سياسة أوباما الخارجية. إنه ليس تدخلياً. وهو شبيه جداً بأوباما، وإنما بطريقة مختلفة. أما الحكومة التركية فإنها تتوقع بأن إدارة ترامب ستعكس وجهة اعتماد إدارة أوباما على الأكراد السوريين من أجل قتال “داعش” مما قد يفضي إلى رفع بعض العوائق في الحرب على تنظيم داعش الارهابي ، خصوصا” في سوريا ..ويأتي لقاء دونالد ترامب، بالجنرال المتقاعد جيمس ماتيس-الذى كان يشغل منصب رئيس القيادة المركزية للقوات الأمريكية – ، مؤشرا” على نية ترامب اختيار ماتيس لمنصب وزير الدفاع، بحسب مجلة “بوليتيكو” الأمريكية. والجنرال ماتيس من العسكريين السابقين المعروف باختلافه مع إدارة أوباما حول سياسة اوباما في الشرق الأوسط، وخاصة الشأن الإيراني وهو من المؤيدين لفكرة مواجهة تنظيم داعش بقوات أمريكية برية في كل من العراق وسوريا ، وهو ما يتفق مع توجهات ترامب التي اعرب عنها في بعض تصريحاته الانتخابية عن عدم ممانعته إرسال “عشرات الآلاف من القوات الأمريكية” لمحاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا، مشيراً إلى أنه “ليس لدينا خيار آخر، علينا هزم داعش”. ولكن وعلى الرغم من تصريحات ترامب الانتخابية كانت قد عكست ميله الى الحل العسكري الا أن ترامب كان في تصريحاته بهذا الشأن ، ينطلق من العموميات غير المبنية على استراتيجية واضحة، كما أن اللقاء الذي تـــــــــــــــــــــم يوم 27/11/2016 بين ترامب والجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس ، المعروف بخبرته الميدانية وقيادته لوكالة الاستخبارات الامريكية ، واحتمال ترشيحه لمنصب وزير الخارجية في ادارة ترامب المقبلة دليل واضح على أن ترامب سيسعى لاداء دور أكثر فاعلية من أوباما في ترتيب الاوضاع في الشرق الاوسط وخصوصا” فيما يتعلق باستراتيجيات سياسية وعسكرية اكثر حدة في الحرب ضد الارهاب وخصوصا” ضد تنظيم داعش..
من يرسم السياسة الخارجية
وعلى الرغم من كل ما سبق طرحه ، لا بد من تثبيت حقيقة وهي ان السياسة الخارجية الامريكية منذ الحرب العالمية الثانية الى اليوم لا يرسمها الرؤساء الامريكيون ووزراء خارجيتهم فقط. وانما يسهم في رسمها أولاً مراكز البحوث والدراسات اضافة الى الجامعات ، وثانياً أطقم مالية مهيمنة ومالكة للصناعات العسكرية والبنوك والاحتكارات العابرة للقارات وثالثاً تسهم ال CIA والبنتاغون والكونغرس في تحديد توجهات ومسارات السياسة الخارجية وهي بلا شك تكون معبرة عن مصالح هذه الاطراف مجتمعة ، التي بالتالي تمثل المصالح القومية العليا للولايات المتحدة الامريكية.
لذلك يمكننا القول أن الرئيس الخامس والاربعين للولايات المتحدة الامريكية دونالد ترامب والقادم من رحم اليمين المتطرف ، سوف لن يُقدِّم شيئًا جديدًا في محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية داعش ” في العراق . فهو أيضًا لن يرسل قوَّات برية بأعداد كبيرة إلى العراق. وبهذا المستوى تعمل الولايات المتَّحدة الأمريكية منذ فترة طويلة في العراق. وبالتالي فإنَّ دونالد ترامب سيستمر في اعتماده على “شركائه المحليين” وعلى “المستشارين العسكريين الأمريكيين”، مثلما يرد ذلك في المصطلحات العسكرية الأمريكية ، وستنحصر مهمته تنفيذ سياسات تعبر عن المصالح الامريكية من حيث الجوهر مع عمل بعض التغييرات والتقديم والتأخير في الاولويات والاهداف ارتباطاً بالمتغيرات في الموازين الدولية والاقليمــــــية في هذه المنطقة او تلك.
ترامب و الشأن العراقي
أما كيف ستكون سياسة ترامب من مستقبل العراق – وحدته الوطنية ومستقبل العلاقات بين البلدين ؟ فان الاجابة على هذا السؤال المهم أبعد من مجرد تفاوت في الرؤى أو تفاوت في الأولويات. إنها تتصل بأصل منظور الولايات المتحدة لأمنها القومي ودورها في الساحة الدولية. اذ إن الأمن القومي لدولة تتزعم قيادة العالم لا يُمكن مقاربته دون رؤية واضحة لما يجب فعله في العراق.وعليه فان الولايات المتحدة الامريكية في فترة حكم دونالد ترامب المقبلة ستحتاج لزيادة حضورها في المعادلة العراقية ، وهذا بالطبع لا يعني بالضرورة مزيدا من الحضور العسكري الامريكي ، حيث أن مرحلة ما بعد داعش التي من المتوقع أن تتزامن مع فترة ادارة دونالد ترامب قد لا يحتاج العراق فيها إلى مزيد من الجنود الأميركيين، وقد لا يحتاج أيضاً إلى مزيد من المستشارين.. اذن فان القضية هنا ترتبط بنوع واتجاه الدعم العسكري !. وهو أمر على الحكومة العراقية والقيادات السياسية العراقية النظر اليه بموضوعية وواقعية من زاوية المصلحة الوطنية العراقية ، وذلك من خلال تذكير وحث ادارة الرئيس دونالد ترامب تفعيل تعهدات الولايات المتحدة بعد انسحابها الرسمي من العراق باستمرار دعمها لقدراته الدفاعية ، باتجاه فرض سيطرته على كامل ترابه الوطني، ومنع تفككه، أو اختطافه من قبل قوى العنف الظلامي الارهابي. وقد جرى تثبيت هذا التعهد في اتفاقية الإطار الإستراتيجي الموقعة بين البلدين في السابع عشر من تشرين الثاني نوفمبر 2008 والتي تعتبر الوثيقة الأهم على صعيد تنظيم علاقاتهما المشتركة.ومنذ حزيران 2014 وبعد احتلال تنظيم داعش الارهابي لمناطق واسعة من العراق كما هو معروف تعهدت الولايات المتحدة بتسريع عمليات التسليح الخاصة بالأجهزة الأمنية العراقية. وفي السياق ذاته، جرى التعهد بزيادة عدد المدربين والمستشارين ، وقوات الدعم البري المباشر ، وفعلا” قامت الولايات المتحدة بالإيفاء ببعض تعهداتها بقدر أو آخر ، الا أن هناك شوط طويل يجب قطعه، إذا كانت الولايات المتحدة بصدد تمكين العراق من تحقيق استقراره الأمني، واستتباعاً استقرار هذه المنطقة الحساسة من العالم ، حيث من الواضح أن تسليح الجيش العراقي لازال دون المستوى المطلوب لإنجاز الهدف الذي تم تحديده والتوافق عليه(الاستقرار الامني ووحدة التراب العراقي) ، وهو هدف لا يتصل بالأيديولوجيا السياسية، بل بالأمن الدولي، وفي الطليعة منه أمن الشرق الأوسط والولايات المتحدة.وبالنسبة للرئيس ترامب، فإن هذه القضية لا يُمكن فصلها عن تعهده بتعزيز الأمن القومي الأميركي. وهو ما أكده في أول اتصال هاتفي له مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قائلا”: “إنكم شركاء أساسيون لنا وستجدون دعماً قويا وراسخا”. ودعا ترامب رئيس الوزراء العبادي لزيارة الولايات المتحدة في أقرب وقت بعد مراسم تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة في كانون الثاني/يناير القادم.اذن فان السؤال الجوهري هنا هو : كيف يُمكن لإدارة الرئيس ترامب أن تقول إنها حققت الأمن في دولة مركزية كالعراق، وبات الشرق الأوسط أقل اضطراباً ؟إن المقاربة التي يُمكن لترامب وادارته الذهاب إليها يجب أن تنطلق من البناء على ما تم تحقيقه، فالتاريخ لا يُمكن هدمه، مها بدا مختلفاً عليه. إن وحدة العراق الإقليمية يجب أن تبقى عنصراً ثابتاً في أي إعادة إنتاج للسياسات، كما يجب أن يكون اعتماد العراقيين على أنفسهم عنصراً آخر في المقاربة. ومن دون هذين البعدين، فإن أحداً لا يُمكنه أن يضمن بأن يصبح المستقبل أفضل من الحاضر، بل لا أحد يُمكنه تصوّر المألات، والعواقب السالبة بعيدة المدى، على العراق والشرق الأوسط.ومن الواضح من تصريحات دونالد ترامب إن الإدارة الأميركية القادمة ستكون معنية بالتركيز على كيفية جعل العراقيين قادرين على تحقيق أمنهم الوطني ارتكازاً إلى سواعدهم. وإذا كانت إحدى ركائز إستراتيجية الأمن القومي الأميركي تقوم على مبدأ التصدي لقوى العنف الدولي، والقضاء على قدراتها، قبل أن تصبح تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة الأميركية، فإن النجاح في العراق يعني أيضاً نجاحاً على هذا الصعيد.إن الرئيس ترامب يُمكن أن يحقق للولايات المتحدة منظومة معطيات أساسية ذات صلة بأمنها الوطني، ومصالحها الدولية، إن هو حقق نجاحاً واضحا” في العراق.
الرؤية العراقية للعلاقة
يمكن ان نستدل على اهمية الولايات المتحدة الامريكية بالنسبة للعراق، من خلال أفكار وآراء السياسيين العراقيين، وكذلك من خلال السلوك السياسي للحكومة العراقية، فوفقا لهذه المؤشرات تحتل امريكا مكانة مهمة لدى بعض هؤلاء السياسيين من خلال ايمانهم بأن وجود امريكا الى جانبهم يساعد على ان يخرج العراق من هذه المرحلة كدولة قوية ذات كفاءة، وذات مقدرة على الحفاظ على أمنها ووحدتها واستقرارها ضد التهديدات الخارجية، وكذلك ايمانهم بضرورة مشاركة امريكا في بناء المؤسسات في القطاعات الأمنية والتعليمية والصحية، والحث على الاصلاح والتحول الديمقراطي، ومساعدة العراق في العودة للوضع الطبيعي من خلال سرعة اندماجه بمحيطه الاقليمي .في حين يرى البعض الآخر ان دور العراق المتزايد كمنتج ومصدر للنفط، سيدفع دول ذات شأن ونفوذ في البيئة الدولية كروسيا والصين وفرنسا وألمانيا للنظر الى العراق كدولة ذات أهمية إستراتيجية، وسوقا” واعدا” للاستثمار ! وعلى العراق السعي الى تأسيس سياسة خارجية متعددة العلاقات، دون استئثار واقتصار علاقته على الولايات المتحدة الامريكية ، وهي سياسة تسعى بشكل أو بآخر الى تخفيض منزلة الاهمية النسبية للروابط مع الولايات المتحدة الامريكية . حيث أن اضعاف النفوذ السياسي الامريكي في العراق لصالح نفوذ دول أخرى بعد كل التضحيات التي تم تقديمها في الماضي، سيفسره البعض في واشنطن وبغداد على انه خسائر لأمريكا في العراق ، وهذا الأمر سوف لا يبدو مقبولا” لدى الرئيس الامريكي القادم دونالد ترامب !؟
{ لواء ركن متقاعد
مستشار المركز الاوربي لمكافحة الارهاب




















